ان أشد ما يحتاج اليه جيلنا الحاضر فى المجال الفنى وبصورة أخص فى ميدان المسرح هو الرجوع المستأنى من حين لآخر الى تلك المنابع الغزيرة الاولى لهذا الفن العظيم
فالطفرة التى عرفتها الاذواق ، والانحراف فى المشاعر نحو فن أقرب الى المادة منه الى الروح لحرى أن يخلق فينا حنينا لان نولى وجوهنا وقلوبنا شطر مهبط الفن المسرح عندما كان فى المهد فتيا .
فالمسرح فى أصل منشئه معبد ، هيكل ، فهو اذن وليد الروح وخادمها الامين ، وهو دليل قاطع على ذلك الجانب الروحى الذى انكر وجوده الكثيرون ابان انبلاج فجر الانسانية .
وخليق بمن يشيحون عن المسرح بوجوههم من أبناء هذا الجيل ان يدركوا ان أصالة هذا الفن ابعد من أن تحد ، وان اداءه لرسالته الروحية التى خلق من اجلها هو على أشده اليوم اكثر مما كان بالامس ، وان حاجة جماهير اليوم الى أن تلتمس فيه اداة الاصلاح الناجعة لهى أوكد من أى وقت مضى ؛ وان كل ما كانت الروح باعثا عليه فى انفس الناس ووجداناتهم سيبقى ما بقيت ، ويخلد ما خلدت ، مهما تشعبت التيارات الحضارية وتعددت مسالكها ومناهجها .
لقد كان الباعث على قيام مسرح يونانى قديم حاجة انسانية ملحة ، وكان لا بد للمسرح أن يضطلع بدور أساسى فى سد تلك الحاجة والاستجابة لرغبة الانسان فى أن يعيش المقدسات ، ويخرجها من عالم اللامحسوس الى عالم المحسوس ، ومن اللامرئيات الى المرئيات . وما الالتجاء الى المسرح الا محاولة
الانسان القصوى ليجد متنفسا لتلك الحيرة التى استبدت به دهورا ، معتمدا فى ذاك على الماورائيات والآلهة ليفسر ما أشكل عليه من شؤون دنياه . فاذا أردنا أن ندرك العلاقة القائمة بين المسرح والانسان وجب علينا أن نتعرف على علاقة الانسان بالمقدسات ذاتها ، لان المسرح فى أول أمره لم يزد على أن يكون ميدانا يلتقى فيه الانسان بالآلهة .
فالابطال هم الآلهة المتفرجون ، ورجال الدين هم المنشطون لهذا الحفل الدينى بكل ما يجرى فيه من غناء ورقص . وذلك الاحتفال يرضى حاجيات ودواعى اجتماعية . ( 1 )
أبرز مظهر لهذه الدواعى هو أن الانسان كان ولا يزال دوما يعيش بين الجسد والروح ، أو بين المادة والعقل ، فهو يعيش ليكرس كيانه لهذا الوجود من غير أن يفكر ويعمل النظر فيه ، بل انه بحاجة الى أن يعيش حياته ويفكر فيها ، أو قل هو بحاجة إلى أن يفكر فى مصيره الذى يتراءى له مجهولا حالكا معقدا ، ويستعظم ذلك اللغز العظيم المحير ، فيحاول استحضاره أمام نظره فى جو من الاكبار والاجلال ، ومن هنا أتت فكرة المقدسات فى المسرح
وهكذا يكون المسرح فى مفهومه القديم مجرد قصة يستعرضها الانسان هى قصة ذلك اللغز المحير متبعا فى ذلك الاستعراض طرقا ونماطا مقدسة تصور معضل الانسان اكثر من أن تبحث له عن حل
وابتداء من الفترة التى بدأ فيها المسرح القديم يتخلى عن مفهوم المقدسات نشأ مسرح حديد يعنى بالانسان وبالنظر فى مصيره وآلامه وصعوباته فى الحياة . فبعد أن كان الانسان يحكى قصة الآلهة ، أصبح يحكى قصته لنفسه
على أن ذلك التخلى عن مفهوم المقدسات لا يعنى انفصالا تاما بين المسرح والآلهة ؛ ان تاريخ المسرح ككل تاريخ له قديمه الموغل فى الدين والقداسة وحديثه المتحول عنها بعض التحول . وأول من خدم المسرح فى هذا الاتجاه الجديد ، اتجاه الانسلاخ عما لازمه من طقوس ونواميس دينية : " أشيل
ومما يذكر في هذا الاتجاه أن المأساة الاشيلية فى معناها البعيد تهدف الى جعل الانسان يتصور مصيره على أنه ليس مجرد ثمرة للصدف أو للامعقول ،
وانما هو تكامل الارادة المزدوجة الواعية للآلة والانسان ؛ وهو كذلك نهاية صراع قوى ضد القدر الذى يرمى الانسان بالبؤس والعبودية . ( 2 )
وهذا التحول الهام فى نظرة الانسان الى الانسان - حتى أصبح يزاحم الآلهة فى توجيه مصيره - استمد جذوره الاولى من الصدام الذى حصل ضد الفرس ، مما جعل المدنية الاغريقية تشعر بكيانها . وانتهت الحرب ، فتدعمت أسس الديمقراطية ولكنها لا تزال دوما مهددة ، فاستغل أشيل هذا الوضع ليدخل على نفوس الاثينيين شعورا جديدا قوامه الانتماء الى عالم مترابط موحد فيه يتبوأ العدل والشجاعة المكانة اللائقة بهما ، وبه تضبط علاقة الأفراد بالمجموعة .
وكما سبق القول ، فان مسرح اشيل لم ينسلخ بكليته ، ولم يتخل تماما عن الآلهة ، والمقدسات ، وانما كان له الفضل فى القيام بالخطوة الاولى فى جعل الانسان ينازع الآلهة أدوارهم . من ذلك مثلا اننا لا نهتم بأبطال أشيل اعتمادا على اشخاصهم فحسب ، وانما كذلك على ما يكمن وراءهم من ألوهية مرهبة محيرة ، تحركهم ، وتستبد بهم وبالآلهة على حد سواء . وتلك الالوهية هى هى القدر أو المصير الذى يقتفى أثر المذنبين آباء وابناء ، فينتقم من الجريمة بجريمة مثلها ، ويقوض منازل الملوك ، وقد ينافس الانسان احيانا فيجعله يكفر عما وصل اليه من نعمة ورخاء . وهكذا فان قيام مبدأ القدر الخفى فى مسرح أشيل يوحى بنوع من الرهبة الدينية ، ويدخل كذلك على نفوس المتفرجين رأفة وذعرا ؛ فيوسع مدى التأثير الدرامى بوقائع تجعلهم يلمحون وراءها تلك القوى الخفية التى تديرها . ( 3 )
وقد نخطئ إن استنتجنا أن أشيل ينزع عن الانسان حريته اعتمادا على أن أبطاله يشعرون بأنهم مدفوعون بقدر جبار لا طاقة لهم على رده أو الوقوف فى وجهه . ذلك أنهم باستخذائهم وانحيازهم الى تلك القوى القدرية ، لم يخرجوا فى شئ عن نزوعاتهم الخاصة . والابعد من ذلك أن البطل قد ينساق الى حوار طويل داخلى بينه وبين نفسه حول ما عساه أن يفعل ، ثم ينتهى الى موقف مبنى على الحرية وحسن الاختيار . ولا أدل على ذلك من موقف ملك " أرقوس Argos " فى مسرحية المبتهلات . ولكن كيف امكن لأشيل أن يعتنق
ويؤمن فى قرارة نفسه بمبدأين متناقضين هما القدر وحريه الاختيار ، أو الجبر والاختيار ؟ . . ان قضية فلسفية كهذه - تنتمى الى أعقد المعضلات الماورائية . يستبعد أن تكون قد خطرت بذهن أشيل ، فضلا عن أن تخامره تساؤلات بشأنها .
ومهما يكن من أمر فان فى الشعور الدينى العميق الذى أذكى حساسية أشيل معنى جديدا : هو الشعور بالحق والعدل . فحلول الاله " زوس " Zeus ) وغيره من الآلهة الجدد قد أوجد عدلا ، وهو عدل مستنير ، حل محل الاعتقاد المتعارف قديما والقائل أن القدر وحده كفيل بتسيير العالم فى غير نسق ولا انتظام . ثم ان ذلك الشعور القائم على العدل قد أعطى مسرح أشيل ما يتمتع به من قيم اخلاقية عليا . فلقد لاحظ أن العدل يتقلص كلما وقع الاسراف فيه ومن ثم ينبع قانون هام على الانسان أن يطبقه فى حياته ويلتزم به إذا أراد أن يعيش سعيدا هو : الاعتدال فى كل شئ
ومن جهة أخرى فان نفس تلك المشاعر الدينية بما فيها من احترام عميق للآلهة والحق والعدل قد كانت حافزا هاما جعل الاثينيين القدامى ينطوون على شغف خاص بمسرحيات أشيل أما المحدثون منهم فانهم مع كلفهم الشديد بمسرح " سوفوكل " الناهض الجديد ، كانوا لا يظهرون اعجابا أقل بمسرح أشيل ، وليس ذلك لمجرد ما تضمنه من مبادئ اخلاقية فحسب ، وانما هم يكلفون ويعجبون بسبب ما تضمنه من قوة الخيال الرائع الذى يكيف الواقع ليضفى عليه عظمة تتعدى حدود الانسان ، من خلال الاناشيد البالغ تأثيرها فى النفوس ، والروايات التى تعج بالحياة وتفتن بالمشاهد .
ولأشيل أياد بيضاء كثيرة تتعدى ما ذكرنا من ادخاله ذلك المفهوم الانسانى الالهى الجديد على المسرح مع فكرة الحق والعدل . فقد نسب اليه أنه ضبط مخططا جديدا للمسرح يقتضى ادخال ممثل ثان ، الامر الذى خلق حركة مسرحية لم تكن موجودة . أما العنصر الغنائى الصادر عن المجموعة فهو يمثل نقطة التوازن أو الاستراحة . وبذلك فقد أصبح الجمهور لا يتغنى فقط بالشعر الملحمى وانما يعيشه ، ويحيى فى اعماقه معارك اجداده القاتمة التى ما هى فى نهاية الامر الا صراع التفكير الانسانى لدرء فساد العالم ونكباته .
ثم ان الجو التراجيدى العميق لدى أشيل هو جو الخلق ، هو تلك الفترة الرهيبة التى يبلغ فيها الالم والغبطة جنبا لجنب حدهما الاقصى ، فيتصادم فيها الانسان الموغل فى ضعفه ، والعالم المتلفع بعظمته الساكنة وينساقان الى صراع لا يعرف أبدا نهاية .
وحتى يضمن أشيل مزيدا من المشاركة التى كان يساهم بها مواطنوه فى المشاهد المسرحية نجده يعمد - فى تنظيمه المسرحى - الى مضاعفة كل المشاهد الكفيلة بتقريب الشقة بين الانسان الاغريقى وبين البطل ، رمز تاريخ المدينة .
والابطال بحركاتهم ، وازيائهم وحوارهم يندمجون فى الحياة الاغريقية ، ويبلغون عن المدينة صورة حية قد امتزجت الى الابد بأسمى معانى البطولة
ورغما عن أن التراجيديا قد عرفت عديدا من الرواد العظام الذين اخرجوها الى حيز الوجود ، فان أشيل يمكن اعتباره بحق أبا المأساة ، وذلك لا يقوم فحسب على أوجه التجديد المادية التى ادخلها على المسرح ، وانما كذلك من اجل عظمة التأثير الدرامى الذى عرف كيف يستمده من مواضيعه بناء على تصوره للحياة .
ومن مظاهر التجديد المادى المسرحى التى تنسب الى أشيل يذكر " هوراس " Horace الشاعر اللاتينى أنه أول من استعمل القناع واللباس الطويل الضافى ، وكذلك اقامة الركح على ركائز
ان كل ما حققه أشيل للمسرح اليونانى من مظاهر تجديدية متعددة لم يكن كفيلا بتوفير الحركة بما فيها من تعقيد وتأزم مسرحيين . كذلك لا نجد فى مسرحه تصويرا دقيقا للعواطف والاهواء والامزجة ، فى ذلك المستوى الراقى البديع الذى بلغه كل من سوفوكل " و " اوريبيد "
ولقد سبق لأرسطو " أن وصف المأساة الاشيلية بالبساطة ، وذلك بالمقابلة مع المأساة المركبة . فكانت تتماشى مع ما دعا اليه أرسطو من وحدة الحدث وتكامله ضمن أبعاد محدودة ؛ ولكنها لا تتعدى وصف المشاعر والاحاسيس المتولدة ، سواء عن المجموعة أو عن الممثلين
ان العنصر الغنائى والتصوير الملحمى يحتلان مكانة هامة فى مأساة أشيل غير أن طبائع الابطال تبرز بقوة من خلال تصوير ملامحها الرئيسية
وهكذا فان أشيل وجد قبولا حسنا لدى الجمهور الاغريقى رغم تنازعه الشهرة - وهو حديث العهد بها - مع الشاب " سوفوكل " . ولقد بقيت اسباب هجرته من أثينا اثر انتصاراته الفنية الباهرة مجهولة ، ولم يبق لنا منه بعد موته بصقلية التى انهى فيها ايامه الا سبع روايات .
انها لفترة حاسمة بالنسبة ليقظة الضمير الاغريقى ، فالمسرح الاشيلى يعكس - على المستوى الفنى - التفتح الحضارى المدهش الذى ستتزعمه أثينا وستكون له النموذج الحى طوال كامل القرن الخامس
أما عمالقة المأساة الذين كثيرا ما نقرنه بهم ، أمثال دانتى وشكسبير وهيجو أو " كلودال فانهم استلهموا مواضيعهم من معضلة الانسان ذاتها . تلك التى تدفعه الى تصوير الانسان فى صراعه الدائم ضد ما يكتنف العالم من ظلمات ، والى أن يستمد من المظاهر البطولية كل ما يعاكس تيار الموت والحياة
