يعتبر الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانى المتوفى سنة ٣٣٤ ه من أعلام العلم والفكر والأدب العرب والمسلمين ، وقد ترجم بأنه مؤرخ وعالم بالأنساب وعارف بالفلك والفلسفة والادب ، وبأنه شاعر مكثر من أهل اليمن ، وكان يعرف بابن الحائك ، وبالنسابة ، وبابن الدمينة ( نسبة الى أحد أجداده ذى الدمينة بن عمرو ) ولد ونشأ بصنعاء فى مطالع القرن الهجرى الرابع الذى نضجت فيه العلوم والآداب فى البلاد العربية والاسلامية ، وبلغ فيه علماء الاسلام والعرب الذروة ، وكان مقامه ريدة قرب صنعاء ، وطوف بالبلاد ، واستقر بمكة زمنا ، ومكة مجمع سنوى ودائم لأهل العلم والادب من سائر الاقطار الاسلامية والعربية ، وكانت تزخر بالعلماء وأهل الادب من أهلها اذ ذاك ، وحينما عاد الى اليمن اختار صعدة مستقرا له ، ولكنه لم يكن هادئا فقد هاجى شعراءها ، فنسبوا اليه أبياتا تنافى مبدأ الاسلام فحبس ونقل الى سجن صنعاء ( ١ )
وللحسن تآليف قيمة يشم الانسان من بعضها ريح العصبية لقومه اليمانين ، وقد سجل فى بعضها مفاخر تاريخهم القديم وحضارتهم ابان الجاهلية . . مما يخلده .
وكان كتاب (( الاكليل )) له فى أنساب حمير وأيام ملوكها الواقع فى عشرة أجزاء ، والمشتمل على مجهول حضارة اليمن وعلومها واقتصادها وعمرانها وصناعاتها وتدويناتها - موسوعة علمية فريدة فى بابها - وقد ظهر منه فى عالم الطبع أربعة أجزاء اثنان هما الأول والثانى ، والاثنان الآخران هما الثامن والعاشر . . وبودنا أن يعثر على بقية أجزائه فيكمل بها طبعه كله . . ليطلع الاحفاد من العرب والمسلمين على بعض الذخر القيم الذى قدمه أسلافهم الميامين للحضارة العالمية ، تدوينا وواقعا . وله من الكتب أيضا (( سرائر الحكمة )) و (( القوى )) و (( اليعسوب )) فى القسي والرمي والسهام ، و (( الزيج )) وكان أهل اليمن يعتمدون عليه ، ومن تصانيفه المنشورة المشهورة : ( صفة جزيرة العرب ) وله كتاب (( الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء )) وهو فى الكيمياء والطبيعة ، وقد وصفه صاحب (( الاعلام )) بأنه مخطوط ( ٢ )
كتاب الجوهرتين العتيقتين
وموضوع حديثنا فى هذه الكلمة يتناول الكتاب الاخير ، فيستعرض منه فوائد وجملا وآراءا ونظريات ، لعلها تكون مفيدة لعشاق البحث والاستنارة ولعلها تلقى بعض الاضواء على مدى عمق علم علمائنا القدامى ، كما تلقى لنا الاضواء فى نفس الوقت على ان علومهم كانت هى المستند والنبراس الذى اهتدت به أوروبا من ظلماء الجهل أولا ، والذى به وعن طريقه والافادة منه بدأت فى خطواتها التقدمية نحو حضارتها الحاضرة ، التى لا يكاد يعرف كثير من أبناء العرب والمسلمين أنها
راجعة فى الاصل الى آبائهم فى الاصل ، وأنها مقتبسة الجذور والجذوع والفروع من علم أجدادهم النير الذى كان يجلل آفاق العالم بضيائه المتوهج ، والذى كان علماؤه يبحثون فى كل شئ ، ويجربون ويقارنون ويستنبطون ويظلون وراء معامل التجربة والاختبار أمدا قد يطول وقد يقصر حتى يتوصلوا الى ما يتوخونه من النتائج العلمية المستهدفة لخير الانسان وتقدم الحضارة ، ورفاهية الاسرة البشرية .
أهمية الكتاب العلمية
ولا نذيع سرا اذا قلنا أن كتاب (( الجوهرتين )) قد ظل حبيسا فى الخزائن الخاصة ، مخطوطا نائما بين دفتي مجلداته الخطية كما وصفه به كتاب (( الاعلام )) للزركلى فيما نقلناه عنه آنفا خلال ترجمته لمؤلفه الامام فى العلوم والآداب ، حتى جاء بعض المستشرقين بالسويد فقام بطبعه طبعا حجريا أو مستنسخيا ، فنقله بخطه وطبعه طبعا أنيقا محققا ، ويقع فى ٣٧١ صفحة من الحجم المتوسط .
ولما كنت مغرما بتقصى آثار السلف فى ميدانى العلوم التطبيقية والتقنية لعلى أجد بها منافذ مفتوحة لمعرفة السبل التى تمكن الغرب بها من السيطرة على قوى الطبيعة التى أودعها الله فيها من جراء تسرب العلم العربى الاسلامى التطبيقى والتجريبى اليهم فى غابر العصور ، فقد استهوانى هذا الكتاب الذى اعارنى نسخته الصديق الاستاذ سمير شما بجدة . . فها أنا الآن أستعرض بعض ما ورد فيه مما تحدث فيه من فرائد النظريات وغرائب المعلومات , وعجائب التجارب والتطبيقات الطبعية والكيماوية استعراضا سريعا غير مرهق لذهن القارئ وانما يسير به فى خمائل وحدائق ذات أزهار وأشجار وأطيار . .
وماء سلسبيل نمير . يبرد غلة ظمئه الى المعرفة ليتخذ منها سلما عالية الى اقتحام ذرى الحضارة الاسلامية التى ظلت ردحا من الزمن منكوبة بمحاولة طمس المعالم ، وبالاهمال والاعراض . . فأقول :
أصل الدرهم والدينار عربى
ان كتاب (( الجوهرتين )) الذى ألفه الحسن الهمدانى يتحدث عن الذهب والفضة حديثا منه اللغوى والفقهى والبيانى والادبى ومنه وهو الهدف له : العلمى . وفى باب اللغة يفيدنا بأن (( الدينار )) مشتق - عند أهل اللغة - من (( التدنير )) وهو التلؤلؤ ، والدرهم - عنده - من الدره وهو ( لغة ) الدفع . . ومنه تسمية الأحلول ( ١ ) مدرها ، وسمى الرجل الذى يدفع به الحدث العظيم من الامور (( مدرها )) أى مدفعا .
وقال الهمدانى : ان هذا ( كان أصل اسم الدرهم للعرب العاربة وخاصة لحمير لانهم أول من أحدث ذلك من العرب العاربة فكان (( الدره )) بفتح الدال وسكون الراء : الفعل . . وكان (( الدره )) ( ٢ ) - بكسر الدال وسكون الراء بعدهما هاء : الاسم ، كما تقول : الجلسة للمرة الواحدة ، والجلسة بالكسر للجيم الاسم ، وحمير تزيد فى الاسم ميما كتسميتهم لقصر ريدة : تلف - بفتح
التاء واللام بعدها فاء - ثم زادوا الميم فقالوا ( تلفم ) يريدون ( تلف ما ) ثم خفف فقالوا ( تلفم ) بتسكين اللام ، وزيادة الميم فى الكلام من العربية المحضة . وقد ضرب لذلك شواهد : شدقم وستهم وزرقم ودقعم ، من الأشدق والأزرق والأسته والدقعاء . . والأدرهمام : السقوط من الكبر والهرم . . فمن قال هذا فكأن الدرهم عنده من الادرهمام وهو الصغر والقلة ، ومن أخذه من ( الدره ) وهو الدفع فكأنه عنده دافع لكل مهم ) ( ٣ )
وبهذا وقانا الحسن الهمدانى من العدو وراء الاقتباس فى لغتنا الاصيلة من الاجانب وبهذا أعاد الماء الى مجارية وحقق لنا ان صيغتى ( الدينار ) و ( الدرهم ) هما عربيتا العنصر وليستا مستعارتين من لغة أجنبية أو لغتين . .
أنواع الجواهر
وقد استطرد القول بأبى الحسن الهمدانى ، فلم يقصر كتابه على تحقيق ملابسات الذهب والفضة العلمية . فهذا فصل كامل عقده للجواهر من الحديد والآلك : ( الرصاص ) والخرز الاسود والحجارة السود ، والنحاس ، من الجواهر التى سماها دنيئة ، الى الجواهر العالية كالمرجان والزبرجد وحجر المغناطيس واللازورد ، والصدف والمحار ، والطلق ، والدر واللؤ والبلور ، والمها والجمس والزجاج والجزع والبجادى والفصوص . . وقد ربط هذه الجواهر وغيرها بالبروج ، وعدد لنا أصنافا كثيرة من الجواهر غير ما سبق ذكره مثل الدهنج المعين ، والخرز المعين ، والفيروزى ، والزيبق ، والكندر والكهرباء ، الخ . .
كيف يتكون الذهب والفضة ؟
وهذا باب مهم أفرغ فيه المؤلف معلوماته القيمة ، وهى معلومات نتوجه بها الى أهل العلم الحديث فى هذا الشأن ليقولوا لنا كلمتهم العلمية المركزة فيه . . يقول الهمدانى : ( ان الجواهر المعدنية تتكون فى البخارات المختلفة بتقدير العزيز العليم لا من شئ سواها باشتراك الكواكب ) وقد استدل على هذه النظرية بنظرية تجريبية أوردها فقال : ( والدليل على أن تكوين الجواهر من البخارات المختلفة ، ما نراه فى هذا العالم من استحالة أشياء الى أشياء ، وصلاح أشياء بأشياء ، وفساد أشياء بأشياء وفساد شئ بصلاح شىء ، وصلاح غيره بفساده )
وأضاف الى ذلك تجاربه العلمية الخاصة فقال : ( وقد ترى الارض ربما لطف بعض أجزائه ( أجزائها ) فصار ماء ، كالبقعة من الارض والجبل الذى يجتذب بقوته رطوبات ما تحته من أعماق الارض ، فاذا تكاثفت فى أصله أو فى وجه تلك البقععة - الأنداء والرطوبة التى اجتذبها من أعماق الارض طلبت المخرج منها بعض أجزاء تلك البقعة ماء وانحل مكانه فصار مسلكا للجميع ، كالشجرة التى تجتذب الرطوبة من أعماق الارض بعروقها الى أصلها وفروعها ، ويستحيل مع تلك الرطوبة شئ من الشجرة الى المائية فيتأديان جميعا الى الثمر ) . . تلك نظريته وهذا دليلها . . ويمتازا ابراز النظرية والدليل منه بوضوح الكلام وانسجامه ، وبساطته .
توليد الحرارة بالاحتكاك والدوران السريع
وتطرق الحسن الى موضوع توليد الحرارة بالاحتكاك والدوران السريع وقد عالج هذا الموضوع الذى يبدو أنه أساس توليد الكهرباء معالجة حكيمة لطيفة ومقنعة فقال : ( كل جسم يتحرك حركة شديدة كالحجر اذا احتك بالحديد والمنقب فى الخشب وذكر الزند فى الانثى ، والمنجنون فى الرحى ، والبكرة فى المحور - لا بد أن يؤدى ذلك الدوران منها دفئا ، ثم ما هو أحر حرا فحرا ، حتى يصير الى الحرارة الملتهبة ثم المحرقة . . وقد عزا الحسن هذه النظرية الى ارسطاطاليس الحكيم . ولكنه رجع فنقضها حينما قال : قد أحسن الحكيم فيما فرع وان كان قد بنى قوله فى مبتدأ الحرارة على غير أصل الخ . . وفى أثناء سياقه الدلائل على فساد نظرية أرسطاطاليس هذه أتانا بنظرية علمية هامة فقال : (( ثم نقول ان الله تبارك وتعالى خلق هذا الفلك كريا مدحرجا وجعل الارض فى وسطه كرية مدحرجة مثلا فى موسطه كالمركز فى جوف الدائرة الا أن صغرها فى عظمه كالنقطة عند الدائرة الكبيرة . وكل دائرة فى دائرة ) . . فها هو يقرر لنا أن الارض كرية وانها متحركة فى محورها .
نور القمر من شعاع الشمس
هكذا يقرر لنا الهمدانى فيقول : ( كما لا يلبس القمر ضياءه الا من شعاع الشمس ) وبهذا يكون قد أتانا بأحدث النظريات العلمية فى هذا الشان .
طبائع الذهب والفضة
ويقرر الهمدانى أن : ( أول ما يعقد جوهر الذهب ، الحرارة وشئ من اليبس ، ويدلل على ثبوت هذه النظرية بقوله : (( والدليل على ذلك أن معادن الذهب لا تكون الا فى أحر البلاد ، ولا تحر تلك المواضع الا بحرارة ما يظهر فيها من البخارات ، وان تربة معادن الذهب لا تكون الا ناضجة حمراء تصبغ كالطين الاسود الذى يوقد عليه فيصير أحمر للطباخ )) - بكسر الطاء وتخفيف الباء .
واننا اذ ننقل هذه الفقرة نتجه بها الى الدكتور فاضل قبانى وكيل وزارة البترول للثروة المعدنية وغيره من علماء المعادن . . عسى أن يفضل فيدلى لنا برأي العلم الحديث فى نظرية العلم العربى القديم هذه .
ويأتينا بنظرية أخرى هى : ( والدليل على نضاج أرض معدن الذهب وعدم العفن بها وأخذ الحرارة له ، ما يوجد من عذوبة مياه معدن الذهب ، حتى يقال : هذا ماء ذهبى ، وماء تربة الذهب ، وماء الذهب . وكثيرا ما يظهر فى أرض معدن الذهب من العضاه : السمر والسلم والضال وكل شجرة حارة النار ) . .
وهذه نظرية أخرى . . نرجو من الدكتور القبانى ومن أهل العلم الحديث بالمعادن أن يدلوا لنا بآراء العلم الحديث فيها أيضا .
معادن جزيرة العرب
( قال أبو محمد : يقول أصحاب أخبار مكة : ان بالعير والعيرة وهما جبلان يعلوان مكة ، معدنا . . ) بهذه الجملة يفتتح الحسن هذا الباب ومن ثم يمضى بنا فى تعداد معادن جزيرة العرب : معدن عشم بكنانة ، ويذكر خواص كل منها وذهبه أحمر جيد ، ومعدن
الفقاعة بخولان ، ومعدن المخلفة - بفتح الخاء واللام المشددة - بهمدان . هذه معادن تهامة واليمن . .
ومعادن نجد الذهبية أولها معدن الهجيرة من نهد - والهجيرة - بضم الهاء - . . ومعدن بيشة بعطان . . ومعدن العقيق : عقيق جرم بين نجران والفلج - بفتح الفاء واللام - ، ومعدن الحسن - بفتح الحاء والسين - والحسن قرن أسود مليح ، وهو من معادن اليمامة . . ومعدن الحفير - بضم الحاء المهملة بناحية عماية . . ومعدن الضبيب - بالتصغير . . ومعدن الثنية - ثنية ابن عصام الباهلى . . ومعدن العوسجة بأرض غنى فويق المغيرا ببطن السرداح . . ومعدن تياس - بكسر التاء فى ديار بكر ، به دفن العلاء بن الحضرمى صاحب رسول الله ( ص ) . . ومعدن محجة العراق بين العمق واقيقعة . . ومعدن بنى سليم - بضم السين - . . ومعدن بنى فران من أرض بلي .
ويستطرد كعالم موسوعى الى ذكر معادن بلاد الاعاجم : معدن غانة بأرض المغرب مغرب مصر وتحول دونه المفاوز والمخافة من سودان المغرب ، فاذا وصل واصل أو قر ركابه وذلك أن عروق الذهب وأعيانه ، وطرائده ، ونصاله ، وألسنته ، بها كثيرة فيفرض ويحمل . . خبرنى بذلك ابراهيم ابن محمد بن عبد الرحمن صاحب دار الضرب بصنعاء وصعدة على ما تناهى اليه وخبر به ))
( للبحث بقية فى العدد القادم ) ، ان شاء الله .

