الاستاذ محمد سعيد العامودى ليست هذه ترجمة لحياة هذا الشاعر المديني المشهور !
فلقد كتب عن حياة الأسكوبى - كما اذكر - صاحب المنهل ، وغير صاحب المنهل . . مالا يدع مقالا لقائل في هذا المجال .
وانما احاول ان اشير في هذا الجزء الخاص بالشعر . . الى جانب واحد من شاعرية الأسكوبى ..
وماذا اصنع ، والصديق الاستاذ صاحب المنهل الأغر ، يأبى على الا ان اسهم في هذا الجزء الخاص .
ويابي على الا ان اكتب عن الشعر والشعراء ؟
فليكن ما اكتبه اذن عن السياسة فى شعر الاسكوبى . . او الشعر السياسي للاسكوبى . .
وهنا يبدو لي ان قارئا ما . . سيقول بعد ان يفرغ من قراءة هذا المقال : اني لم استوف البحث في هذا الموضوع . .
لانه سيرى اني لم اتحدث الا عن احدى القصائد لهذا الشاعر . . فلم اتحدث عن مجموع شعره السياسي . .
وجوابي : نعم ايها القارئ الكريم ! انها قصيدة واحدة . . . ولكنها ممتازة ! انها قصيدة واحدة . . . ولكنها تعدل ديوانا من الشعر الرائع الرصين !
انها قصيدة واحدة . . ولكنها تدل على شاعرية هذا الشاعر . . وعلى ميوله الفكرية والاسلامية اكثر من أي شعر آخر تركه لنا فى ديوانه المخطوط !
وكم من قصائد " وحيدات " . .
ملأت الدنيا ، وشغلت الناس !
من امثال " الاهبى . . " في عصر ما قبل الاسلام . .
الى " بانت سعاد " في عصر النبوة . . . والى آخر ما حفلت به آدابنا العربية خلال العصور . وكم من قصائد " عديدات " . . ذوات جعجعة وطنين . . لم يبق لاصحابها - رحمهم الله - أى خبر او اثر !
لانها لم تكن سوى نوع من الكلام الموزون المقفي . . او بعبارة ادق : لانها كانت جسما بلا روح !! ولأن نفوس اصحابها - رحمهم الله - قد فاتها ان الشعر ليس مجرد صنعة . . وانما هو مشاعر نبيلة ، ومعان كريمة . . . قبل ان يكون كلاما منظوما ، موزونا مقفى !!
والقصيدة الاسكوبية المدوية - كما نعتها بذلك صاحب المنهل - هي التى قال عنها ايضا عندما زفها الينا فى الجزء الصادر فى شهر ربيع الثاني ١٣٧٢ ه :
" . . أول قصيدة سياسية فى الشعر الحجازي الحديث على ما نعرف وقد انشأها ناظمها الشيخ ابراهيم الاسكوبي المدني في آخر العهد العثماني ، وقبيل الحرب العامة الاولى بقليل ووجهها الى الدولة العثمانية صيحة ارشاد وتنبيه . . الخ الخ "
انها قصيدة فريدة حقا فى شعر الاسكوبى . . بل هى " فريدة " ايضا في مجموع شعر بلادنا المعاصر منذ بدا الشعر ينهض في هذه البلاد !
ومن المدهش ان العصر الذي عاش فيه الاسكوبى في وطنه . . كان - كما نعرف - عصرا متخلفا وبالأخص فى ناحيتي الفكر والبيان
فلم تكن عندنا نهضة للأدب ، على نحو ما كان في مصر وسوريا والعراق اذ ذاك . .
ولم يكن عندنا اية حركة فكرية بحيث يمكن ان يظهر لدينا شعراء نابهون مجيدون على غرار شعراء ظهروا في تلك الاقطار في الفترة التى سبقت الحرب العالمية الاولى .
لقد كان فى مصر شوقي وحافظ وغير شوقي وحافظ . . وكان في العراق الرصافي وغير الرصافي ، وكان في الشام شعراء لا يقلون عن اولئك وهؤلاء . .
ولكن كانت هنالك ظروف او احداث اتاحت لشعراء مصر والشام والعراق ان يظهروا في ذلك العهد على حين كانت بلادنا ابعد ما تكون عن تلك الاحداث . .
فكيف ظهر الأسكوبي ؟ !
وكيف جاءنا بهذا الشعر الواعي ؟ ! وكيف اتيح له ان يخرج عن " القوقعة " . . اعنى كيف استطاع ان ينظم فى موضوع كهذا الموضوع الحساس ، وفي وقت لم يكن فيه ما يشغل شعراءنا في الجيل الماضى سوى الغزل البارد السقيم ، او الهجاء ، ولا شئ غير الهجاء !
لقد كان العصر الذي عاش فيه شاعرنا الأسكوبي : عصر الانهيار بالنسبة للدولة العثمانية ، او الرجل المريض - كما كانوا يقولون !
وما اكثر ما كان شعراء مصر والشام والعراق ، ينددون بالرجل المريض . اشفافا عليه . . ولكن دون جدوى
وما اكثر ما كان الدعاة المخلصون يناشدونه ان يتدارك نفسه . . غير انه لسوء حظه وحظ العرب والمسلمين لم يكن يسمع ولم يكن يعى !
وكان الأسكوبى شاعر المدينة المنورة ، واحدا من اولئك الدعاة المخلصين .
وكانت قصيدته المدوية - ويبدو انه نظمها اثناء هجوم ايطاليا على طرابلس الغرب قبل الحرب الاولى - احدى الصيحات . . ولكن للأسف كانت في واد ، والدولة العثمانية في واد !
ويشاء الله ان تمنى الدولة العثمانية بالهزيمة فى تلك الحرب الاستعمارية الغاشمة . . وهو امر محتوم بطبيعة الحال في حالات الانهيار !
ومن المحزن انها هزيمة شنعاء كان لها ما بعدها . . مما يعرفه الجميع !
وقد مات الاسكوبى منفيا عن بلاده بسبب هذه القصيدة . . مع انه لم يضمنها سوى النصح والتوجيه :
النصح والتوجيه من شاعر مسلم يثبت كل بيت في قصيدته انه مخلص كل الاخلاص لدولته العثمانية !
فلم يكن الأسكوبى من اصحاب فكرة الانفصال عن الترك ، كما كان كثيرون من رجالات العرب يؤمنون بهذه الفكرة فى ذلك الحين . .
واذن . فهو عندما يخاطب الدولة فى هذه القصيدة انما يخاطبها كما يخاطبها اى " عثمانى " وهو يبدأ قصيدته قائلا :
يا آل عثمان فالمغرور من غرا .. بأهل أوربة . او عهدهم طرا
أتأمنون لموتورين ، ديدنهم .. أن لا يروا منكمو - فوق الثرى - حرا ؟
تمالئوا . . فخذوا حذرا . فانهمو .. يرون ابقاءكم بين الورى ضرا
فهذه " دولة الطليان " حين رأت .. اسطولكم ليس يغنى . فاجات غدرا
وشقت البحر بالاسطول معجبة .. تختال تيها به . مغرورة . سكرى
وبعد ان يشير الى ما قامت به ايطاليا عند مفاجاتها بتلك الغزوة من انزال جنودها فى مدينة طرابلس . وما كان من موقف الدول الاوربية جمعاء من عدم قيامها بصد هذا العدوان . . استمع اليه يقول :
دون الدنية ، اينار المنية فى .. قوم من البغض . ودوا محوكم مكرا
لا تحسبوا انهم ناسون ما فعلت .. أسلافكم بهمو . . فى سالف مرا !
أيقظتموهم بضرب الهام فانتبهوا .. من نوعهم . ورقدتم أنتم الدهرا !
فليتكم ما خطوتم نحوهم قدما .. وما اغرتم على أملاكهم شبرا
نبهتموهم . فشدوا عزمهم حنقا .. كأنهم قد اقلتم منهمو العثرا
فجددوا عددا للحرب فاتكة .. برا وبحرا . فجاسوا البر والبحرا
واحسب ان القارئ الأديب لا يفوته ما يشير اليه شاعرنا في هذه الأبيات . . من وقائع التاريخ . . وما كان من ولوع سلاطين آل عثمان الاقدمين بالحروب يشنونها باستمرار على من يجاورهم من الدول الأوربية وهو ما كان من اهم اسباب تكتل هذه
الدول فيما بعد ، وقيامها الواحدة تلو الأخرى . . بمحاولة القضاء على هذا التحدى كما يرى ذلك معظم المؤرخين . .
لقد كان هم اولئك السلاطين ان يهاجموا تلك الدول فى كل وقت . . دون تقدير للظروف ، او نظر للمصلحة فكان ان تنبهت تلك الدول "فشدت عزمها حنقا " وجاسوا البر والبحر " وظلوا - كلما واتتهم الفرص - ياخذون هذه القطعة او تلك . . من ديار الاسلام !
وعلى هذه الوتيرة يستمر شاعرنا الاسكوبي في الايماء إلى احداث التاريخ ، مستخرجا من كل ذلك العبرة ، محللا اسباب ما حل بالدولة من وهن الى ان يقول مخاطبا القوم :
ظننتمو ان دين الله أخركم .... عنهم . . وهم حمدوا كفرا به المسرى
لا تظلموا رحمة للعالمين أتت .... هدت الى حكم عظمى جرت نهرا
فلو عملتم بها . . ما فاتكم احد .... سبقا . . ولا احد يوما لكم أزرى !
تذكروا . . كم خطيئات لكم سلفت .... بها ، تأخرتمو عنهم . ابت حصرا
انه تقريع شديد . . . ولا اظن الشاعر يقصد بتقريعه هذا الموجع . سوى جماعة الاتحاد والترقي . وهم الذين دبروا الانقلاب المشهور ضد عبدالحميد . . واوجدوا ما اسموه " الدستور " وأوهموا العالم العربي والاسلامي في بادئ الامر انهم انما
قاموا من اجل الدستور . . ثم كان من امرهم ما كان . . واخيرا تمت على ايديهم نهاية الرجل المريض !
فالذين كانوا يقولون ان الدين هو سبب التاخر . . انما هم اولئك الاتحاديون . ولكن هل نفع التقريع ؟ وهل نفع التذكير ؟ ! ها هو الاسكوبى من اعماق فؤاده يتأوه ويصرخ قائلا :
تالله ، تالله ، ان لم تسمعوا الذكرى .. مالوا عليكم . فلم يبقوا لكم ذكرا !
نعم الشفاء بقرآن الاله إذا .. قبلتموه ، والا فاسكنوا " القبرا " !
ان تنصروا الله ، ينصركم ، فكم فئة .. قليلة غلبت أضعافها كثرا !
يا للرجال ، ثقوا . أن ليس ينفعكم .... الا ثباتكمو ان تركبوا الوعرا
وان تخوضوا غمار الموت مترعة .... من كل اغلب ، من ليث الشرا أجرا
مسلحين بما وافى العدو به .... من السلاح وان توفوا له صبرا
فهذه العرب والاتراك قاطبة .... ما عندهم عدد تكفيهم قدرا
فرخصوا لجميع المسلمين به .... بل اكشفوا لهموعن صنعه السرا !
كى يصنعوه بأيديهم فيغنموا .... حياتهم . ويفوا مولاهم صبرا
الى أن يقول :
فالله يسألكم عنهم . وعن بدع .... جهلا ، رضيتم بها فى دينهم تجرا !
عليكمو وزرهم ، ان اصبحوا هدفا .... يرمي ! وليتكموا استعظمتم الوزرا
لو ألف عام طلبتم علم اوربة .... وحالكم هكذا . لم تبلغوا العشرا !
لم يكف ما طار من صيت لهم خبرا .... حتى يطيروا . . فصاروا فوقكم خبرا
وهكذا . . وهكذا . . الى آخر ما افرغته جعبة هذا الشاعر القدير من نصحه الخالص ، وتأنيبه المرير ! فهل اكون مبالغا ان قلت ان
الاسكوبي - يرحمه الله - قد سبق عصره الذي عاش فيه ؟
وهل اكون مبالغا ان قلت ان الاسكوبي - يرحمه الله - شاعر فذ ؟ وانه ان لم يكن له سوى هذه القصيدة المدوية وحدها - كما سبق ان وصفها بذلك صاحب المنهل الاغر - لكفى الاسكوبي فخرا بها علي مدى الاعوام !

