الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

من علماء المغرب، الادريسي

Share

ما كادت افريقية ) تونس الحالية ( تنفصل عن الخلافة العباسية في وقت كانت هذه الاخيرة قد بلغت سدرة المنتهى فى السؤدد والعزة والآتساع ، حتى عزمت الدولة الاغلبية ان تسهم هى بدورها فى بناء صرح الاسلام ومد حدوده ونشر مبادئه فى أمصار أخرى وخاصة فى هذه الجزر التى تواجهنا والمبثوثة فى البحر المتوسط وقد كان الامير زيادة الله الاول أول من فكر في غزو بعض هذه الجزر وخاصة صقلية التى كانت في يد البيزنطين ، فجهز لذلك اسطولا ضخما عقد قيادته للقاضى آسد بن الفرات ، وأقيم في مدينة سوسة احتفال عظيم أشاد فيه الامير بخصال ابن الفرات وغيرته على الاسلام ثم ابحر الاسطول ) 827 م ( واختفى فى الافق وقد حمل على متنه رجالا تاقت نفوسهم إلى الاستشهاد وغمر قلوبهم الآيمان .

وبعد لاى وجهاد مرير استقر المسلمون فى صقلية ، وانتشرت في ارجائها الحضارة العربية ، وازدانت شوارعها بالقصور والمساجد الاسلامية ما زالت آثارها باقية الى الآن ، بل صارت نقطة انطلاق لفتح سواحل جنوب ايطاليا ، ولكن ما لبث داء الانقسام والانشقاق أن أخذ يدب في صفوف ساكنيها العرب واستبدت شهوة الحكم بنفوس حكامها ، وظهر ذلك العداء التقليدى بين القبائل اليمانية والقيسية ، وهو عداء مستحكم قضى على نفوذ العرب فى كثير من البلدان ثم كانت النتيجة الحتمية التي لا بد أن نتوقعها وهى سقوط الجزيرة فى يد النرمان ) 1091 م ( . وإذا انه انهار النفوذ السياسي للعرب فى الجزيرة فإننا نجد فى الناحية المقابلة ازدهارا للحضارة العربية تحت راية النرمان ؛ إذ لم يلمع اسم هؤلاء حتى ذلك الوقت إلا لحبهم للحروب وقرقعة السلاح فشعروا بأنفسهم أقزاما في المجال العلمى أمام رعاياهم العرب حاملى مشعل الحضارة والتقدم في ذلك العهد فلم يكن هناك بد من أن يقلد ذوو الاحلام الصغيرة ذوى العقول الكبيرة وأظهروا لهم عطفا كبيرا وأشاعوا فى نفوسهم الاطمئنان حتى

يواصلوا بحوثهم العلمية فى جو بعيد عن التعصب الدينى المقيت وهكذا نرى الملك ) روجيه الثاني ( وهو المولع بالثقافة العربية وبلباس العرب الفضفاض حتى اتهم بالوثنية ، نراه يستقدم العالم الشريف الادريسى ، فما هو سبب اختبار الملك النورماندى لهذا العالم ؟ لقد ولد الادريسى سنة ) 1100 م ( وشب وزها في مدينة سبته بالمغرب الاقصى ، وهو ينتمى الى اسرة ادريس الثانى مؤسس الدولة الادريسية الشيعية فى هذا البلد ، وقد بانت عليه منذ حداثته ملامح الذكاء الوقاد واستولت عليه منذ فجر حياته رغبة جامحة فى ألاطلاع على علوم ذلك العصر ، كما كان محبا للتنقل والترحال مما دفعه الى اجتباز ذلك الزقاق الذي يفصل بين منبته وبين الاندلس للعب من مناهل العلم التى تتجمع جداولها - حينذاك - فى جامعة قرطبة ولم يكن بقصر همه على العلوم النقلية فقط ويحصر عقله فى قوالبها الجامدة بل كان كثيرا ما يقوم برحلات خيالية عبر الكواكب والنجوم فيتأمل اشكالها ويلاحظ حركاتها ويحاول أن يحصى عددها ثم ينزل بخياله الى الارض فيحاول ايضا ان يعرف حدودها وبلدانها وأقوامها وهكذا نراه لا يعرف السكينة والاستقرار ويشد عصا الترحال مرة أخرى ليمخر عباب البحر المتوسط حتى يبلغ شواطئ آسيا الصغرى ثم يستقدمه ) روجيه الثاني ( ملك صقلية - وهو المعجب بالعرب وعلومهم فيلب الطلب ويصبح هناك صديقا حميما للملك النور ماندي ، ولقد طلب منه أن يضبط حدود بلاده فأجابه الى ذلك وصنع له كرة سماوية من فضة فريدة فى نوعها رسم له فيها كل ما يوجد فى مملكته من مظاهر طبيعية

ولم يقتصر عالمنا الجغرافى على صنع هذه الخريطة الاقليمية ، بل إنه تجاوزها الى صنع خريطة للعالم القديم المعهود فى ذلك الحين رسم فيها بدقة أهم الانهار والجبال والخلجان والمدن والطرق الرئيسية ثم نراه يقتفى أثر الرحالة ويزودهم بالاموال كى يمدوه بمادة جغرافية آخرى تخص الأصقاع النائبة وتتعلق بالاجناس البشرية فى مختلف الامصار ، ثم بدون هذا كله في كتابه ) نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق ( . ولاتساع الآفاق التى طرقها في هذا الميدان نراه يصف لنا فى كتابه هذا منابع النيل والبحيرات المحيطة بها قبل أن يكتشفها ستانلى ، الانقلى بمدى طويل . بل ربما نستنتج من أحد فصول هذا الكتاب ان الادريسى قد وصل في بعض رحلاته إلى سواحل انقلترا ، كما هو يصف لنا فى فصول اخرى بعض مظاهر الحياة في مدن البلدان الاسكندينافية وان كان يعترف انه

لم يزر هذه البلدان وإنما عرفها من بعض أصدقائه الذين أوفدهم لهذا الغرض ولا يمكن أن نمر هنا دون أن نشير إلى أن اهتمام الادريسي كان منصبا على العالم الغربى اكثر من العالم الشرقى وقد يرجع هذا الى اهتمام صديقه الملك النورماندى بهذا العالم أكثر من ذلك ، وان كان هذا الملك قد اشتهر بإعجابه بالشرق والعرب ثم إن وجوده فى صقلية القريبة من أوروبا يدفعه الى معرفة هذه البلاد الشاسعة بكل أيسر وسهولة

وبعد فهذه شخصية علمية عاشت فى مغربنا وتنقلت بين ربوعه وظلت تسلط الاضواء على مجاهل هذا العالم فأدركت منه الشئ الكثير ، ثم لم تضن بما حصلت عليه من حقائق ولم يمنعها التباين العقائدى عن كشفها لكل من يروم معرفتها وبذلك يكون الادريسى من الرواد الكبار الذين نقلوا الحضارة العربية إلى الشاطئ الآخر من البحر المتوسط حيث أينعت ثمارها وامتدت فروعها إلى اجواز الفضاء

اشترك في نشرتنا البريدية