- ١ -
نسبه وولادته
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشى الهاشمى ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد الخلفاء العباسيين .
ولد رضي الله عنه بمكة ، والنبى وبنو هاشم محاصرون فى الشعب قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وهاجر مع ابيه قبيل الفتح فشهد الفتح وحنينا والطائف وغزا إفريقية مع عبد الله ابن أبى سرح سنة سبع وعشرين .
ولايته
تولى امارة الحج سنة خمس وثلاثين بامر عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور بالمدينة ، وحضر مع على واقعة الجمل ، وكان على ميسرة جيش على فى صفين وشهد معه قتال الخوارج ، وولاه على ، على البصرة وكان أهل البصرة مغبوطين به يفقههم ويعلم جاهلهم ويعظ مجرمهم ويعطى فقيرهم ، ولم يزل واليا على البصرة حتى قتل على فاستخلف عليها عبد الله بن الحارث ومضى الى الحجاز ثم خرج الى الطائف وفي الطائف قضى الأيام الأخيرة من حياته وفيها قضى نحبه سنة ثمان وستين بعد أن نيف على السبعين . وقد صلى عليه محمد ابن الحنفية رضي الله عنه وكبر عليه أربعا وقال : " اليوم مات ربانى هذه الأمة "
وفي رواية : مات حبر هذه الأمة . وقد كف بصره فى اخر عمره فكان يقول :
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لسانى وسمعى منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذى دخل فمى صارم كالسيف مأثور
طلبه للعلم
صحب ابن عباس النبى صلى الله عليه وسلم وهو صبي لم يبلغ الحلم فأخذ عنه وحفظ الأقوال وضبط الأفعال والأحوال وتوسم فيه الرسول العظيم مخايل النجابة والالمعية فدعا له بالحكمة وسأل الله أن يفقهه فى الدين ويعلمه تأويل القرآن فلا غرابة بعد ذلك ان نراه يبلغ الشأو والذي ليس بعده شأو والدرجة التى تقصر دونها الدرجات ، وقد أخذ كذلك عن الصحابة علما كثيرا ، وكان يكتب مايتلقاه فى الواح تكون معه ، واحيانا كان يستكتب بعض أتباعه وتكبد فى سبيل التحصيل ما يتكبده أولو الهمم العالية ، والنفوس الكبيرة . ونحن ندعه هنا يتحدث عما بذله من جهد فى سبيل العلم .
قال : " لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار : هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنهم اليوم كثير ، فقال : يا عجبا لك يا ابن عباس اترى الناس يفتقرون اليك وفي الناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم ؟ قال : فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كان ليبلغني الحديث من الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه ، يسفي الريح على التراب ، فيخرج فيراتي فيقول : يا ابن عم رسول الله ماجاء بك ؟ هلا أرسلت الى فآتيك ؟ فاقول : لا - أنا أحق ان آتيك : قال ، فأساله عن الحديث قال فعاش هذا الرجل الأنصارى ، حتى رآنى وقد اجتمع حولى الناس يسألونني فيقول : هذا الفتى كان أعقل مني . " وهكذا سمت بابن عباس همته حتى اصبح قدوة للطامحين وعلما فى النابهين ، وقعدت بصاحبه همته فبات من المغمورين ولله شوقي اذ يقول :
شباب قنع لاخير فيهم وبورك في الشباب الطامحينا
قال ابن عباس : " وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار ، ان كنت لأقيل بباب أحدهم ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي ولكن ابتغي بذلك طيب نفسه انظروا إلى هذا الأدب العالي ، يقضي هذا الفتى السرى الشريف وقت القيلولة اللافحة بباب احد مشايخه يتحين وقت انتباهه من نومه ولا يبيح لنفسه ان يزعجة او يجشمه استقباله فى وقت راحته على ما كان يعلمه من سرورهم بلقائه ، كما قال فى حديث آخر : " وكنت لا آتي أحدا منهم الاسر باتياني اليه ، لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاكم مثلا آخر من آدب ابن عباس مع شيوخه واساتذته : ركب زيد بن ثابت فاخذ ابن عباس بركابه ، فقال : لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال هكذا أمرنا ان نفعل يعلمائنا فأخذ زيد يد ابن عباس فقبلها وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا .
بمثل هذه الأخلاق ، وبمثل هذا التوفير للعلم والعلماء أصبح ابن عباس حبر الامة وعالمها وقدوة الشباب وفخاره .
طريقته وآراؤه في التعليم
كان ابن عباس إذا سئل عن مسألة فان كانت فى كتاب الله قال بها ، وان لم تكن وهي فى السنة قال بها ، فان لم يقل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدها عند أبي بكر وعمر قال بها والا اجتهد رأيه . وكان يميل الى التنويع فى الدروس والتنويع في الأساليب والى الاخذ من كل فن بطرف ، ويتحرى ميول السامعين وما ينشطون اليه وقد اثرت عنه جملة أقوال فى هذا كما ان عمله كان خير شاهد على ذلك ، فما أثر عنه قوله : " العلم كثير فارعوا احسنه ، أما سمعتم قول الله تعالى : فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه " وقوله : العلم اكثر من ان يؤتى على آخره فخذ من كل شئ احسنه ، وقوله : كفاك من علم الدين ان تعرف مالا يسع جهله ، وكفاك من علم الأدب أن تروى الشاهد والمثل .
وقال : حدث الناس مرة فى الجمعة ، فأن أبيت فمرتين وان اكثرت فثلاثا ولا الفينك تمل الناس هذا القرآن ، ولا الفينك تأتي القوم وهم في الحديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم ، ولكن أنصت ، فاذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه ، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه ، فأني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك .
وقد أثرت عن ابن عباس طريقتان فى التعليم ، الأولى انه كان يخصص لكل فن يوما خاصا به فكان يجلس يوما ما يذكر فيه الا الفقه ، ويوما ما يذكر فيه الا التأويل ، ويوما ما يذكر فيه الا المغازي ، ويوما الشعر ويوما ايام العرب .
والطريقة الثانية هي التى رواها أبو حمزه الثمالى عن أبي صالح ونذكرها فيما يلى بشيء من الايجاز . قال : لقد رأيت من ابن عباس مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها به الفخر ، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق فما كان أحد يقدر ان يجيء ولا أن يذهب ، قال فدخلت عليه فاخبرته عن مكانهم على بابه . فقال ضع لى وضوءا فتوضأ وجلس وقال : أخرج فقل لهم : من كان يريد ان يسأل عن القرآن وحروفه وما اريد منه فليدخل فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة ، فما سألوه عن شئ الا اخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه وا كثر ، ثم قال : أخوانكم . ثم قال : اخرج فقل من آراد يسأل عن الحلال والحرام والفقة فليدخل ، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة ، وهكذا دخل اصحاب الفرائض . وما اشبهها ثم اصحاب العربية والشعر والغريب من الكلام .
لها بقية
