الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

من علمائنا الاعلام, عبد الله بن عباس

Share

عبقرية

لاريب فى ان ابن عباس من العباقرة الافذاذ ولو ادنا ان نستقصى نواحى عبقريته لالفينا انفسنا امام سفر حافل باروع اسرار العبقرية واقوى عناصرها . وحسبنا فى هذه العجالة ان نعرض بعض مظاهر هذه العبقرية عرضا موجزا . وقبل ان نعرض لهذه المظاهر بشئ من التفصيل بحسن بنا ان نذكر هنا كلمة صعصعة بن صوحان وقد ورد على على بن طالب رضى الله عنه - من البصرة فسأله عن ابن عباس - وكان على خلفه بها - فقال صعصعة : " يا أمير المؤمنين : انه آخذ بثلاث ، وتارك لثلاث ، آخذ بقلوب الرجال اذا حدث ، ويحسن الاستماع اذا حدث ، وبايسر الامرين اذا خولف . وترك المراء ، ومقارنة اللئيم ، وما يعتذر منه "

هذه الكلمة على ايجازها تشير الى جملة نواح من عبقريته ، فهى تشير الى قوة شخصيته وعلمه وفصاحته ولولا ذلك لما استطاع ان ياخذ بالقلوب اذا حدث ، وفي اخذه . يحسن الاستماع اذا حدث دلالة على ادبه العالى ونبل تواضعه ؛ وفي اخذه بايسر الامرين اذا خولف دليل على دمائة خلفه ورحابة صدره ، وناهيك بما فى تركه للمراء ومقارنة اللئيم وما يعتذر منه ، من دلالة قوية على حكمته وحصافة عقله وسمو اخلاقه . وحسب الرجل ان يتصف بمثل هذه السجايا والمواهب ليكون من اعظم عباقرة العالم واخلدهم فى صحائف التاريخ . وها نحن اولاء نحاول ان نفصل بعض ما اجملته هذه الكلمة الجامعة فيما يأتي:

علمه وعقله :

يروى عن عمر رضى الله عنه انه قال لابن عباس : " انك لاصبح فتياننا وجها واحسنهم عقلا ، وافقهم فى كتاب الله عز وجل " وكان عمر يحبه وبدنيه ويشاوره مع اجلة الصحابة ، وكان يقول اذا أقبل ابن عباس : جاء فتى الكهول ذو اللسان السئول ، والقلب العقول " وعن الواقدى ان عمر وعثمان رضى الله عنهما كان يدعوان ابن عباس فيسير مع اهل بدرو كان يفتي في عهد عمر وعثمان الى ان مات . وعن طاوس قال ادركت خمسين او سبعين من الصحابة اذا سئلوا من شئ نخالفوا ابن عباس لا يقومون حتى يقولوا هو كما قلت او صدقت " وعن عمر بن دينار قال : مارايت مجلسا اجمع لكل خير من مجلس ابن عباس ، الحلال والحرام ، والعربية والانساب ، " وعن ابي الرناد وعن عبيد الله بن عبد الله قال : " مارأيت احدا كان اعلم بالسنة ولا اجل رأيا ولا اثقب نظرا من ابن عباس ، ولقد كان عمر يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونطره المسلمين" ومما يدل على بعد نظره واصالة رأيه اشارته على على بن ابى طالب ان يستنيب معاوية على الشام والا يعزله عنها فى بادىء الأمر حتى قال له فيما قال ان احبيت عزله قوله شهرا واعزله دهرا . ولما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس ان يكون من جهة على ليكافئ عمرو بن العاص ، فامتنع اهل اليمن الا ان يكون ابو موسى الاشعرى من جهة على فكان من امر التحكيم ما كان ولما عزم الحسين على الخررج الى العراق نهاه ابن عباس واراد ان يتعلق بثيابه واشار عليه بآرائه الصائبة فلم يقبل منه وله من امثال هذه المواقف مع على ومعاوية وابن الزبير ما يشهد له بالنظر الثاقب والرأى السديد

قال أبو عمرو بن العلاء : نظر الخطيئة إلى ابن عباس فى مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه - غالبا عليه فقال : من هذا الذي يرع الناس بعلمه ونزل عنهم بسنه ؟ قالوا : عبد الله بن عباس فقال فيه ابباتا منها :

إني وجدت بيان المرء نافلة        تُهدي له ووجدت العي كالصمم

والمرء يفنى ويبقى سائر الكلم     وقد يلام الفتى يومًا ولم يلم

وهكذا استطاع ابن عباس ان يزاحم بمنكبيه شيوخ الصحابة واكابرهم وان ينتزع من عبقريهم العظيم لقب فتى الكهول . فكان بذلك خير قدوة للشباب الطموح وكان اصدق مثل لقول المتنبى : فما الحداثة من جلم بمانعة قد وجد الحلم فى الشبان والشيب

بلاغة وقوة بديهة

" كنت اذا رأيت ابن عباس قلت اجمل الناس فاذا نطق قلت افصح الناس ، فاذا تحدث قلت اعلم الناس "

قال الجاحظ : ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس قالوا خطينا بمكه - وعثمان رضي الله عنه محاصرا - خطبة لوشهدها الترك والديلم لاسلمتا ! وذكره حسان بن ثابت رضى لله عنه فقال :

إِذا قالَ لَم يَترُك مَقالاً لِقائِلٍ              بِمُلتَقَطاتٍ لا تَرى بَينَها فَصلا

كَفى وَشَفى ما في النُفوسِ فَلَم يَدَع      لِذي إِربَةٍ في القَولِ جَدّاً وَلا هَزلا

سَمَوتَ إِلى العَليا بِغَيرِ مَشَقَّةٍ            فَنِلتَ ذُراها لا دَنِيّاً وَلا وَغلا

ولقد كان له فى حلية البيان والمناظرة مواقف سجلت له الفخر الخالد والفضل الذى لا ينازع . ولعل من اروعها واولها على سمو بيانه وقوة بديهته مناظرته لمعاوية الرهط الذين انتدبهم لمناظرته وفيهم عمرو بن العاص وزياد والمغيرة بن شعبة وامثالهم من العرب وفرسان البيان ولولا ضيق المقام لاوردنا هذه المناظرة لما فيها من بلاغة وسحر بيان وحسبنا ان نشير اليها هنا ليرجع اليها من اراد فى كتب الادب ومراجعه.

[ له بقية ]

اشترك في نشرتنا البريدية