ليس المجال هنا ( * ) للحديث عن تأسيس قرطاج ( 1 ) ولا عن الظروف السياسية العسكرية التى ألقت بها في مغامرة الوجود حتى أصبحت تشرف على مصير غربى البحر الابيض المتوسط حينا من الدهر وذلك من تأسيسها فيما بين أواخر القرن التاسع قبل الميلاد والنصف الاول من القرن الثامن الى سقوطها تحت حوافر خيل الرومان فى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد . قرون سبع غماشتها قرطاج تشع على كامل غربى البحر الابيض المتوسط من أعلى ربواتها وسقت مياه حضارتها شمال قارتنا الافريقية تلك الربوع التى يغطيها اليوم اسم " المغرب العربي الكبير " من برقة الى ضفاف المحيط أرض مضيافة متفتحة محافظة ثرية سخية ما انفكت تقبل على الحوار الحضاري منذ أقدم العصور الحجرية كما تشهد به أطلالها كالتي كشف عنها الغطاء بقفصة وضواحيها وبهرقلة وبقربة وغيرها من المواقع التى تحمل بصمات انسانية ما قبل التاريخ .
أقبل الكنعانيون من ربوعهم المشرقية من لبنان ومن فلسطين ومن الشام ولقد أبحرت سفنهم مثقلة بضاعة وحضارة وتجارب عديدة مختلفة منها ما كان يستجيب لحاجة مادية ويساهم فى حل مشاكل تثيرها الحياة اليومية فى البيت والحقل والمتجر والشارع ومنها ما كان يستجيب لحاجة روحية وساعد على بناء الجسر بين المادة وما وراءها بين الانسان ( 2 ) وضعفه وطموحه والقوة الكامنة فى المحيط على اختلاف عناصره ، أقحم الكنعانيون المشرق " ونور الشرق " فى المغرب حتى ناله بصيص من نور ، كالجسر كان محكم البنية متينا يسر اللقاء
بين المشرق والمغرب وانحسرت ظلمات المغرب وتسرب اليه النور تجسده تجارب الشرق فى ميادين الفلاحة والملاحة والعمارة والتجارة والصناعة والعقيدة والفن على اختلاف مظاهره التشكيلية وغيرها ولا ننسى الكتابة تلك الاداة العجيبة التى تغلبت على الفناء أو كادت فهى التى مكنت الانسان من تخطى المسافة زمنية كانت أو جغرافية حتى تراه يتصل بغيره عبر القارات والدهور ثم بالكتابة الابجدية التى ابتدعها بنو كنعان انطلاقا من تجارب أخرى مشرقية كالكتابات التصويرية أو المسمارية المقطعية اصبح الانسان لا فقط قادرا على اكتناز التجربة واستثمارها فى كل ميدان أراده بل كذلك على الاشعاع والحوار مع القريب والبعيد من بني البشر .
يربط الجسر الكنعانى بين السواحل الكنعانية حيث كانت تتجمع تجارب المشرق السامى وبين السواحل الافريقية ولعلها كانت اذ ذاك تلقب باللوبية وقرطاج كانت هنا رأس الجسر فيها تجمع الواردات ومنها تنشر فى الارض فكم من قرية لوبية سقتها مياه كنعان ما به استغلظت واستوت على سوقها تعجب السكان وتمتعهم رفاهة وجمالا وقوة وسطانا .
كان اللقاء بين الكنعانيين واللوبيين وكان اللقاء بين الحضارة الكنعانية وما حولته السفن الكنعانية من أدوات ومواقف وأفكار وتجارب وبين الحضارة اللوبية البدائية المتميزة فنشات الحضارة البونية صفة مشتقة من لفظ لاتيني " بون " يشير الى الذين أسسوا قرطاج واتخذناه مصطلحا للتعبير عما تحولت اليه حضارة بني كنعان في دنيا اللوبيين فالحضارة البونية نتيجة لقاء الحضارة الكنعانية بالحضارة اللوبية على أن ألوان الحضارة الكنعانية بقيت مسيطرة ويشهد لهذه الرؤية للحضارة البونية ما شخص من أطلال بونية فى العديد من المدن والقرى المنتشرة فى مختلف الاقطار المغربية من الجماهرية الليبية الى المغرب الاقصى مرورا بالجمهورية التونسية والجزائر .
فقد يطول الحديث عن العناصر الكنعانية التى دخلت فى البنية الحضارية البونية واذ يتمحور الحوار بيننا خلال هذه الايام الفلسطينية المباركة حول التراث الفلسطيني ولاشك أن فلسطين بين الشام ولبنان والاردن تمثل لب كنعان وقلبها النابض واذ نحن معا فى ظل مدينة حلب التى عرفها التاريخ مناضلة صامدة مشبعة تضئ كزيت زياتين ربوعها نسعى الى معرفة التراث الفلسطيني القديم والحديث ونسعى الى تشخيص رصيد فلسطين الحضارى بحثا وتنقيبا عنه فى فلسطين وفى خارج فلسطين .
أريد أن أساهم بقسطى فى هذا المؤتمر مشيدا بهذه البادرة التى ترفع من شأن القلم والفكر والبحث العلمى وتدخل بهذا وذاك الى ساحة الوغى وتسخر هذا وذاك الى القضية الكبرى وتحرير الارض تلك التى عرفت القلم والحرف منذ آلاف السنين وقبل أن يكون بنو اسرائيل وقبل أن يكون التوراة كتابا يقرأ فى معبد سليمان ولا فى البيع .
على أننى ساقتصر على بعض الامثلة أخذتها من عالم الالهة ودنيا الاحياء والطقوس الجنائزية فمن عالم الآلهة أذكر أن جل أعضاء دار الآلهة فى فلسطين دخلوا قرطاج والمدن اللوبية البونية ومن أعظم الالهة والآلهات فى فلسطين وفى قرطاج بعل وعشترت ( لا عشتروت خطأ ) ومن آلهة كنعان ملقرت وأشمون ودجان ( 3 ) وكم نددت آيات التوراة بالذين كانوا يعبدون بعل ووعشترت مشركين بهما آله ابراهيم ويعقوب واسحاق والاسباط ، أليس هذا مما يدل على الصلة المتينة التى كانت تربط بين فلسطين أرض كنعان وقرطاج والربوع اللوبية التى كانت متصلة أشد ما يكون الاتصال بقرطاج وبالحضارة القرطاجية البونية ؟
ولننظر الى توفات قرطاج ذلك المعبد الذي كان مخصصا لعبادة بعل حمون وزوجه تانيت فهو فى ملامحه يشبه توفات التوراة أى ذلك المعبد الذى كان الكنعانيون يترددون عليه للعبادة وتقديم القرابين البشرية وما ورد فى ابراهيم وابنه اسماعيل شديد الصلة بالتوفات وطقوسه وتثبت الحدث كيف كان الانبياء ينطلقون من محيطهم ويسمون به الى ما فوق المادة والى ما فوق البشر بحثا عن القوة المبدعة خلقا وتكوينا وتصويرا وتنظيما .
أما بالنسبة الى المعابد المشيدة أو قل بالنسبة الى العمارة الدينية فلا شك أن معبد سليمان او مقدس سليمان من بناء بني كنعان ومعلوم أن سليمان كان طلب من حيرم ملك صور أن يرسل له من يساعده على اقامة معبد لعبادة آله موسى عليه السلام فكان الهيكل كنعانيا فى شكله وتصميمه وفي زخارفه بل حتى فى المواد التى استخدمت لبنائه من حجارة مفصصة وأخشاب قطعوها من غابات أرز لبنان الفواح ومن أهم العناصر فى هذا المعبد مدخل يتقدمه عمودان ثم
البهو أو السقيفة ومنها الى الصحن أو الفناء وفي وسط الصحن قدس الاقداس تلك عناصر أساسية نجدها فى غالب المعابد السامية وهى التى نجدها فى الحرم بمكة المشرفة وهي فى رواية الماضى السحيق من تصميم وانشاء ابراهيم الخليل ذلك الذى ربط الصلة بين تقاليد وادى الرافدين وبين أرض كنعان بل وكأنه يحسم وحدة الشعوب السامية من دجلة الى ضفاف البحر الابيض المتوسط بما في ذلك جزيرة العرب التى مازال بعضهم يعتبرها أم الشعوب السامية قاطبة ولعلها منبع النواة التى سيمت كل هذه الشعوب ( هنا استخدم فعل سيتم يسيم أى جعله من بني سام أو أدخله بوتقة الحضارات السامية لغ ومعتقدا ونظرة تجاه الكون وسلوكا ) وما اختلاف الشعوب السامية الا صدى لاختلافهم الاصلى وباختلافهم اختلفت نتيجة اللقاء بالنواة العربية أو السامية الاولى ولذلك لا نستغرب وجود فروق بينليين والاشوريين والاراميين والكنعانيين والعرب فى شمال الجزيرة والعرب فى يمنها أى فى جنوبها .
والعناصر المعمارية التى نجدها فى مقدس سليمان وفي الحرم وفي مكة المشرفة نجدها كذلك فى معبد مدينة كركوان بالوطن القبلى بتونس ومعلوم ان كركوان من المدن البونية التى مازالت محتفظة بملامحها البونية دون ما اختلاط بما جد لما انتصر الرومان وسيطروا على الديار القرطاجية البونية . لا يسمح المحال هنا بالحديث عن مدينة كرركوان وسنكتفي بتقديمها فى كلمات : ان أقدم وثيقة أثرية تعود الى هذه المدينة لا تتجاوز القرن السادس قبل الميلاد ثم انها خلت من سكانها حوالى منتصف القرن الثالث قبل الميلاد إبان الحرب القرطاجية الرومانية الاولى أى حوالى 253 قبل الميلاد .
ان المعالم التى كشف عنها الغطاء في هذا الموقع الاثرى تبين بوضوح كامل الصلة التى تربط بلادنا بأرض فلسطين وسأقتصر على تقديم البعض منها مشرا الى أصولها الكنعانية الفلسطينية ومن بين هذه المعالم أبدأ بالمعبد البوني بمدينة كركوان .
كشف الغطاء على اطلال معبد بونى فى مدينة كركوان ولعله اكبر المعابد البونية التى عثر عليها حتى الآن بغربي البحر الابيض المتوسط ، وبعد النظر فى شكله وعناصره الاساسية ثبت أنه لا يختلف جذريا عن المعابد المعروف بارض كنعان بل نجد فيه كل العناصر التى منها يتركب معبد سليمان بالقدس الشريف وهو كما ذكرناه منذ حين من تصميم وتشييد فنيين أقبلوا من مدينة
صور بأمر من ملكها حيرم خلال القرن العاشر قبل الميلاد ( 4 ) ، ففي كلا المعبدين نجد المدخل ذا العمودين الاماميين ونجد البهو أو السقيفة ثم الصحن وفى الصحن مصطبة تعوها الغرفة المقدسة أو قدس الاقداس ، ومما يلاحظ بمعبد كركوان لواحق تتمثل فى غرف مختلفة الوظائف على أن الجناح الايس كان مخصصا لورشة كان الساهرون على شؤون المعبد يستخدمونها لصناعة نماثيل من طبق مفخور علها تباع للزائرين الذين يبتغون تقديم قربانهم أو هدية لآلهة المعبد ( 5 )
البوابة المتسللة :
ومن بين العناصر التى ازيح عنها التراب بمدينة كركوان تجدر الاشارة إلى الاسوار التى كانت تؤمن حمايتها من مفاجآت الزاحفين عليها وقد يطول الحديث عن هذه الجدران الكثيفة التى أقيمت حول المدينة لكن ساقتصر هنا بوصف احدى البوابات التى تصل بين المدينة وما وراءها وهي البوابة التى لقيت ببوابة شمس الاصيل ولها شكل طريف لا نعرف له مثيلا حتى الآن فى غربى البحر الابيض المتوسط ذلك أنها بوابة متسللة فى حين أن غالبا ما تكون البواية قاطعة فالبوابة القاطعة هى التى تكون فتحتها أو ثغرتها متعامدة مع الجدار أو المترسة أما البوابة المتسللة فهى توازى الجدار أو المترسة وكأنها تنزلق أو تنساب في خط متواز مع الجدار أو المترسة ، فمع هذا النوع من البوابات تتوقف المترسة وكأنها وصلت الى نقطة نهايتها ثم تنطلق من جديد مع رجوع الى الوراء وتباعا عن الخط السابق بمسافة تساوى عرض البوابة التى تتسلل بين المترستين . انها بوابة طريقة الشكل وهى كما قلت فريدة من نوعها فى الربوع المغربية لكن نعرف لها مثيلا فى أرض فلسطين وقد عثر عليها فى تل النصبة (6)
تلك بعض الامثلة التى تثبت متاننة الصلة التى تربط بين الربوع القرطاحية فى تونس وبين فلسطين القديمة أرض كنعان وقد ذكرناها على سبل المثال لنترجم عن التجانس الحضاري بين جناحى العروبة فى المغرب والمشرق بين تونس وفلسطين ( 7 ) .

