الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

من قصص أمثال الجزيرة العربية

Share

كان سهل بن مالك البزارى ذا وعى وفكر نافذ ، وكان ذا منطق عذب وقول فصل ، أى كان اديبا على رأس القمة بين ابناء الجزيرة اسمه كبير وذكره حسن ، وشرفه ، معروف ونجاره اصيل .

كان محبوبا لدى ملوك العرب ، وكان النعمان بن المنذر ملك العراق يؤثره بمودته ، وتلذ له زيارته فكان إذا وفد اليه ابتهج به ، وأحسن وفادته واكرمه وبالغ فى اكرامه .

اتفق لسهل بن مالك الفزارى فى احدى رحلاته الى العراق أن يعرج فى نجد على بعض احياء طى ، واراد أن ينزل ضيفا على سيد احياء طى ، حارثة بن لأم فلم يجده ، فأحب ان يتحول إلى سيد آخر ، ولكن أمامة ابنة لأم شقيقة سيد الحى رفضت ذلك وقالت : " انزل على الرحب والسعة " ثم اخذت تلاطفه وتحسن استقباله وتكرمه أبلغ الاكرام بما يليق لسيد عظيم ، كسهل بن مالك .

وطالما نزل سهل ضيفا فى احياء العرب وطالما لقى من الحفاوة والإكرام مثلما يلقاه فى هذا الحى ، فالعرب جميعا كرماء وابطال ميامين يحبون الضيف ويؤثرونه على أنفسهم بكل ثقة واخلاص .

ولكن سهلا لا يذكر انه أحس فى كل الاحياء التى نزل بها ما احس فى هذا الحى فى هذه المرة من سعادة القلب التى تفيض فيضانا ، وتمور فى نفسه وتشرق بها وتغرب ، فى الوان من المفاتن السحرية ، أجل انه رأى نفسه فجأة حبال فتاة أحلامه ، حيال غادة طفيفة الظل زهراء جذابة أدبية أريبة تنطق بعقل وتحتفى به بلباقة وظرف

تمر ايام الحياة ما تمر ولكن الاطياف التى تتركها فى النفس قد تكون باهتة غامضة ، لا تلبث أن تختفى ، وقد تكون مشرقة وهاجة كأشعة الشمس ، تزيد الحياة قوة ومناعة وشوكة ، وتتحول فى النفس كبعض جوارح النفس ، ويكون حديثها كبعض كيان الضمير والوجدان .

هكذا كانت الايام القلائل التى قضاها ، وكان بوده أن تطول وتطول الى غير نهاية ، ولكن ماذا يفعل وهو ضيف ، والضيف عادة لا يستمر فى حى من الاحياء ، وبالحرى انه أعلن وجهته الى العراق ، واحس انه أطال المكث أكثر مما اعتاد أن يطيله فى حى من الاحياء .

وهنا أحب أن يعلن ما اعتلج فى نفسه من رغبة ملحة فى طلب يدالفتاة التى شاهد من عقلها وظرفها وجمالها ما شاهد . أحب ان يعلن ذلك بنفسه لانه لم يجد من يأتمنه على تبليغها رغبته بالصورة التى يهواها دون أن يساء به الظن أو تشوه سمعته الكريمة بين احياء العرب أو يسيئ إلى التى احسنت وفادته وبالغت فى اكرامة . .

وقد اخذ يفكر فى الخطة التى يدلى بها اليها رغبته ، فان الدنيا ضاقت فى وجهه

على رحبها ، واسودت امام عينيه الارجاء واختلطت عليه الافكار ، وجفاه الغمض, واضواه الهم واكبر أن يرحل قبل أن يعرف رأيها فى هذا الامر .

وكان يتصور أنها لو رفضت قتلته ، ولكن الامل لا يزال حيا فى نفسه ، قويا فى فكره ، عذبا فى لسانه ، طثقافى محياه ، على رغم ما تنتابه به الهواجس من الم وسهد واخيرا اعتزم أن يحتال لأعلان رغبته لها بطريقة بعيدة عن الريبة ، قريبة من الطمأنينة والثقة .

وفى صبيحة اليوم الذى اعتزم فيه أن يرحل دنا من خبائها ، وجلس حيث تسمع حديثه ، ولا تراه ، وأخذ يردد هذين البيتين : -

وكان سهل يترنم بهذين البيتين من خلف خدرها ، وهو مطرق خجلا فى نفسه ، مرهفا أذنيه ، لكل نامة أو حركة ، خشية ان يسمعه أحد خدمها فيساء به الظن ، ويوصم فى شرفه ونبالة مقصده . والعربى الصميم اشد ما يخشاه ان يوصم فى شرفه ونبالة مقصده .

أما هى فان أيام ضيافته مرت بها كغمضة فاتنة او كسنة حلوة اشعلتها أفكار يقظة لكل حركاته وسكناته لان قلبها كشف لها ها فى نفسه وتبينت أعجابه الحائر الملح ، والاقدام ، يقدم حين تبدو ولا ثمة عيون ولكن فى أفكاره . . !! ويحجم حين يجد الارصاد بين يديه ، ولكن فى أفكاره . .! وان كانت ابدا روحه ترفرف حواليها فى اقدامه واحجامه معا . .

وقد هدتها حاستها المرهفة اليقظة انه جاد فى حبها ، وانه يضوى يوما فيوما حتى لتكاد سريرته تحسر عن وجهها بين يديها ، كلما أقبلت ، وان كانت تعتقد انه لا يبدو منه شى من ايماء الا ما يريد أن يبوح به فى غياب اخيها ، لانها تعلم انه سيد كريم مهذب ، وانه ابن سيد كريم مهذب ، وانه يرى ذلك خيانة ، لا تليق بعربى أبى أصيل ، زد على ذلك سمو الأرومة وحقوق الاسرة ، وسمعة الكرامة ، وحق الضيافة .

من أجل ذلك ما كادت تسمع تعريضه ببوح حبه لها ، فى بيتيه الذين رددهما على مسمع منها ، من حيث لا تراه ، ولا يراها ، حتى ثارت ثائرتها على رغم ما فى قلبها من لواعج وامانى ، وصدته عنيفا بقولها : " ويحيك ما هذا بقول ذى عقل اريب ، ولا رأى مصيب ، ولا انف نجيب . فأقم ما أقمت مكرما ، ثم ارتحل متى شئت مسلما " . . .

طاش عقل سهل حين سمع منها ما سمع ، ولم يكن يعتقد انه سيصفع بمثل هذه الكلمات العنيفة الجارحة لأنه يعلم من نفسه انه طاهر النية للغاية ، وها تعجل فى البوح برغبته فى طلب يدها ، بهذه الصورة التى أزعجتها الا لأنه مزمع على الرحيل ، وهو فى حرقة ولهفة ليعرف رأيها فى هذا الامر الكريم قبل أن يعلن الطلب لصديقه حارثة بن لأم ، ولكنه حين صدمته بهذه الثورة العنيفة صرخ من اعماق قلبه قائلا دون وعى : " ما أردت منكرا واسواتاه !!"

وهنا أحست أمامة انها شطت فى الصد ، وان ثورتها كانت عنيفة جدا ، لا يجمل ان تقابل بها سيدا مثله فى الوقت الذى رأت من سمو ادبه ، ورفعة شمائله ، وكريم أخلاقه الكثير ، الكثير . ولماذا يصد بمثل هذا العنف ، وكل ذنبه لديها انه اوما الى رغبة كريمة بكل لطف وادب وذوق سليم ،

وانه طلب يدها ومن حق كل شاب أن يعلن ذلك بمثل ما اعلن ومن حق كل فتاة ان ترفض اذا لم يرق لها الامر ، ولكن فى حدود المجاملة والادب ، والخلق الكريم . ولو لم يكن حارثة بن لأم غائبا ، لما لجأ إلى مثل ذلك التعريض المتحفظ .

وقد أدركت انها اخطات فى تعنيفها ، وانها تجاوزت الحد فى الغضب الذى لا مبرر له ، وان مثله تكفيه الاشارة ، لذلك أطرقت حياء وقد حز فى نفسها الندم ، ما حز وقالت له بصوت خافت ينهمل بالاسى : " صدقت ، " .

*** ارتحل سهل وفى قلبه جرحان عميقان جرح الحب وجرح الاخفاق ، ولعل ما جعله فى ظلمات من الحيرة ، ووهاد من اللوعة والحسرة هو رفضها بتلك الصورة العنيفة ، وكم توجع لسوء حظه منها ، وكم لعن تلك الساعة التى جعلته يعرج على حى طى ، ولكن قلبه انكر عليه كل ذلك ، وياخذ فى الخفقان والشوق اليها ، وكم شاهد الفجر حواليها مشرقا ، والربيع فى ارجائها منورا . وحينئذ ينحى على نفسه باللائمة حيث تعجل فى كشف سريرته ، وكان بوده لو تركها فى أعماق قلبه دفينة وكان بوده لو ظل أياما أخرى او لو ظل الى الابد بجوارها كاوتاد خبائها . متجنبا ذكر شئ يسوؤها ، ولكن كيف يبقى وهو سيدمن سادات العرب وزعيم من زعمائهم . بل وكيف يرضى بالبقاء بعد أن قوبل بذلك الرفض ، وبقاؤه بعد الرفض يعد تطفلا ، واحيانا يشتد به الغيظ فيخاصمها فى نفسه وبثور ثورة البركان مغاضبا مهددا عواطفه بقوله : " لا ، لا لن أذل نفسى ولن أعود إلى ذلك الحى ابدا وسأتخذ لعودتى طريقا آخر ،" ولكن انى يتم له ذلك وطيفها الحبيب يبدو

فى اعماق قلبه كالقمر بين السحب ضاحكا جذابا ، فينخذل امامه فيهتف ويقول : ( لا ، لا يا ابن مالك لابدلك من العودة الى حى طى ، ولابد لك من زياة ابن لأم ) وهكذا قضى ايام رحلته الى العراق وهو فى لجة من الافكار طاغية يسمع فيها ما لا يسمعه سواه ويرى دون رفاق الركب مالا يرون ، فيضحك تارة ويحزن اخرى ولا يعلم احد ما أضحكه وما أحزنه حتى وصل الى العراق . .

لم يجد سهل بن مالك ما كان يجده كل مرة فى العراق من الافراح والبهجة والانس فى قصر النعمان بن المنذر ، حتى ان النعمان نفسه أحس انه على غير الحال التى يعرفها فيه ، فمنحه من أوقاته على ضيقها فوق ما كان يمنحه اياه فى العادة ، وبالغ فى الانس ولكن سهلا كان يحس ان الدنيا مطبقة عليه بظلماتها ومخاوفها وبلابلها واشباحها الصارخة الضاربة فاعتذر بلطف للنعمان ، وطلب أن يسمح له بالعودة الى اهله بعد أن قضى فى العراق إسبوعا ، خاله اعواما ، وما كان يخفف عنه بعض هواجسه الاليمة الا رجاؤه أن يعرج الى طى فى العودة الى أهله . . والا كان يمنحه لكل طائى رآه فى العراق ، ومن أجل ذلك احب أن يعود الى اهله وهو فى ركب طى العائدين من العراق الى نجد ، وما اكثر ما كان يتودد الى جماعة حارثة بن لأم حتى انه توطدت بينه وبينهم المودة والاخلاص ، واصبح كأحدهم ، الجميع يحترمونه ويحبونه ويؤثرونه بالاجلال والأكبار . وكان سهل يحس ان الارض تطوى طيا بالركب ، وان كل شئ يمر به يحبه ويهنئه بسلامة العودة ، ويحس ان الجزيرة من اقصاها الى إقصاها ، تحتفى به فرحة مهنئة اياه بما نال وينال من امجاد كبيرة فذة .

وفى هذه المرة قصد سهل بن مالك سيد الحى حارثة بن لأم وكأنه فرد من افراد أسرته وكان ابن لأم يحبه كثيرا ، ويطرى مزاياه وامجاده ومكانته المرموقة العالية لدى ملك العراق النعمان بن المنذر فاستقبله بما يليق به من الاحتفاء والاعجاب والتقدير ، وقد احس سهل ان كل ذلك كان بوازع خفى من تأثير أخته فيه ، وحديثها عنه .

مرت الايام التى مرت على امامة بعد رحيل سهل ، بتلك الطريقة المزعجة الأليمة ، وكم عاتبها قلبها وكم حاكمها وكم ادانها ، وقد ادركت انها اشتطت فى عنفها ، وتجاوزت الحد فى كلمتها ، ولكنها كانت تحس فى أعماق نفسها انها اثيرة فى قلبه ، وان طيفها لا يفارقه ، وانها هى فى نفسه كما هو فى نفسها ، : نيران متقاربان يتناجيان بالاضواء ، ويتبادلان هواتف السرائر بالالهام ، وترى على رغم ما صدر منها عن

غير قصد أن روحيهما قد امتزجتا ، فكان هو القمر ، يدور فى فلكها وهى الشمس ، ولا يستطيع افلاتا من جاذبيتها ، السحرية ، وانى له الافلات ونوره منها ، وهو بعضها .

أجل سعدت أمامة بمقدم سهل واحتفت به كل الاحتفاء ، وارته من نفسها أجمل ما يحب ، واحسن ما يفتتن به ، وادركت أن الفرصة وافتها وانها ان افلتت من يدها هذه المرة ، فلن تعود أبدا ، فدست اليه من يقول له : " أن اخطبنى أن كان لك الى ، حاجة يوما من الدهر ، فانى سريعة الى ما تريد " . وسهل كان ينتظر موافقتها على القران ، لما رأى من أفراح اخيها بمقدمه ، لانه ما كان يجهل بواعثه الأصيلة .

وما انقضى الاسبوع الاول حتى كان كل شئ قد تم ، وما انقضى الاسبوع الثانى حتى كانت أمامة ترافقه فى العودة الى أهله . .

اشترك في نشرتنا البريدية