عابدين بغدادى رجل عصامي اتخذ المدينة المنورة وطنا ثانيا له بعد الحرب العالمية الاولى تعاطى تجارة العطارة والخردوات .
حانوته يحوى مائة صنف وصنف . تدرج فى تجارته حتى اصبح فى عداد كبار التجار . اشتهر باسعاره المعتدلة . غريب الاطوار فى معاملته ، يحاسب على الفلس ، ويقاضى على القرش ، لا يرد بيعا ولا مشتريا مهما قلت قيمته ولو كان الشارى صبيا او فتاة . وهو بشكله المهيب ووجهه المدور ولحيته الخفيفة وعينيه النفاذتين يجيد الكلام مع زبائنه واصحابه . إذا دخلت عليه فى الخان وجدته جالسا على كرسي وبيده لى الجراك وبيده الثانية فنجان الشاى يجتر من الدخان ملء رئتيه وينفثه من انفه فيجد انتعاشا فى جسمه ، ويلبي طلبات زبائنه . نشأ اميا لا يقرأ ولا يكتب . وبمزاولته اعمال التجارة فهم الحرف فاصبح يجيد القراءة ويكتب ويقرأ اجوبته ويدافع بنفسه في قضاياه بالمحكمة او دوائر الحكومة . اشترى بعض العقار من ارض ونخيل بأثمان بخسة من ذوى الحاجات . لا يتورع من شبهة الربا ببيع بعض السلع زيادة عن قيمتها بالتأجيل .
اشتهر بالبخل . شديد فى معاملته مع اهله وخدمه ، ومن قدر ان يكون عبده او خادمه ارهقه بالعمل حتى يطلب الخلاص بالهرب او البيع وآخر من عرف من عبيده ( مرجان ) الذى اوشك ان يصاب بالكساح لوقوفه بالدكان طيلة النهار الى منتصف الليل .
تزوج الرجل ولم تعش له ذرية وقد أفل نجم شبابه وادركته الشيخوخة وانتابته ٧٠٢
الامراض وطفقت تجارته فى تأخر مستمر حتى نفر منه اهله وذووه . اشار عليه بعض اصحابه بعمل بر ، يحيى ذكره بعد موته . وكان الرجل حريصا على عقاره واموال تجارته . وكان يود حرمان عصبته من أرثه وفكر في العمل الخيرى ولكن ما هو هذا الخير ؟ ايجرى وقف امواله ؟ وفي اى وجه من وجوه البر ؟
اتصل به بعض الاخوان طالبين منه تأسيس مدرسة ثانوية بالمدينة حيث كان التعليم لا يتجاوز المنهج الابتدائى وافهم بأن التعليم الثانوى سلم للتعليم العالي والبلاد فى حاجة الى كبار العلماء ارتاح للفكرة بادىء بدء واحتار فى التنفيذ وهو الحريص على ماله وكثيرا ما كنا نجتمع به ونتناقش معه الحديث فى امر المدرسة وكان يميل كثيرا لآراء الشيخ محمود شويل رحمه الله والشيخ دائما يشجعه ويغريه وكنا نتوقع ان يبدأ بعمل اى شئ لكنه لم يفعل . وفى الحقيقة والواقع ان انشاء مدرسة ثانوية لم يكن بالامر الهين ، فأخذ يقلب الامر من جميع الوجوه وهداه تفكيره أخيرا الى ان يوقف عقاره وامواله فحرر مسورة بخطه يقول ( اني وقفت مالى وعقارى الكائن بالمدينة والطائف على ان ينفق وارده فى بناء معمل على ارضى الكائنة خارج الباب الشامى وان يكون المعمل ميكانيكيا - لاصلاح السيارات والخرط وغيره حتى إذا اصبح وارده جنيهين ذهبا كل يوم فتؤسس من مورده مدرسة ثانوية بالمدينة ( . هذه خلاصة ما كان محررا
بوثيقته ثم توفى الرجل بأحد مخازن بضاعته وحيدا لم يكن احد معه من اقاربه او خدمه ، وحسب الاصول المرعية وضع بيت المال يده على مخلفاته ومتروكاته . ولما سمع عصبته وهما ابنا اخيه جاءا الى المدينة وطلبا رفع يد بيت المال عن تركته فوجدت الوثيقة المذكورة ضمن اوراقه فسلمت لمعتمد المعارف ليقوم بدوره باثبات الوقفية ، فأنكر الورثة الوقفية المذكورة ووكلانى بالدفاع عنهما وكان بودى ان تثبت الوقفية ولم أنظر لأتعابى المادية . ولما جرت المرافعة لزم الامر لأثبات الوثيقة ولم يكن المتوفى سجل وقفية أو أشهد على تلك الوثيقة غير ان الكثير من الناس كانوا يعرفون خطه فشهدوا بذلك لدى المحكمة ، ولما احس الورثة بخطر حرمانهم مالوا لبعض المحامين الذين يعملون من وراء ستار ودافعوا بأن مورثهم رجع عن وقفيته وجاؤوا بشهود ضعاف غير ان القاضي كان فطنا وذكيا فرد شهادتهم وطلب شهودا آخرين - فرد الورثة بان لديهم شهودا بمكة المكرمة فأحال القاضي الى قاضى مكة لسماع شهادة الشهود هناك فأحضر الورثة شهودا لديه وجرت تزكيتهم ورجعت المعاملة مستوفاة فلم يبق لقاضى المدينة غير اصدار الحكم برجوع زين العابدين عن وقفيته المذكورة وتسلم ابنا اخيه العاصبان جميع متروكاته وعقاره وبعد رفع الحكم لهيئة التمييز رجع الحكم مصدقا من مرجعه وتسلم الوارثان تركة مورثهم من أموال وعقار غير انه لم يعثر فى صندوقه على شئ من النقد ، وكان المتوفى متهما بالنقد الكثير . وسرت
شائعة بأن النقد استولت عليه يد خفية وتصرف الورثة ببيع ما فى المخازن من البضاعة المختلفة الانواع والاصناف والعقار من الارض والنخيل باعوه بأبخس الثمن ، لان العقار كانت سوقه كاسدة يومئذ ، واكثر عقار المتوفى مشترى بسندات عادية ، واكثر النخيل والاراضى لم تعلم مواقعها بالضبط ، واجود عقار المتوفى كان بستانا كبيرا بالعيون شمالى المدينة أصلح المتوفى أرضه وغرس فيه الكثير من مشاتل النخل وشجر البرتقال . وبعد وفاته ادعى ابن البائع أن البستان وقف لا يصح بيعه من قبل والده ، وثبت ذلك شرعا ، وصدر حكم بصحة الوقف ، والرجوع على البائع بالثمن . وكان قد توفى مفلسا فى امان الله .
وهكذا اسدل الستار على الرجل العصامي الذي كافح طول حياته فى تثمير أمواله ، وفكر اخيرا أن يعقب صدقة جارية من بعده فلم يبلغ مناه لانه لم يسجل وقفه او يشهد عليه ولو فعل ذلك لتم له المراد ، وتفرقت أموال شذر مذر ، ولم يبق له منها اسم او رسم وما اراد عمله مقرون بنيته فانما الاعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى . ولنعتبر من قصة الرجل بأن من وفقه الله لعمل خير او صدقة بعد وفاته فليبادر بتنفيذه حال حياته ، وليقدم مشعل النور امامه ، ولا يجعله من خلفه ، عرضة للانطفاء وان الله لا يضيع اجر المحسنين .
