الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

من قصص النضال الجزائرى للاستعمار، " وشهد شاهد من أهله "

Share

(صدق الله العظيم )

هذه صورة حية مما يجرى اليوم في الجزائر ، انها قصة الرجال الذين يحاربون في سبيل حريتهم واستقلالهم متحدين بدون أى خوف قوى تفوقهم عشرة أضعاف . . وهي أيضا قصة الجنود الفرنسيين الذين لا يعرفون فى سبيل أى مبدأ أو هدف نبيل يحاربون . . ؟ انه مشهد حى يصفه لنا كاتب فرنسي أبى عليه ضميره الحي إلا أن ينقل بامانة وصدق مشاهداته وانطباعاته دون أن يتأثر بمنطق الاستعمار المعوج . .

المطر ينهمر مدرارا منذ الأمس . والضباب الكثيف يحجب قمة جبل " كيف " حيث يعتصم الثوار . .

وفي مخزن قريب قبعت بغير نظام ولا ترتيب فرقة من الجنود الفرنسيين بثيابهم المبتلة واحذيتهم الموحلة وبجانب كل منهم سلاحه الخاص . . لقد التجأوا جميعا الى هذا المكان واتخذوا منه ، في آن واحد ، ثكنة ومركزا لقيادة فرقتهم اتقاء للبرد الشديد والمطر الذي لم ينقطع له سيل منذ يومين ، بينما هناك فى أعالي الجبال يواصل الثوار الجزائريون هجماتهم غير عابئــين بأنواء الطبيعة القاسية لانهم يسعون وراء شئ عزيز وراء الحرية التى يبذلون كل غال وثمين فى سبيل الحصول عليها .

وفجأة فتح الباب بعنف ودخل منه ضابط فرنسى يعتم بخوذة حربية حاملا بيده رشاشا وفي حزامه بعض القنابل اليدوية ، وما هي إلا

برهة وجيزة حتى التف زملاء الضابط حوله سائلين عن مصير الدورية التى كان يترأسها والتي ذهبت منذ المساء المنصرم في جولة استكشافية ، فقال :

في الساعة الثالثة والربع صباحا فوجئنا بوابل من الرصاص أخذ ينهمر علينا من قمة مرتفع " تازى " ولا بد أن يكون منشؤه الرشاشات وغيرها من الاسلحة الاوتوماتيكية .

فقتل منا ثلاثة من بينهم الوكيل " فانيه " وجرح الرقيب مرسييه جرحا طفيفا في ساقه , أما الثوار فقد تركوا وراءهم اثنين من رجالهم الأول ميتا والثاني أخذناه أسيرا .

- وها استطعتم نقل جثث الموتى ؟

- أجل ، وسوف تصل عربة الاسعاف عند الظهر ، لقد اتصلت بالمستشفى بواسطة الراديو ، إذ أن الاتصال الهاتفي يكاد يكون مستحيلا فى جبال بني سنوس . فالاسلاك التى تربطها عند المساء نجدها دوما

مقطوعة فى الصباح . ولهذا لا بد لنا من حمل أجهزة متنقلة للاتصال بمختلف الوحدات .

وما إن وصل الضابط إلى هذا الحد ، حتى دلف الى المكان الأسير الجزائرى واتجه نحو الجدار حيث جلس القرفصاء غير عابئ بنظرات الفضول التى احاطت به ولا بالاسلحة الاوتوماتيكية التى كان يصوبها الحراس نحوه .

جلس ويداه فوق رأسه حسب الأوامر ، وألقى على كتفيه " البرنس التقليدى وأخذ ينظر خلال النافذة المواجهة إلى أشجار الزيتون المتلألئة تحت الأمطار وكأنه ينتظر نجدة من مصدر مجهول . .

عندئذ جلس قائد الفرقة وراء طاولة خشبية وأخذ قلم حبر وورقة وصاح بالحراس :

ايتونى به .

وما إن وقف الأسير أمام الضابط حتى سأله هذا الأخير قائلا : " ما اسمك ، ونقل الترجمان السؤال بلغة أهل البربر ، فأجاب الرجل : عبد القادر بن جلال بن عبد الرحمن                                                                       بن ...

- كفى ..

وضحك الجنود لهذا التعدادجاهلين بأن شجرة العائلة لها أهميتها الكبرى فى هذه الجبال . .

وابتسم الأسير بدوره ابتسامة ذات مغزي ، وتابع الضابط : - منذ متي تحارب في صفوف الثوار ؟ - قبل أن تذوب الثلوج من أعالي جبل " تمكوت "  .

- وما هو عدد رجال العصابة التى تنتمى اليها ، وما هي اسلحتكم ؟

- خمسة عشر رجلا يحاربون بالبنادق العادية ، أما الزعماء وهما اثنان فيحمل الواحد مدفعا رشاشا والثانى بندقية اوتوماتيكية .

ثم يضيف الأسير بلهجة كلها احترام وتقدير :

" هما من بغداد ! " وبغداد في عرف الرجل هي تلك المدينة ذات الأبواب الفولاذية حيث يرقد في ضريحه عبد القادر الكيلانى .

أما الضابط الفرنسي فيعلم تمام العلم بأن كلمة بغداد تعنى مركز تلك الكلية العسكرية التى تعمل في مكان ما من العالم العربي على تدريب الثوار الجزائرين على أحدث الأسلحة ويتابع الضابط :

- لماذا تريد محاربتنا يا عبد القادر ؟

كنت اعمل فلاحا . . وكانت اتعابي تذهب جميعها سدى . لان الضرائب لا تحتمل فاولادى وزوجتي كانوا يبيتون على الطوى ، ثم جاء من يقول لي باني لن اكون مرغما بدفع آية ضريبة إذا حررت بلدى من الفرنسيين ، فهل اتردد ؟ . . ولو كنت مكاني يا حضرة الضابط هل تتردد في الاختيار ؟ إما الموت لك ولأولادك جوعا . وإما أن تحرر بلادك ؟ قد أموت برصاصكم ولكن أليس ذلك لإفضل لى من الموت جوعا اذ انه سيكون لدى أمل على الأقل بان يعيش أولادي من بعدى أحرارا . أطرق الضابط الفرنسي طويلا

لدى سماعه هذا الكلام ، الا يقول حقا هذا الفلاح الجزانري ؟ !

ثم امر بتفتيشه ، فاذا به يعثر فى محفظته الجلدية الحمراء اللون على منشورات مختلفة كتب عليها ما معناه :

" الاسلام ديني ، والعربية لغتي والجزائر وطني " أو : " نفضل بؤسنا وشقاءنا على ما تعدونا به من رفاه ورخاء فى ظل القيود والاغلال " . . وجاء فى غيرها ما معناه : " لقد سكتنا مدة طويلة ، مدة ١٣٠ سنة ، ولكننا اليوم لا نقبل بالحلف بين الفارس والفرس . .

كان من الصعب على الضابط الفرنسي معرفة مصدر تلك المنشورات التى انتشرت بين سكان الجزائر انتشار النار في الهشيم ، إن أكثرها مكتوب بالافرنسية ، ولكن كل واحدة منها تحمل في أعلاها بأحرف عربية بارزة الجملة التالية :

" بسم الله الرحمن الرحيم " تلك الجملة وحدها هى التى تنتقل اليوم من افريقيا الشمالية فتخترق

الصحارى لنمر بالبلاد العربية ومصر ومنها تعبر المسافات الشاسعة لتصل الى الجزيرة العربية ، ثم الى سهول آسيا ، فحدود الهند . .

تلك الجملة هي اليوم همزة الوصل بين جميع شعوب هذه البلاد

ومن عجائب الأقدار أن فرنسا التى طلعت على العالم لأول مرة عام ١٧٨٩ بكلمة " الأمة " و " الوطن " فرنسا التى علمت العالم أصول الثورة . . تواجه اليوم الصفعة تلو الصفعة من جراء نفس تلك المبادئ التحريرية التى نشرتها وعممتها على المعمورة . . .

بهذا كله كان الضابط الفرنسي يفكر . . ولم يفق من سباته إلا على صوت صفير سيارة الاسعاف التى وصلت حاملة قتلى دورية الليلة الماضية . .

لقد مات هؤلاء الجنود . . ولكن من أجل من ؟ ومن أجل ماذا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية