الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

من كتاب فى تاريخ الادب العربى, الشعر فى صدر الاسلام

Share

-١-

جاء الأسلام بالمجد الذى لم يعرفه العرب فى جاهليتهم ووجههم للعمل للدنيا والدين فامتلات اوقاتهم بالمساعي النافعة وقراءة القرآن ونشر كلمة التوحيد وابطل كثيرا من عادات الجاهلية واولها العصبية الممقوته التى كانت قاضية على اجتماع كلمتهم . وقيد السنتهم بحدود لا يتعدونها . وحرم عليهم الكذب وقول الزور . وحاسبهم على الهمز واللمز . وعاقبهم على اشاعة الفاحشة والتعدى

على الاعراض . فكان جديرا أن تتعطل آلتهم فى الشعر . لذلك ترى الشعر في بدء العصر الاسلامى قد فترت حركته لبطلان اغراضه القديمة . ولما راوا من بلاغة القرآن الذي حقر فى نظرهم بلاغة شعرهم . فكان الشعراء فى هذا العصر على ثلاثة اقسام .

١ - منهم من وصل به الانبهار والأفحام مدى جعله ينقطع عن قول الشعر البتة كلبيد ابن ربيعة العامرى وهو من الشعراء المجلين ومن اصحاب المعلقات فى الجاهلية فلم يقل فى الأسلام الا بيتا واحدا وهو

الحمد لله إذ لم يأتني أجلى  حتى اكتسيت من الأسلام سربالا

وقد سأله مرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عما أحدث من الشعر فقال لقد أبدلنى الله به سورة البقرة وآل عمران وسأل الأغلب فقال :

أرجزا سألت أم قصيدا  فقد سألت هينا موجودا

فزاد عمر فى عطاء لبيد ولم يزد فى عطاء الأغلب

٢ - ومنهم من لم ينقطع عن قول الشعر مع مدارسته للقرآن الكريم فقد أثرت فيه هذه المفاجأة وضعف شعره عنه فى الجاهلية مثل حسان بن ثابت الأنصارى و لو تتبعت شعره فى الأسلام وشعره فى الجاهلية لرايت هذه الظاهرة

٣ - وبعضهم بقيت فى نفسه نعرة الجاهلية كالخطيئة فظل يهجو ويشبب ولذلك كان شعره فى الأسلام بمثابتة فى الجاهلية . حتى هدده امير المؤمنين عمر بقطع لسانه لهجاء الزبرقان بن بدر فلم ينجه الا اخذ العهد عليه بالإنقطاع عن الهجاء بعد أن تشفع بقصيدته المشهورة التى مطلعها

ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ  زغب الحواصل لاماء ولا شجر

فعفا عنه عمر رضي الله عنه واشترى منه أعراض المسلمين

ولعل عدم نطقه صلى الله عليه وسلم بالشعر وقوله تعالى ) والشعراء يتبعهم الغاون ( كان له اثره فى هذا الفتور فى فاحش الشعر

والحق ان الأسلام لم يهمل الشعر كل الأهمال بل قال عليه الصلاة والسلام فان من الشعر لحكمة " وكان يستمع للشعراء ويأذن لهم بانشاده فى حضرته

وقال عمر رضي الله عنه روا اولادكم ماسار من المثل وما حسن من الشعر " وقد قرض الشعر كبار الصحابة وروى عنهم كعلى وابن عباس والنعمان بن بشير وحسان وغيرهم . ولكن لم يكن الشعر فى هذا الوقت لمحض اللهو بل هو اداة للدعوة وادب للنفس . ودفاع عن الحق . وكانوا يحفظونه لفهم معانى القران ويستشهدون به فى تفسير بعض الايات . وقد هجر الشعر فى هذا العصر حوشى اللفظ وبذى القول وتقاصر عن مبالغة الجاهلية وذهب مذهبا جديدا فى معانيه واساليبة فلقد تأثر الشعر بالقرآن الكريم ومن امثلة ذلك قول حسان لابى سفيان وقد تعرض للرسول :

اتهجوه ولست له بكفء  فشركما لخير كما الفداء

اقتبس معناه من قوله تعالى ) وانا او اياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين ( وقوله معن بن اوس

وما زلت فى لينى له وتعطفى   عليه كما تحنو على الوالد الأم

وخفضى له منى الجناح تألفا   لتدنيه منى القرابة والرحم

من قوله تعالى ) واحفظ لها جناح الذل من الرحمة ( ولكن اين بلاغة هذا من القرآن وقد زاد الاسلام فى اغراض الشعر ونقص فزاد الدعوة للدين والأمر بالمعروف والاكثار من الحكمة وضرب المثل " مثل قول الخطية "

من يفعل الخير لا يعدم جوازية   لا يذهب العرف بين الله والناس

وقول حسان

وان امرأ يمسى ويصبح سالما  من الناس الاما جنى لسعيد

ولقد فهم العرب حقيقة القضاء والقدر وظهر اثر هذا الفهم على شعرهم " يقول حسان "

لو كنت أعجب من شئ لا عجبني     سعى الفتى وهو مخبوء له القدر

ضدما كان يفهمه الجاهلى المائل فى شعره

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب    تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

أما الأغراض التى انقصها فهى وصف الخمر لتحريم شربها ومن الغزل الفاحش

الذي يصف الخلوة وقد شبب كعب بن الأشرف اليهودى بنساء المسلمين من قتلى بدر من كفار قريش فامر الرسول بقتله ومن عفيف الغزل فى هذا العصر قول كعب بن زهير فى حضرة الرسول .

بانت سعاد فقلب اليوم متبول  متيم اثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين اذ رحلوا  الا أغن غضيض الطرف مكحول

تجلو عوارض ذى ظلم اذا ابتسمت  كانه منهل بالراح معلول

وقد سمى الشاعر الذى شهد عصر الجاهلية وصدر الاسلام مخضر ما مثل حسان وكعب وعلى كل فالاسلام قد غير من عادات العرب حتى في شعرهم ونثرهم

اشترك في نشرتنا البريدية