الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

من كناشات صاحب الغليون

Share

ما زال [ابن خلدون] يثير اهتمام الباحثين فى الشرق والغرب وبمختلف للغات . قرأت أخيرا أول كتاب من نوعه ترجم مباشرة عن الروسية الى العربية ، وصدر عن منشورات " دار المغرب العربى " بتونس ...

عنوان هذا الكتاب هو " نظريات ابن خلدون " ، وهو من تأليف " سفيتلانا باتسييفا " المتخرجة من جامعة لينيغراد ، وصاحبة رسالة الدكتوراه حول مقدمة ابن خلدون ، والمعروفة بكتاباتها بالعربية ، وبالفرنسية ، وبالروسية لا عن ابن خلدون فقط ، وانما بترجمتها لبعض انتاج البياتى ، وشوقي بغدادى ، وأدونيس ، ونقولا قربان ، ومحمود تيمور ، وغيرهم ..

المطلع على هذا " الكتيب " (110 ص) ، يجد نفسه ازاء محاولة أخرى نذكرنا " بزاوية النظر " التى نظر منها " ايف لاكوست " الى ابن خلدون، فاعتبره " ماركسيا " قبل " ماركس " ..

من جهة اخرى ، يمكن للقارئ العربى أن يطلع على كتاب تونسي آخر ، صدر حديثا عن " مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله " يحمل امضاء الباحث الجاد " أحمد خالد " . .

عنوان الكتاب الثاني هو " شخصيات وتيارات " (طبعة ثانية متضمنة لاضافات ، تقع فى نحو 430 صفحة من الحجم الكبير)..

رغم أن "أحمد خالد" لم يخصص [لابن خلدون] ضمن كتابه هذا ، الا نحو 35 صفحة فقط ، فيمكننا أن نقول - بدون تحفظ - ما يلى : لئن كان تفطن [ابن خلدون] ، فى أواخر القرون الوسطى الى ضبط القوانين السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى ، سببا من الاسباب التى جعلت " سفيتلانا باتسييفا " و " ايف لاكوست " يعتبران ابن خلدون "ماركسيا" قبل ظهور " ماركس " ، فان هذا التفطن "الخلدوني" ذاته الى ضبط القوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، قد كان سببا من الاسباب التى ساعدت " أحمد خالد " على القاء الضوء على جانب " بكر " من جوانب " الفكر الخلدوني" وأقصد به : " المنهج التربوى لابن خلدون " . .

.. يقول "أحمد خالد" : " يكتشف الباحث فى مقدمة ابن خلدون فصولا طريفة متضمنة آراءه فى التربية والتعليم ويجدها فى القسم الرابع من الكتاب . أعني قسم العلوم ، فينكشف للدارس أن اشتغال ابن خلدون بالمناهج التربوية داخل ضمن اشتغاله بعلمه المبتكر المسمى عمرانا بشريا أو علم الاجتماع فى الاصطلاح العصري وهو عند ابن خلدون علم يبحث في شؤون البشر من حيث الملك والكسب والصنائع والعلوم ..

يعتقد ابن خلدون أن دوام العمران وازدهاره متوقفان على امتداد السند الصحيح فى سياسة الدولة وفي اقتصاد البلاد ، وعليهما يقيس حالة التعليم فيراه مفتقرا هو أيضا الى السند وبمعنى أوضح فان التعليم لا يستقيم في القطر الا اذا استند الى سنة تربوية أصيلة سالمة من كل هجنة " .

معنى كل هذا أن النظرة الشمولية فى الفكر الخلدوني ، قد جعلت علامتنا يسبق لا الماركسية فقط ، وانما النظرة الحديثة " للتربية " فى جدليتها مع السياسة والاقتصاد والاجتماع . .

ولابن خلدون ، فى منهجه التربوى ، رأى طريف فى " الازدواجية اللغوية " ، وفي " ترتيب العلوم " وفى " صنع العقول المضيئة " .. الخ ..

بعد أن طويت الكتابين المشار اليهما ، أى كتاب " شخصيات وتيارات " وكتاب " نظريات ابن خلدون " تساءلت على النحو التالي :

- "هل كان "الفكر الخلدوني" ممكن الوجود ، لولا مغامرة صاحبه السياسية من أجل البلوغ الى الملك"؟

وبالطبع ، كدت أضحك من هذه " الخاطرة " (نيابة عن كل أهل الاختصاص الذي قد تضحكهم هذه الخاطرة ) ، ولكنني - رغم ذلك - واصلت تبرير " الخاطرة " بما يلى من " اللغو " . . فقلت : " الغالب على الظن ، هو أن " ابن خلدون" الحالم بالملك ، والذي تآمر على السلاطين من أجل الملك ، والذي دخل السجن ، وتقلب في المناصب السياسية المختلفة ، قد كاد أن يحرمنا من نظريته فى "الملك" ومن "الفكر الخلدوني" جملة وتفصيلا ، لانه كاد أن ينجح في تحقيق حلمه الكبير . . ."

بكلام آخر ، "الفكر الخلدوني " الذي حجز العديد من الاماكن السامية فى كل العصور ، ليس الا "رد فعل" ايجابى ضد الفشل فى ممارسة التغيير على صعيد الواقع . .

بالطبع ، ليس معنى هذا ، أن كل فشل سياسي قابل لان يتحول الى " فكر خلدونى " ، والى نظريات فى الملك والعمران ، ولكن - الثابت بما لا يدعو الى شك - هو أن ابن خلدون (الفاشل سياسيا) ، قد ابدع ما يسمى " بالفكر الخلدوني"!

فصاحبنا لم يتأمل قبل الممارسة ، وانما جرب " الفعل " على كافة الاصعدة ، وبكل الوسائل والطرق العملية ، ثم صادف أن قضى أربع سنوات فى " قلعة بني سلامة " التى تسمى بقلعة تاوغزوت ، وهنالك ، خطر لابن خلدون فجأة أن يحول " العلامات الكيلوماترية " من مغامرتة السياسية الى فكر ونظريات . . والى تأمل فى الملك !

وبالطبع ، الفاشلون فى السياسة ، ورجال الحرب ، عندما تتاح لهم فرصة مماثلة يكتبون " مذكراتهم " . وابن خلدون فعل ذلك ، ولكن بطريقة " خلدونية " غير قابلة للتقليد والمحاكاة (ومن لم يصدق ما أقول ، فهو حر فى أن يجرب ! ) .

شئ آخر ، لئن تولدت عن أطماع "المتنبي" فى الاحراز على " ولاية " روعة مدائحه لسيف الدولة فحذار أن يذهب الظن ببعض الانتهازيين الى أن يفسروا نبوغ "المتنبى" فى "المدح" كثمرة من ثمار أطماعه الصغيرة ... وذلك لسببين اثنين :

- المتنبى كان قادرا على أن يكون "المتنبى" نفسه حتى بدون أطماعه المتعلقة ب "الولاية" ، أما "الفكر الخلدوني" فقد كان "مستحيل الوجود" بدون التجربة السياسية الواعية التى عاشها صاحبها ، فى أواخر القرون الوسطى . . .

- من جهة أخرى ، "المتنبى " باذلاله للشعر من أجل "ولاية" قد حول الفن الى خادم للاغراض الشخصية . أما " ابن خلدون " ، فقد انتهج طريقة تكاد تكون مغايرة تماما ، ذلك انه جرب أولا ، ثم " فلسف " تجربته . أى أنه حول " الواقع المعاش " الى تفكير يتجاوز " الآنية " العابرة ، ويتخطى الزمان والمكان . . . لذلك أنت تجد من يقلد " المتنبى " بكل وقاحة ولكنك لا تجد من يتجاسر على نفس الوقاحة عندما يفكر فى [ابن خلدون] ... بشىء من الوعى ... !

اشترك في نشرتنا البريدية