تحت عنوان ( كيف نعتبر الشابى مجددا) وعن دارين للنشر هما الدار التونسية للنشر والشركة الوطنية ( الجزائرية ) للنشر والتوزيع صدر العمل الجامعي الذي كان تقدم به الطاهر الهمامى لنيل شهادة الكفاءة للبحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة التونسية . . وهو " عمل ؛ نوقش في اكتوبر 1972 أى فى نفس الفترة التى نوقشت فيها بنفس المكان أعمال من نفس النوع ، ولنفس الغرض مثل " البنية القصصية ومدلولها الاجتماعي في حديث عيسى بن هشام " لمحمد رشيد ثابت ، و "البنية القصصية فى رسالة الغفران " لحسين الواد . .
ونحن في دراسة الهمامي ، الصادرة أخيرا ، وفي الدراستين المشار اليهما والصادرتين عن " الدار العربية للكتاب " نجد نفس المحاولة الرامية الى تجديد الفهم لتراثنا العربي واعادة تقييم ثورته الشكلية ، انطلاقا من تطبيق بعض المناهج التى استنبطتها الأبحاث الأدبية المعاصرة فى أوروبا . . وهي مناهج أصبحت منذ سنوات " تعرف لطلبة العربية : - داخل كلية الآداب - من خلال دروس الأدب والصوتيات ونحو الجمل وما يتبعها من تفاسير او تعرض عليهم مباشرة - خارج الكلية - بواسطة طائفة من المنشورات الفرنسية ككتب " جاكبصون و " ر . بارط " ، و " تدوروف " ، و " ل قلدمان ومجلة إبلاغات " . " Communication و "انشائية" , poetique "النقد الجديد" La nouvelle critique ، و " كما هو " tel quel فانفتحت لها أذهان جماعة من الطلبة فأخذوا بدورهم وبعد تعمق فى أصولها يجربونها - على صعيد البحث الجامعي - فى النصوص العربية " ( 1 ).
. . في هذا الإطار ، وانطلاقا منه ، وصدورا عنه ، وتأثرا به ، يقول الطاهر الهمامى فى تقديمه لدراسته عن الشابى ، ضمن كتابه ( كيف نعتبر الشابى مجددا ) ما يلى : "وبفضل ما حققه اليوم علم الأصوات ، والألسنية ، وما توصلت اليه الطرق والفلسفات النقدية الحديثة وبالأخص منها الهيكلية ،
وما أحرزته التقنية المخبرية ، وما حدث فى النظريات الجمالية ، وما طرأ على شكل الشعر عربية وأجنبية ، يمكن اعتبار موضوع هذا البحث منصبا ضمن اهتمامات الساعة " .
والهمامى فى اعترافه بتأثره بهذه المناهج التى تلقن الى طلبة كلية الآداب وفى اقتناعه بها ، وفى السعى الى تطبيقها فى عمله الجامعي لنيل شهادة الكفاءة فى البحث مثلما فعل حسين الواد ورشيد بن ثابت ، قد قال شيئا ولم يقل كل شىء حول بقية المصادر التى تأثر بها وتفاعل معها مثل غيره من الأدباء الشبان الذين كانت القاعدة الأولى لمنطلقاتهم " الفكر " قبل أن تكون " الجامعة " وكانت القاعدة الثانية هذا المناخ العام الذي أتاح انبثاق الحركة الأدبية التجريبية ، وهو انبثاق لا يمكن تفسير العوامل التى فجرته بالمناهج التى أصبحت تدرس منذ سنوات بكلية الآداب فقط دون غيرها من عوامل.
ولسنا نزعم هنا أن " الهمامى " قد تعمد اغفال الجوانب الأخرى التى يمكن أن يدرج فيها بحثه هذا ، ولكننا أردنا فقط أن نفتح قوسا صغيرا حتى لا يتوهم بعض الباحثين مستقبلا أن حركة التجاوز التى نجدها واضحة الملامح فى الحركة الأدبية الطلائعية الشابة هى نتيجة تتلمذ محض على المناهج الحديثة فى الدراسات التى أصبحت منذ سنوات تدرس بكلية الآداب.
ولكى نفسر بعض الشىء هذه الملحوظة لابد من الإشارة العابرة الى ما يلى :
1 - محاولة التجاوز للشابى عن طريق احداث جدلية بينه وبين الشعر التونسى الحديث ترجع بداياتها الى ما قبل 1972 ، وقد حاضر فى هذا الموضوع الشاعر نور الدين صمود ، وكتب في هذه المسألة الشاعر عبد العزيز قاسم ، وتكلم فى هذه القضية منور صمادح وغيرهم.
2 - محاولة محاسبة الشابى انطلاقا من الإشارة الى عدم التزامه خطا تصاعديا فى تجربته الفنية هي محاولة طريفة ولكنها قد كانت مسبوقة بمحاولة أخرى من نفس النوع وترجع الى مرحلة ما قبل بروز شعر ( غير العمودى والحر ) . فشخصيا ( وأعتذر عن التكلم عن نفسي ) قد سبق لى فى 1967 أو 1968 أن كتبت مقالا تحت عنوان ( أدبنا والمدار المغلق ) أشرت فيه الى تأرجح الشعراء التونسيين ، المعاصرين لنا ، بين ( الحر)
و ( العمودى )، دون التزام خط تصاعدى فى تطوير الخط البنائى لتجاربهم الشعرية ٠٠
والرأى عندى أن محاسبة الشعراء المعاصرين من الزاوية المشار إليها اقرب الى الموضوعية من محاسبة " الشابى " من نفس الزاوية ، وذلك لأن قضية الشكل الفني لم تطرح فى الثلاثينيات ، وإنما بعدها . . .
من جهة أخرى ، هل نحتاج الى محاسبة الشابى من خلال مفاهيمنا الحديثة للشكل فى حين أننا نعلم أن قضية الشكل لم تتبلور بعد فى أذهان الرواد المعاصرين للشعر الحر فى المشرق العربى ، أمثال عبد الوهاب البياتى ونازك الملائكة وغيرهما . . ومما أذكره شخصيا أن الشاعر عبد الوهاب البياتي لدى زيارته الأولى تونس قد قرأ على قصيدة عمودية نشرت فيما بعد بمجلة " الفكر " . ولما عاتبته مستفسرا عن هذا السقوط فى الخط التصاعدى لتجربته ، كانت اجابته على النحو التالي . قال لى :
- " عندما أكتب على النمط القديم ، لا أكتب مثل القدماء".
ومعنى هذا أن " الشابى " المسكين لا ينبغى أن نطلق عليه الرصاص ( وهو ابن الثلاثينيات أدبيا ) ، لمجرد انه " تقهقر " على صعيد الخط التصاعدى لتجربته الشكلية . .
3 _محاولة تطبيق المناهج الحديثة فى النقد على الشابى ليست أيضا بنت سنة 1972 . فقبل " الهمامى " سنوات وسنوات ، كتب بعض المثقفين والباحثين دراسات طبقوا فيها على أدب " الشابى " بعض المناهج الحديثة (ومن هؤلاء الدكتور محمد فريد غازى مثلا ) .
ومهما يكن ، فدراسة الهمامى ليست هامة الا من حيث إنها محاولة لاختبار بعض النظريات الأدبية الحديثة فى مدى تلاؤمها مع تراثنا العربى القريب أو الموغل فى القدم . .
ويخيل لى - مع الاعتذار للصديق الطاهر الهمامى - أن هذه المحاسبة " الشكلية " أو " العروضية " للشابى قد كانت متجنية وفاقدة للتبرير الموضوعي لوجودها . للأسباب التى ذكرنا ، منذ قليل ، والمتمثلة فى عدم امكانية محاسبة الشابي من زاوية مراجعة مدى التزامه الخط التصاعدى لتجربته الشكلية ، ثم لأسباب أخرى من بينها ما يلى :
- الهمامى باعتباره من الرافضين للوزن الكلاسيكى العروضي للشعر قد أثبت مرة اخرى انه ، مثل البعض من الشعراء ( فى غير العمودى والحر ) يريد أن ينسف كل الجذور الممكنة (التي لابد من البحث عنها ) لاتجاه " فى العمودى والحر". وهذا النسف المتواصل " للجذور الممكنة " أو " المحتملة" لحركتهم هو من قبيل ركوب الأمواج الفاقدة للجسور ، ذلك أن لكل اتجاه او مدرسة أدبية أو فنية أو فلسفية جذورا ممكنة " لا مناص منها ، ولا صح فيها قول الخصوم ( ونحن لا نوافقهم ) من أن اتجاه " فى غير العمودى والحر " اتجاه لقيط .
ورأيى الخاص أن الشابى " بأشعاره المنثورة " ( مهما كانت بدائيتها ) يحتاج من الشعراء التونسيين الرافضين للعروض الى شىء من التقدير الذى ينبعى ان ينعكس على " قراءات حديثة " يقومون بها لأشعار الشابي " النثرية " ٠٠٠
- من جهة ثانية ، حركة الشعر الرافض للوزن ، بكل جبهاتها ، ليس من مصلحتها أن تقوم بعملية نسف للجسور القائمة بينها وبين ادب الثلاثينيات ( الشابى ، الدوعاجى ، البشروش ، الحداد ، سعيد أبو بكر ) . وذلك لأن ادب الثلاثينيات هو القاعدة الحقيقية التى انبثقت منها نقاط التحول الأساسية فى الفكر التونسى الحديث . .
والنسف لتلك"القاعدة" من طرف شعراء المدح ( وهم لم يفعلوا نظريا وإنما تطبيقيا ) شىء لا يستغرب ، أما من طرف شاعر شاب كالهمامي أو غيره ، فهذا هو ما يدعو الى الغرابة . .
- من جهة ثالثة وأخيرة ، التجاوز الحقيقى للشعر لا يكون الا بالشعر وأملنا أن يسعى الشعراء الجدد ( الرافضون للعروض ) الى تحاوز أشعار الشابى . أما التجاوز النظرى ، وعلى صعيد تطوير المفاهيم الجمالية والنقدية فينبغي أن يوجه الى أنصار الاتجاهات القديمة من المعاصرين لنا . .
وشكرا " للهمامى " مع المعذرة له ، عن هذه الصراحة التى يحترمها كل منا فى الطرف المقابل.

