الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

من كناشات صاحب الغليون

Share

* زخارف عربية

بعد المجموعة القصصية الصادرة عن الدار العربية للكتاب والحاملة لامضاء أحد أدباء الطليعة الشبان " سمير العيادى " أتحفتنا الشركة التونسية للتوزيع بمجموعة مقالات حاملة لامضاء أحد الادباء المجددين أيضا " نور الدين صمود " . . الكلمة المستعملة فى عنوانى المجموعتين هى " الزخارف " ، ولكن الفرق بين الزخارف التى يعنيها " سمير العيادى "  و  " الزخارف " التى يتعامل معها نور الدين صمود هو فرق يمكن أن يطرح على مستوى موقف كل من الاديبين من الحياة ومن الفن ومن الكتابة أساسا ، ذلك أن سمير العيادى يوقف زمنه على كرسى الاتهام . فى حين أن نور الدين صمود يعوض " رحلة العبير " فى " زخارف " عصور الانحطاط مرورا بجهدين " مدرسيين " فى تبسيط العروض واختصاره ، ثم فى جمع نصوص كتبت عن رواية " السد " للمسعدى ، والتعليق عليها . .

واضح من الموقفين من " الزخارف " أنهما متقابلان ، على اساس أن اولهما مرادف للرفض وللتجاوز فى حين أن ثانيهما ، يتكامل إيجابيا مع زخارف العروض ومشتقاته " التراثية "  العربية . .

ولسنا نعنى هنا أننا نحبذ الموقف الاول لنستهجن الموقف الثانى ، ولكننا ذكرنا الموقفين عرضا ، لورود لفظة " الزخارف " فى كتابين صدرا فى وقتين قريبين ، ومن طرف مثقفين يقفان ـــ وهذا لا يحتاج الى دليل ـــ على طرفى نقيض . .

" زخارف عربية " كتاب لطيف الحجم ، ذو لهجة تعليمية تبسيطية ، يتضمن 28 مقالة قصيرة فى أقل من 100 صفحة من الحجم المتوسط ، " زخرفها " المؤلف على الصعيد الهيكلى للكتاب " بالاشياء " التالية :

ـــ فى أول الكتاب كلمة تحت عنوان " قبل قراءة الكتاب "

ـــ فى آخر الكتاب كلمة تحت عنوان " بعد قراءة الكتاب "

ـــ بين المقدمة الاولى والمقالة القصيرة الاولى من الكتاب فصل تحت عنوان " مقدمة فى ميزان الابجدية "  يبدو فيه نور الدين صمود متفقا الى حد ما مع عبد الرحمان ابن خلدون ومع أستاذه البلفيقى ولكن(صمود ) يقول :  " واذا كان أبو البركات البلفيقى أستاذ ابن خلدون قد حذر تلاميذه من تعاطي هذه الصنعة فقد كان محقا فى تحذيره لأنه كان يخاف عليهم من مواكبة أصحاب هذه المدرسة ( الشكلية ) التى قضت على ( روح ) الادب فيولعون بالقشور ويتركون اللباب ، أما نحن فلا خوف علينا من هذه "  المدرسة "  لاننا لن نحاول تقليدها . . لعلمنا بأن هذا العمل أبعد ما يكون عن ( روح الأدب ) وانما سنتعرض له كلون من ألوان "  الزخرفة العربية " . اذ أن العرب لم يعرفوا ـــ كما عرفت الامم الاخرى ـــ ( الرسم والنحت ) ، فلعلهم أردوا ان يعوضوا بتلك الزخارف اللفظية الشكلية ما فاتهم فى الرسم والنحت "

واضح من هذا " الموقف " المتمثل فى الرد على ابن خلدون وأستاذه ، أن المؤلف يدين أصحاب تلك المدرسة " التى قضت على ( روح ) الأدب " ولكننا ، من جهة اخرى ، نجد نور الدين صمود يثبت فى خاتمة الكتاب عكس ذلك اذ يقول بالحرف الواحد ( ص 99 ) ما يلى : " ورجائى أن يكون هذا الكتاب قد أدى الرسالة التى أردتها من تأليفه وجمعه وفي مقدمتها خدمة العربية ، وتحبيبها الى ذويها ، واظهار بعض كنوزها واحياء ذكرى مجيديها ، والغائصين فى بحرها على لآلئها وجواهرها "

بكلام آخر ـــ ونرجو أن نكون على خطا فى الفهم ـــ نور الدين صمود ألف كتابه " لاحياء ذكرى "  المجيدين الذين هم ـــ فى نظره ـــ مدانون من طرف نور الدين صمود نفسه بالقضاء على " روح الأدب " ! فهل هذا هزل أم جد ؟ أم أنه التماس لظروف التخفيف للذين قضوا على " روح الأدب "  ؟

من جهة اخرى ـــ وكما أسلفنا ـــ نور الدين صمود يتفق ويختلف مع ابن خلدون وأستاذه فى رفضهما لهذا التكلف " الزخرفى "  الذى ساد فى عهود الانحطاط . فأستاذ " ابن خلدون " يقول : " ان من أشهى ما تقترحه على نفسى أن أشاهد فى بعض الايام من ينتحل فنون هذا البديع فى نظمه وقد عوقب أشد العقوبة ونودى عليه " ولكن " نور الدين صمود " يبدو أكثر تسامحا مع " المتكلفين " فيقول " أما نحن فلا خوف علينا من هذه " المدرسة "  لاننا لن نحاول تقليدها " !

ربما . . ولكن ما نخشاه هو أن يكون العكس أقوى من هذا التفاؤل ، لا سيما اذا افترضنا أن نور الدين صمود فى هذا " الاحياء لذكرى " المجيدين للتكلف قد وفق الى حد بعيد لا فقط فى أناقة العرض والتحليل لاساليب الزخرفة التزويق والتزين وانما أيضا فى تذليل كل الصعوبات بين عصرنا هذا و " زخارف " عهود الانحطاط .

ويصراحة ، لقد عجزت عن مقارنة بين شعر نور الدين صمود فى " ألوانه الجديدة " وبين كلامه المنظوم فى هذا الكتاب :

" الى أبوى الغاليين كليهما                ومن منهما الايمان يشتق والحمد

الى والدى محمود ، من كان اسمه         ومن فعله المحمود يزهو به المجد

وآمنة أمى التى آمنت ، وكم              مشت فى دروب الخير يدفعها الرشد

وقد علمتنى الشعر مذ كنت يافعا        على حجرها أغفو فأسمعها تشدو

الى زوجتى ، وهي الدليلة للهدى          ومن باسمها ينمو التفاهم والود

وشيراز بنتى ، وهى رمز طفولتى           وعهد شبابى ، ما أحلاك يا عهد

وميلاء صنو الورد فى اللون والشذى       ومن تعشق الأوراد يعشقها الورد

الى كل أحبابى ، وأعلم أنهم                 كثير كثير ، ليس يحصيهم عد "

" أحباء " زخارف عصور الانحطاط كثيرون ( ربما) ، ولكننى شخصيا لست " حبيبا " لتلك " الزخارف " ، بقدر تقديرى للاشعار الاخرى ذات " الالوان الجديدة " التى يكتبها نور الدين صمود فى بعض من أوقاته الثمينة التى تكون فيها الرحلة الى المستقبل لا الى عهود الانحطاط ، او غيرها . . ! فليعذرنى صاحب " رحلة العبير " على أن أنتقى من رحلاته ما أشاء ، وأن انسحب منها متى أريد . فالصداقة ليست قيدا ، والا . . فلا صداقة ، ولا قيود بيننا يا أخى !

اشترك في نشرتنا البريدية