الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

من كناشات صاحب الغليون

Share

*"كلمات"البشير المجدوب

البشير المجدوب يدعونا فى كتابه الثاني الصادر عن الدار العربية للكتاب تحت عنوان / كلمات / (*) الى تكرار نفس الاصغاء المهتم الى العزف المنفرد على ضمير المتكلم ، والى تكرار نفس التحديق فى دهشة الى الفحص الذاتي للعالم الذى قام به هو فى كتابه الاول / بذور / ( ** ) ثم فى كتابه الثاني / كلمات / . . .

ففي الكتابين دعوة الى الاصغاء من الصعب رفضها لانها لطيفة ، ودعوة الى التحديق من الصعب تجنبها لانها تثرى الفكر والذوق والوجدان . . .

وفي الكتابين ، يكثر (المجدوب )من ضمير المتكلم ، ومن جعل نفسه المحور الذي تدور حوله صور ، وأحلام ، وخطرات ، وأحكام ، مصاغة كلها بفن

يلتمس له صاحبه ألوانا من الصقل والتهذيب تطرح النثر والشعر معا على الصفر فيصبحا لغة أخرى لها الخصائص المميزة للشعر وان كانت نثرا ، ولها الخصائص المميزة للنثر وان كانت شعرا رافضا للوزن وللقافية . .

ولكن الاستجابة الى الدعوتين الاولى والثانية ، فى الكتاب الاول ( بذور )، وفى الكتاب الثاني ( كلمات ) ليست من القارىء اضاعة للوقت ، أو ذهابا اضطراريا عن حسن نية الى شريطين يعرضان نفس الصور . . والاحداث والاشخاص والاصداء . . لماذا ؟

لأن " المجدوب " لئن أوهمك بأنه يقوم بعملية " استريبتيز " بمفرده ( عن طريق نقاوة السفور الباطنى والتجريد ) فهو ، فى الواقع ، لا يحدثك عن نفسه وانما عنك ، وعن اسرارك المخيفة . . وعن المطلق . .

لذلك ، الكتابة عند هذا الرجل الذي يؤمن بأن الناس يتصافحون " بالقلوب لا بالايدى " هى خروج من المناجاة الى الحوار " أى أنك بعد أن تطمئن الى أن صاحبنا قد أجلسك على كرسى حجرى ، بحديقته وأحضر لك فنجان قهوة ، ووضع أمامك علبة سكاير ، تدرك - بعد هنيهات - أن ضمير المتكلم الذي يستخدمه الكاتب بشئ من الادمان ليس الا طريقة متأدبة للتجسس على أعمق أسرار ذاتك . . وتدرك - كذلك حتما - أن صاحبك الذي استضافك بكل لطف لكى يضعك وجها لوجه مع " الانسان الآخر " فيك, انما فعل ذلك لا لشئ سوى خوفا عليك من أن تصاب بالصمم لفرط استماعك الى ثرثرتك الذاتية . . لهذا فهو يحدثك عن كل شئ وعن اللاشئ ، آخذا نقطة الابتداء من ذاته ، من تجاربه ، من رؤيته الفردية ، ومن الرواسب التى تتركها انعكاسات الحياة فى نفسه . . .

وشخصيا - ورغم أن أديبنا البشير المجدوب قد شبه شهوة الكاتب الى الاطراء برغبة الحسناء الى النسيب - فاننى سأسمح لنفسى بأن أصارحه ( فى شكل ملحوظات " شرسة " بعض الشئ ، وبعيدة عن " النسيب " ) بما يلى :

كنت من القلائل الذين . . يحترمون خروج الاستاذ البشير المجدوب عن الطرق المعبدة أى عن تلك " المناطق " التى يشعر محترفو النقد الادبي الكلاسيكى والاكاديمي انها مقدسة . وتلك " المناطق " هى الاشكال " الرسمية " للكتابة كالشعر الموزون ، والمسرحية ، والقصة ، والرواية ، الخ . .

" والمجدوب " برفضه - عن وعى أو عن لا وعي - لان يكون جزءا من الادباء المرشحين للتحول الى " ارقام أدبية " داخل كتاب تونسى حول الشعر المعاصر ، أو داخل دراسة أدبية تونسية حول القصة او المسرحية او الرواية ، قد كان يبدو لى شخصيا - على الاقل - كاتبا يبشر ( مع السابقين له ومع اللاحقين) بدعم الخط الفني الذي تؤمن به الكتابة الرافضة للقالبية والجمود . أى للكتابة الفنية التى تروم تفجير الاشكال المتفق عليها ، والمفروغ من بنائها المعماري القديم الذي تجاوزته الاحداث . .

وكنت فى تفاؤلى بالكتابات الاولى للمجدوب ( ضمن كتابه الاول " بذور " الذى قدم له الاستاذ محمد مزالى ) أبرر تفاؤلى الخاص باللوحات الفنية التى كان فيها " المجدوب " يقف بكل كبرياء فى مفترق الطرقات المعبدة للاشكال الجاهزة . وكنت أقول فى نفسى ، ان هذا الكاتب رغم طبعه المسالم المحبب الى النفس سيختار الطريق الخامسة داخل الطرق القديمة التى تجمدت في رقم ( 4 ) وبذلك سيبصق ( مع الاعتذار للمجدوب ) على التصنيفات الاكاديمية القديمة التى تجاوزتها نوعية كتابته الخاصة . .

ولكن ما راعنى - فى الكتاب الثاني - الا ان أشاهد أن ( المجدوب )قد انتهى الى الخط الذى سقط فيه من ذى قبل كثيرون فى العالم العربى وفى الحضارات الاخرى ومن بين هؤلاء ميخائيل نعيمة الذى كتب النثر الفنى ثم سقط في جوامع الكلم ، والحكم ، ولست أدرى ماذا . . و . . بجانب ميخائيل نعيمة كاتب آخر من المغرب اقتفى أثره وانتهى نهايته ( مع وجود الفارق ) ، وذلك الكاتب هو محمد الصباغ ، صاحب (شجرة المحار ). .

فلكاتبان المذكوران - رغم وفرة انتاجهما بالقياس الى صديقنا الفاضل البشير المجدوب - قد كانا أيضا يبشران بالتفجير لقوالب الكتابة ثم سقطا فى هذا الشئ القديم الذى يذكرنا برائدين من رواد الادب المقالى فى الغرب هما : (مونتانى ) و ( باكون ) وان الكاتبان الاخيران قد تطورا فى خلقهما " للأدب المقالي " من الايماء الى التفسير ، ومن الضنانة الى السخاء ، فى حين أن ميخائيل نعيمة ، وجبران ، ومحمد الصباغ ، والبشير المجدوب ، قد ساروا فى الاتجاه العكسى ، أى من النثر التأملى المتدفق الى الاحتجاز والتركيز والحكمة التى تقوم على ملاحظة الكون من خلال فحص ذاتي ، أو ظاهرة ضئيلة من تزاحم مشاهد الحياة اليومية . .

وبالطبع "السقوط" الوارد في قاموسى وفى " الفرازيولوجيا " التى ابتدعها أبناء جيلى الجدد ، ليس الا سقوطا فى تطور أشكال الكتابة ( كما نراها نحن, وكما نريد تفجيرها ). " فالمجدوب " كان " أملا " ولكنه سقط من حسابنا, لكي يسير بمنتهى " اللياقة البدنية " و " الفنية فى الخط الكلاسيكى الذى يسير عليه جبران ، وميخائيل نعيمة ، وأمين نخلة ( فى " المفكرة الريفية" ) ومحمد الصباغ فى " شجرة محار " الخ . .

هل قلت "شيئا خطرا " يحتاج إلى المزيد من التأكد والمراجعة ؟ لست أدرى, ولكن الذي أدرية هو ان " المجدوب " يظل - رغم كل ما اسلفت - أقرب الى الجيل الجديد من محترفى كتابه القصه التقليدية ، ومن محترفى كتاب" النظر المشعور " ، ومن البقية المعروفة . . فهو قريب من المستقبل بعيد عنه لانه ( ولا اريد أن اتناسي أديبنا الكبير المسعدى )من ذلك الصنف الممتاز من " الفنانين " الذين تقف تطلعاتهم الابداعية خارج الطرق المعبدة لتطل على المستقبل وعلى الماضي دون قرار نهائى على الرحيل . .

هل هذا هذيان ؟ قل ما شئت أن تقول وأنا احترمك دائما !

اشترك في نشرتنا البريدية