الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

من كناشات

Share

1 ماذا يحدث عندما تكون النوافذ مغلقة ؟

التأمل الاضطرارى ، تلقائيا ، فى المرأة فى خريف العمر ، تبدو من زجاج نافذة مغلقة ونصف مضاءة ، قد يفضى الى حالة من الالتقاء بغير ميعاد ، مع الوجه الخفي لانسانتنا المعذبة ، وقد انعكس على ذلك الشبح المجهول ، المتمثل فى تلك المرأة المنحنية دائما على شئ ما ، والتي تبدو لنا ، وكأنها سمكة مسجونة فى كأس من الماء ، أو عصفور فى قفص من ذهب

وهذا تماما ما عاشه وخلده فى ) قصيدة نثر ) الشاعر الخالد ) شارل بودلبير ) ، الذى لم يقف عند حدود التأمل العادي ، فى تلك المرأة من خلال نافذتها ، وانما نسج عنها وعن تاريخ حياتها أسطورة كان يرويها لنفسه وهو بين الضحك والبكاء

فالنافذة هنا ، هي المسؤولة عن كل ما أسلفنا ، ولو كانت المرأة رجلا مسنا ، على قاب قوسين أو أدنى من القبر ، لما تغير من الاسطورة شىء ، ولا من حرارة الانقذاف فى الذات عبر الآخرين ، شىء أيضا . .

هكذا يقول ) بودلير ] ، فى قصيدته ) النوافذ ( ونحن نصدقه ، لأننا نعرف انه لا يعطى للنوافذ نفس المفهوم الذى يمنحه لها بلزاك ] ، لدى حديثه عن " الخدمات " التى تتيحها " النوافذ " للعشاق في مغامراتهم الليلية .

ولكن ماذا يحدث عندما تكون النوافذ مغلقة تماما ؟ . للاجابة ) جيمس دريفر ( ، فى [ قاموس علم النفس } يحدثنا الكلوستروفوبيا التى هى " مرض الخوف من الاماكن المغلقة " !

أما الكاتب المصرى توفيق الحكيم ، فلا يقدم اجابة وانما يطرح قضية " غلق النوافذ " على صعيد أكبر ، عندما يكون هذا " الغلق للنوافذ " علامة خوف الامة بأسرها من شئ أو أشياء خطرة كامنة فى الفضاء الخارجى لنوافذها .

انطلاقا من هذا المعنى الاخير " للنوافذ " ، أصدر الصديق والاديب التونسى الشاب ، محمود طرشونة ، مجموعته القصصية الاولى " نوافذ " . . ) 1 ( وحسينا فعل ) طرشونة ( عندما رفض أن تكون الاقاصيص التى اصطادها من التأمل طيلة أربع عشرة سنة " شيئا " بينه وبين نفسه . .

2 الشعر ليس لافتة اشهارية على واجهة حانوت

الفوارق عندى لاغية تماما أو تكاد ، بين شعراء المدح للسلطان مهما كانت قيمته ، وبين شعراء المدح المباشر لهذه الايديولوجية أو تلك ، لهذا الحزب السياسي أو ذاك . . حتى لو كان يزعم لنفسه الثورية .

ففي كلتا الحالتين ، المباشرة لعلاقة الواقع أو الشعار بالشعر ، تجعل القصيدة مجرد لافتة اشهارية على واجهة حانوت ، مجرد منشور سياسي ومجرد بوق يصرخ . .

والذنب هنا ليس ذنب السلطان ، أو الايدولوجية ، أو الحزب ، أو الشعار ، وانما الذنب هو ذنب الشاعر الذى تحول من مبدع الى ببغاء سخيف . .

3 الميدانى يقدم الاصرار ) رقم 4 ( على كتابة الشعر )

الذي نكبره فى الميدانى بن صالح رغم اختلافنا معه حول مفهومه الفني الخاص للشعر ، هو أنه خلافا للكثيرين من المتنطعين للكتابة عن الكادحين المعذيبين في الارض ، لا يفتعل المواقف ، ولا يكتب من أجل الشعار ، وإنما يصدر عن ايمان نبيل بقضيته . .

ولكن بما أن الاعمال الشعرية الكبيرة لا تتحقق بمجرد حسن النية صعيد المضمون فان القصيدة " الميدانية " ستظل دائما - ورغم وجود التفعيله أقرب الى البيان السياسي أو الى المقال النثرى منها الى الشعر

. . وهذا الرأي قد سبق لى شخصيا أن أعلنته منذ سنوات ، فى العدد الاول من مجلة ) ثقافة ) التى كانت تصدر بتونس عن دار الثقافة " ابن خلدون " . . ) فى مقابلة صحفية أجراها مع رئيس تحرير تلك المجلة ( . .

والمهم - وهذا أيضا يزيد في إثارة اعجابنا بالميدانى بن صالح - هو أنه لم يأبه لأعتراضي عليه ولاعتراض محمد صالح الجابرى بعدى ، ولاعتراض غيرنا وإنما واصل اصدار المجموعة الشعرية تلو المجموعة ، دون أن يخرج عن اهابة قط . .

وصدرت له المجموعة الرابعة ( من مذكرات خماس ) ( 2 ) ، وكانت بمثابة الاصرار ( رقم 4 ) على كتابة الشعر " الصاخب بالنثرية " رغم وجود التفعيلة وصدق الانفعال . .

لذلك ، ودون رغبة منا فى مقابلة التعنت بشئ من جنسه نصافحه ونسأله رأيه فيما يلى :

( سانت بوف ) و ( انغلز ) ، على ما بينهما من اختلافات قد تكون من الالف الى الباء ، قد اتفقا - بدون سابق اعلان - على الاقل فيما لم نتفق فى شأنه مع الميدانى بن صالح

- يقول ( سانت بوف ) : " ليس الشعر فى ان تقول كل شئ ، بل في ان تحلم النفس بكل شئ " . ويذهب ( انغلز ) الى نفس المعنى عندما يقول : " كلما كانت آراء الكاتب مضمرة فى العمل الفني كلما كان العمل افضل " . .

والغالب على الظن أن الصديق القاص البارع عبد القادر بلحاج نصر يختلف مع ( سانت بوف ) ، ومع ( انغلز ) عندما اعتبر ان " من الابداع " فى شعر الميدانى يتمثل حسب رأيه ، فى أن الشاعر " يبدأ طرحه للقضايا من القضية ليصل الى الشعر ، ولا يبدأ من الشعر ليصل فى نهاية الامر الى القضية !

اين النجم المذنب الذي  هو ( فى غير العمودى والحر ) ؟

المعروف فى كتاباتى منذ سنوات هو أننى كنت أول من كتب عن القصائد الاولى لمحمد الحبيب الزناد الذى أصبح فيما بعد ، وظل الى الآن أهم شعراء جماعة / فى غير العمودى والحر / رغم رفضه لشعار التسمية . . .

ثم بعد ذلك ، تألق نجم هذا الاتجاه نتيجة ، تشجيع مجلة / الفكر / له ونتيجة اندراج هذا الاتجاه في إطار أوسع هو إطار الادب التجريبى التونسى قصة ، ومسرحا ، ونقدا الخ . . .

ولكن بعض شعراء ( فى غير العمودى والحر ) رغم عجزهم عن كتابة الشعر الشعبي الذي يتفجر به عبد الرحمان الابنودى بشكل رائع ، قد تورطوا - نتيجة الركض وراء الشعارات - فى الكتابة بلهجة هي بين " الفصحى والعامية " وأقرب ما تكون الى الكاريكاتور لهذه ولتلك ، مع افتقاد روح النكتة والشاعرية والقدرة على الارتقاء حتى الى مستوى أشعار البرنامج الاذاعى " قافلة تسير " . .

وموقفى كان منذ 1972 ( انظر مقدمة كتابى " رافض والعشق معى " ) ، هو الاستقالة من طليعة صبيانية تركب الامواج الفاقدة للجسور ، وتتنكر اليوم لما امنت به يوم أمس . . وتجحد غدا ما صدعت به اليوم

وعلى إثر ذلك حدث أن ترأست تحرير جريدة ثقافية هى " الهدف " ، ولكن الجناح المشبوه فى جماعة ( غير العمودى والحر ) ، توجس خيفة من الجريدة

الثقافية الجديدة الداعية الى طليعة تتحرك فى إطار أوسع من لهجة " فى غير الفصحى والعامية " ، وفاجانا الطاهر الهمامى ومحمد صالح بن عمر بمقال انهزامى مشترك رفعا فيه شعار " الهامشية " الذى استنكره ورد عليه عدد من الادباء الشبان المؤمنين بأن الطليعة الحق ليست الطليعة التى تسلك سياسة النعامة وتعلن استقالتها أمام العراقيل وإنما الطليعة التى تتجابه مع العالم في غير انبطاح أو تقهقر . .

للمزيد من الوضوح أريد أن أذكر بأنني لست ضد الشعر الرافض للوزن وانما ضد الشعر الرافض للوزن الذي يكتب باللهجة المحلية القطرية من جهة ويكتب من جهة أخرى من طرف " أناس " هم اقدر على كتابة اللافتات الاشهارية منهم على كتابة الشعر ٠٠

والأغرب مما أسلفنا ، هو ذلك المقال " الاشهارى " الذي نشره أحد الاصدقاء عن شعر فى غير العمودى والحر بعدد من أعداد المجلة العراقية المعروفة " اقلام " ، زاعما ان الشعر الطليعى التونسي رقم واحد الذي ينبغى التعريف به على الصعيد العربى القومى هو ذلك الشعر الذي انحرف عن مهمته التطويرية للشعر العربى الفصيح ، وأصبح يكتب باللهجة المحلية التونسية ( التى يطلقون عليها عبارة " اللغة التونسية " ! ) .

لكن أين هو الآن ذلك النجم المذنب الذي كان ظهوره يخوف الناس ، وكان اختفاؤه اكثر سرعة من ظهوره الغالب على الظن هو أن شخصيته قد تقلصت وأمسى كهلال الشك ) الذي لا يصلح حتى ليكون ابن عم الشك المذهبى المفضى الى برد اليقين ( .

5 النجار يتناسي لعبة الترميز

لئن كان الميدانى بن صالح ( الشاعر ) - كما قال عبد القادر بلحاج نصر ( القصاص ) - " يبدأ طرحه للقضايا من القضية ليصل الى الشعر " - فان كان بامكان خالد النجار ( الشاعر ) ، أن يقول عن محمد الحسب السالمى ( القصاص ) ، إنه يبدأ طرحه للقضايا من الشعر ليصل الى القضية ، ولكن من نافذة القصة . .

بعد أن " النجار " في مغازلته " لطبوغرافية " الاحتراف البارع للقيام بما عليه وبما علم الناس جميعا من واجب الفهم ، قد جال جولات لا توصف فى ( مدن الرجل المهاجر ) (3) ثم بعد مقدمة من طراز النهايات التى نعتها مارون عبود ب " الضربة القاضية " عاد النجار وقد أقنعنا " بغباء تلك المحاولات النقدية التى توهم القارئ من خلال التجانس الظاهرى للكلام بأسر حقيقة الأشياء داخل اللغة " .

أما " الفقير الى ربه " - يا خالد - فيرى أنك قد تناسيت لعبة الترميز التى زرع فيما صاحب ( مدن الرجل المهاجر ) بشكل يذكرنا بقدرة " زكريا تامر " السورى على تكسير الحواجز بين العناصر بنزق طفولى رائع . . وبادراك لمقتضيات الفن واعد جدا . .

والاهم هو أن نوستلجيا " السالمى " ليست قلقا ريفيا ، من النوع الذى يشعر به القروى لدى اصطدامه بالمدينة ( انظر القلق الريفى فى مجموعة " قرط أمي " للميدانى بن صالح ) ، وإنما هى شىء أقرب الى قلق وجود الذي تتلاشى أمامه الحدود التقليدية الفاصلة بين الريف والمدينة .

وأخيرا ، أشد على يد صاحب ( مدن الرجل المهاجر ) بغير قفافيز ، وأترك للنجار حريته فى أن يكتب قصيدة هجاء فى مدينة ( تيروبومايوس ) التى " لم تدخلها " ! ( مع شكره أولا وآخرا على رفضه لفتح الابواب المفتوحة فى بعض الاحيان أو فى أغلبها . . ( .

اشترك في نشرتنا البريدية