الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

من كنوز السنة

Share

روى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تحاسدوا ولا تناجشوا . ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله اخوانا . المسلم اخو المسلم . لا يظلمه ولايخذله ولا يكذبه ولا يحقره . . التقوى ههنا ويشير الى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه)

ولمسلم عن أبى هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه )

المعنى اللغوى

لا تحاسدوا - الحسد تمنى زوال النعمة عن الغير ) ولا تناجشوا ( النجش بتشديد النون وفتحها وفتح الجيم هو رفع ثمن السلعة والزيادة فى ثملها ممن لا يرغب فى شرائها ) ولا تباغضوا ( البغض ضد الحب ) ولا تدابروا ( لا تتعادوا وتتقاطعوا ) ولا يبع بعضكم على بيع بعض ( أى اذا باع أحد سلعة لا يعب بعضكم فيها ليحمل المشترى على ردها ليأخذ خيرا منها فى زعم من زعم له ذلك بأقل من ثمن الأولى ) لا يظلمه ( الظلم وضع الشىء فى غير موضعه وهو الجور ) ولا يخذله ( أى لا يترك نصرته وهو قادر عليها ) ولا يكذبه ( أكذبه جعله كاذبا وقد يكون بمعنى بين كذبه أو حمله على الكذب ولا ) يحقره ( أى لا يستصغر شأنه ويهون قدره . . التقوى - مخافة الله  ..نفس بتشديد الفاء فرج ولطف كربة بضم الكاف وسكون الراء الكربة : الحزن والمشقة

والشدة كرب يوم القيامة - شدائده واحزانه - يسر . بتشديد السين . سهل المعسر بضم الميم وسكون العين ضد الموسر وهو ضيق ذات اليد

المعنى الاجمالى

نهى رسول الله صلى انه عليه وسلم عن الحسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع المسلم على بيع أخيه لأنها مجموعة مثالب ونقائص ومجالب إحن ومثار أحقاد يترفع عنها المسلم اذ كانت مجافية للاخوة الاسلامية التى رسم أسسها نبى الرحمة بقوله : " المسلم اخو المسلم . لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره " أى من حق المسلم على أخيه أن يعامله بهذه المعاملة الكريمة فذلك عربون الإخاء وظاهرة تغلب عواطف الخير وامتلاء القلب بخوف الله والحب فيه . . اما نقيض هذه المعاملة فبوادر شر خطير يهدر الكرامة ويحفز على التجنى وهتك الحرمات المحرمة . حرمة الدم والمال والعرض ، وكفى بذلك حوبا  كبيرا .

ومجمل معنى حديث أبى  هريرة الثانى الندب الى لون من المعاملة هو فى مجموعه تكافل محمود وترغيب فى تهذيب ملكات النفس ونشد ان المثل العليا للتخفيف من متاعب الإنسانية فى أوسع النطق وأبعد المجالات

التعليق

تناول الحديث الذى أوردته فى مقالى الاسبق ناحية تكاد تكون بحياة الفرد ألصق منها بحياة الامة والمجموع ذلك انه يرشد الى القصد وسلوك سواء السبيل فى طرق الانتفاع بالمادة كسبا وانفاقا ، ووضح منه الغرض بضرب المثل للمفرط والمقتصد فى هذا المجال

اما حديثا اليوم فيهدفان الى تنظيم حياة المجموع على أساس العدل فى المعاملة والتساوى فى الحقوق وحبس كل الامكانيات لصالح الجماعة والتخفيف من متاعبها ورفع كابوس المحنة عنها . . وما أحوجنا الى أمثال هذه التوجيهات الرفيعة فى عصر

طغت فيه المادة على كل المقدرات والقيم الروحية وهيمنت على الشعور العام وسيطرت على السواد الاعظم من سكان المعمور وتجلت فى كل مجال من مجالاتهم وكل مظهر من مظاهرهم حتى انك لتلمس صورا شتى وألوانا لطرق الاستغلال الجامح والجشع الطائش والأنانية المتطرفة وكل ذلك من وحي المادة واساليب سيطرتها على النفوس مما يدفع بالحصيف الى الهرب من وجه هذا التيار الجارف والتخلص من هذه الادغال الشائكة والاوساط المتجنية التافهة ويحفزه الى تعشق السمو الخلقى والتطلع الى النهج المثالي الذي رسمه النبى عليه السلام فى هذين الحديثين وغيرهما مما جاء على غرارهما فى التوجيه

أيها القارئ الكريم : ان الحسد وهو أبرز صفات الانانية ، والنتاجش وهو مدرج من مدراج الاسفاف . والتباغض والتدابر وهما معولا هدم للأواصر والوشائج وظاهرتا فشل ونذيرا خراب ، وبيع المسلم على المسلم وهو مظهر من مظاهر حب الذات والتكسب بالطرق الملتوية أقول : ان كل ذلك مما يفقد الامة الروح التعاونية فى كل المجالات ويقل الروابط ويفصم عرى الأخوة الاسلامية التى أكدها الله للمؤمنين بقوله : ) انما المؤمنون إخوة ( وضرب النبى صلى الله عليه وسلم لها الامثال بالجسد الذي لا يتجزأ والذي اذا اهيض منه جناح ارتفعت له بقية الاجزاء بالشكوى : ) المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) (مثل المسلمين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)

وشجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأخوة بعد سرده جملة من امراض المجتمع وأوضاره وحث عليها فى حديث أبى هريرة الأول بقوله : ) كونوا عباد الله اخوانا ( وعقب بذكر امور من شأنها أن ترفع من هذه الاخوة وتجعلها على طراز نموذجي للمجتمع الاسلامي المثالى فقال : ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره )

ثم قرر صلى الله عليه وسلم فى نهاية الحديث حق المسلم من حيث وضعه كفرد

فى المجموعة الاسلامية له الحصانة المالية وحرمة الدم والعرض ما يكون به فى مأمن من الاهدار والتجني واستباحة حريمه فقال : ) كل المسلم على المسلم حرام : دمه . وماله وعرضه ( وهو عين ما قرره فى حجة الوداع وأهاب بالمسلمين ان لا يعتدوا فيه الحد فقال : ) إن دماءكم وأموالكم وأغراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا (

ويعجبني مما قرأته لأحد العلماء المعاصرين فى الموضوع اياه قوله : " ليس هناك كالجنس الانسانى فى تفاوت أفراده كمالا ونقصا وكرما ولؤما . . ومع ذلك التباين الشاسع بين الافراد فهم متساوون أمام الحقوق والواجبات العامة - وامام فرائض الدين والتزامات القانون . ليس لذكى أن يسفك دم غبى . وليس لمتفوق أن يتسلط . على متأخر تسلط جور وافتئات . . والاسرة الواحدة قد يكون فيها الغصن العالى والغصن القريب وهذا لا يعنى تنكر بعض لبعض . . بل الواجب يقضى بان ياخذ القوى بيد الضعيف وان يبسط عليه جناح رحمته ، ما ظل محتاجا اليها . وجمهرة تعاليم الدين تقوم على هذا الا ساس المتين ثم هي تنظر الى حقوق هذه الاخوة حين . تامر بالبر والتواصل والمعدلة وحين تنهى عن الظلم والقطيعة والعقوق . . . فالإخوة العامة كما رأيت هدف يسعى الاسلام لتحقيقه ويصنع له البيئة الصالحة التى تلائمه ويأبى أن يكون للفوارق المادية أثر يهدمه " اهـ

وهذا البيان المسهب مما يلقي ضوءا على حديث أبى هريرة الثاني ويبسط أهدافه ويشرح مراميه اذ لا يختلف عن الحديث الاول من حيث التوجيه والارشاد إذ أهاب بالمسلم لينشل أخاه ويرفع عنه كابوس المحن والرزايا ويخفف عنه متعبه ما استطاع ويواسى جراحه ويسدل الستر عليه ان زلت به القدم واستجاب لصواته ونزواته ويقومه بالحكمة واسداء النصح له مجانبا الوقيعة والتشهير به والتجنى عليه . واستعراض مثالبه .

والى جانب ذلك فى الحديث وعد بحسن الجزاء وعظم المثوبة مقابلة للاحسان بمثله وجزاء وفاقا للعمل المشكور والصنع المبرور

ومن منا لا تستشرف نفسه لهذه المناقب الحميدة فيضع نفسه موضع اليد العليا تنفس عن المكروب كربه وتيسر على المعصر اعساره وتستر على التجانف للأثم زلته . وترعى فيه حق أخوة الإسلام المؤسسة على نور من الله وقبس من هدى النبوة هدانا الله جميعا صراطه المستقيم

اشترك في نشرتنا البريدية