( حبا للمنفعة العامة وخدمة للتاريخ ولمن تراوده نفسه بالسفر الى هذه البقاع - رايت انشر بعض ماجاه في مذكراتى عن رحلتنا الجميلة المتبعة ليقف المغامر على حقائق وآثار شاهدنها اثناء القيام بمهمة حكومية )
العلا ١٣٥٥/٧/٢٨
العلا - تقع على خط عرض ٢٧ وطول ٣٣ تقريبا يحدها اشرقا حرة خيبر وغربا وادى الحمض وجنوبا قلعة الزمو وشمالا مدائن صالح .
وصلناها قبيل الظهر . بعد ان اخذمنا التعب مأخذه ، من جراء وعورة الطريق وكثرة تعاريجه ، ومنخفضاته ومرتفعاته ولانتحار احدى سياراتنا بسبب مالاقته فى طريقها من المشقة والتعب اللذين كرها للحياة بعد ان عمرت فيها كثيرا ...
ولقد عمنا للفرح حينما بلغنا قرية العلا بعد ما لاقيناه من أشد التعب وماعايناه من الكرب ! من جراء حرارة الشمس و وعورة الطريق واختلاف انواع المياه الاسنة : والحاملة لكميات من الميكيروبات . وقد وجدنا الراحة والهناء وزال كل ما لاقيناه من نصب خلال اربعة أيام متواصله سرنا فيها من المدينة - الى العلا وذلك حينما وضعنا رحالنا فى العلا ، وقد لقينا من حضرة أميرها من كرم الوفادته والاحترام ومن اللطافة وحسن الذوق والمؤانسة من رجال الامير . وأمين مالية - العلا واخوانه وموظفي اللاسلكى - ما انسانا تعب الطريق وسلونا أهلها بلقياهم فهم اصحاب الفضل علينا بما أوتوا من لطف وكرم .
قرية العلا - هي المحطة الثامنة عشرة للخط الحديدى الحجازى اعتبارا
من المدينة ، وقد عمرت بالسكان اثناء مد الخط بنزول بعض عرب الصعيد النازحين من أعلى مصر عن طريق الطور والوجه وبعض بادية الحجاز ، وقد اتخذوا الزراعة مهنة لهم ، وخاصة غرس للنخيل ، لخصوبة ارض العلا وجودة تربتها ، وكثرة مياهها ، ففيها مايناهز (٢٨ ) عينا جارية ؛ خلاف الآبار ، الا ان أهلها مهملون فى الزراعة والصناعة ، وفي كل شئ حتى في مسكنهم وملبسهم ومأكلهم . فلو اعترى احدا منهم اى نوع من الامراض لا يجد عناية ما ولا يعرف احدما نوع مرضه فيموت المسكين ضحية الجهل والاهمال وفي الصيف ينتشر فى طرقها وأزقنها كثير من الحيات والعقارب من النوع الممتاز . اما الذباب فلا استطيع ان أصور لك مقدار حجمة وكثرته - فلو قدرت ان فى كلا غرفة مئات الالوف لما بالغت ، وأما حجمه فلا اغالي إذا قلت انه من النوع ( الفاخر ) . . وقد لا يجد النزيل لديهم راحة من الهش والنش . أما السكان فقد الفوا ذلك ، ويأسفون لغيابه اذا طارده الهواء ...
لقد جرب بعض من نزح من سكان المدينة منذ سنوات عديدة ، زراعة العنب والرمان والليمون بانواعه والورد وبعض الخضروات ، فنجحت تجربتهم لقابلية الارض للزراعة وان جل اعتماد سكان العلا على زراعة النخيل والحبوب وبعد تمرهم من النوع الجيد ؛ حتى ان ( البلحة ) الواحدة تبلغ طول السبابه ، - من أصابع اليد .
وتنقسم العلا الى قسمين قسم يسمى ( الحلف ) والاخر ( الشقيق ) وتقع محطة السكة بين هذين القسمين ؛ حيث يقيم الامير هناك لجودة هواء هذا المكان ١٣٥٥/٧/٥
عزمنا على زيارة المدرسة والحكمة ، وقد رغبنا ان تجتاز الطريق من مقرنا بالسيارة لطول المسافة ، ولكنا لم نستطع ذلك ايضا لوعورة المسالك ، فلم نر بدا من أن نركب ( الترلي ) ويسميه أهل العلا ( النورية ) فى ذهابنا الى المدرسة .
وقد وجدت أمارة العلا فائدة عظمي من تسيير ( الترلي ) على الخط الحديدي فى تسهيل أعمالها ، وخاصة ( الاحتطاب ) والعلا هي البلدة الوحيدة في المجاز التى تسير الترلى ، . وامتطيناه ومعنا سعادة الامير وحاشية مؤلفة من سبعة أشخاص حتى وصلنا الى المحكمة ومنها الى المدرسة ، وقد دفعنا حب الفضول الى ان تذهب الى السوق ، واغتنمناها فرصة فسرنا على أقدامنا نبحث عن الحوانيت فلم نوق بادىء بده واستغربنا جدا من عدم الاهتداء اليها ، فلم يسمعنا الا أن نسأل أحد السكان عنها فاذا هي أمامنا ، وعن يميننا وشملنا ( بدهاليز ) أمكنتهم - وهي مظلمة حالكة مضاءة بالنور فى وسط النهار - نتيجة ضيق الازقة التي تبلغ مساحة عرضها مترا ونصف متر ، ونتيجة اشتبك ( قيعهم ) بعضها ببعض ، واتصال سقف قاعة هذا بذاك ، حتى أصبحت الازقة مسقفة ، محجوبة عن الشمس ، فلا تجد هذه الشمس منفذا لها الى الارض فكان منافذ ( القيع ) وأبوابها سراديب لحيوانات ناطقة ليس الا ، وبهذا انتشرت الحميات هناك وكثرت الامراض ، ولم نستطع المكث ساعة في تلك الامكنة فلذنا بالفرار ، وكل منا ينادى صاحبه : اسرع !!
(يتبع)
