الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

* من مذكرات عاطل عن العمل :، يأس أخضر

Share

الخميس : بدلة زرقاء بالية . . حذاء قديم أقدامه متآكلة وبلا خيوط . . ذلك كل ما أملكه فوق جسمى ، وأنا أسير . . والشارع طويل . البطن خاوية . . ورأسى تدور . . منذ الصباح وأنا أتسكع بلا هدف . . وأى هدف ، وأنا عاطل عن العمل .

- " أنت لص . . سافل . . تسرق مفتاح سيارة . . آغرب عن وجهى . . لن أراك بقاراجى فى المستقبل " . . كلمات ما زالت ترن فى أذنى . . تضرم فى قلبى النار . . كلمات " المعلم " . . والشارع طويل . . ورأسى تدور . . وأنا أسير بلا هدف . .

أصبحت مقتنعا ، تمام الاقتناع بأن أبسط الاشياء التى تصدر منا فى الحياة عن قصد أو غير قصد إنما تلعب دورا هاما فى مشروع الحياة . نهضت عند الصباح ، وهممت بالخروج كالعادة . . وبحثت عن مفتاح القفل لأفتح الباب . .

وذهبت أبحاثى أدراج الرياح . . المفتاح قد ضاع . . فكرت فى الامر . سوف أتأخر عن ميعاد العمل اذا أشغلت نفسى بخلع الباب ، وسوف يطردنى " المعلم " لا محالة كما أطرد قبلى " عبد القادر " حين تأخر عن الوقت بدقيقة واحدة . . إنها تعلة ليتخلص منا . . وخرجت من الشاك . . وبحثت فى القاراج عن مفتاح مطابق لمفتاحى الضائع . . وتفطن الى " المعلم " فأطردنى بدعوى السرقة . . الشارع طويل . . وأنا أسير بلا هدف . . حتى الكلام نسيته . . لم أعد أذكر إلا كلمة واحدة : البطالة . . وكلمات أخرى مرادفة لهذا الكلمة . . عطل . . يعطل . . فأنا عاطل ..

- اشت يا حمار . - عفوك يا سيدى . . لم انتبه .

- يبدو أنك أعمى . . إسع فى وضع عوينات على عينيك فى المستقبل حتى لا تدوس أرجل الناس .

- عفوك مرة أخرى ، مجرد عدم انتباه . رحماك ربى . . هذا يوم شؤم . . أليس فى استطاعتى أن أجد مكانا هادئا ؟ آه . . المقهى مثلا . .

يجب أن أرتاح . . فالراحة تساعدنى على التفكير . . المقهى ؟ وأى مقهى ؟ وأنا عاطل عن العمل . . أصحابى سيدعوننى الى لعب الورق . . أنا لا أملك مالا ألعب به . . أنا عاطل . . مفلس ..

أوف . . لا يهم سوف أتجاهل وجودهم . . أأنا ضعيف الارادة الى هذا الحد ؟ لا تغالط نفسك أيها الحمار . . فمهما أشحت بوجهك عنهم فأنت تعشقهم . . تعبدهم . . بل تعبد لعب الورق . . صحيح . . صحيح . . ولكن كانت لى أسباب مبررة . . أما اليوم فقد انتهى كل شئ . . آه لعنة الله عليكم أيها الاحمرة . . أفلستمونى بلعب الورق . . رشاد عاطل . . حمادى عاطل، عبد القادر عاطل . . حيوانات . . جمادات . . إضحك يا عبد القادر الآن . . قهقه ملء شدقيك . . ها انذا الآن مثلك مطرود من العمل . . عاطل .. أضيف نفسى الى القائمة . . قائمة الاحمرة . . قائمة الجمادات . . ألا تفهمون يا أحمرة ؟ عاطل عن العمل . . رجل مفلس مثلكم . . اضحكوا ما شئتم رددوا مثلكم : عريان مع عريان ما يتقابلوا كان فى الحمام " . . طبعا هذا لا يهمكم .. قلوبكم ميتة . . ضمائركم من حجر . . أحمرة . . جمادات . . ماذا حفظتم غير لعب الورق ؟ وسلب أموال الناس ؟ ماذا قدمتم للمجتمع م ماذا جنى منكم المجتمع ؟ رأسى تدور . . شحنة من الغضب ، من الكلام ، سوف أفجرها فى وجوههم الحيوانية . . أشفى بها غليلى . . أحسست بدمى يغلى . . بحثت عن لفافة تبغ . . لعنة عليك أيها الحمار . . لقد التهمت كل اللفافات . . رميت بالعلبة فارغة منذ حين . . كانت أرستقراطية " بال مال " . . سأشترى علبة تبغ . . حلوزى هذه المرة ٠٠آ٠٠ هذا محل لبيع التبغ . . دفعت الباب الزجاجى . . طالعت وجهى فى واجهته . تفو . . قبحت من وجه . . بل قبح حاملك . . غريب . . كأن الوجوه تتغير بتغير الظروف . .

تحسست جيبي .. غبى .. - تفضل ، ماذا تريد يا سيدى ؟ - أرجوك . . قل . . قل حمار . - هه . . ماذا ؟

عفوك نسيت حافظة نقودى بالبيت . الشارع طويل . . الجوع ينخر معدتى كالمنشار . . وأنا اسير بلا هدف . . ها هو المقهى . . غريب . . المقهى خال من وجوه الاحمرة . . كل الاحمرة هل أنا أحلم ؟ فركت عينى بأصابعى كلها . . لا . . هذا غير صحيح . . هل تختفى الجمادات ؟ رشاد عاطل ، حمادى عاطل ، عبد القادر عاطل ، جمادات أخرى عديدة كانت هنا لا تريم . . لا تتحرك كالتماثيل . . تلعب الورق ..

أين اختفت ؟ ابتلعتها الارض ؟ نقلت من أمكنتها ؟ قد يكون . . إلا أن تكون لحياة قد بعثت فيها من جديد . . سخر منى القهواجى . . أرسل اصبع يده اليمنى . . هرش جلدة رأسه :

- لماذا لا تلتحق بهم ؟ - ألتحق بهم ؟ وأين هم حتى ألتحق بهم ؟ - فى كل مكان يمكنك أن تصير مثلهم . . تصنع لك أهداف مثلهم . . هل سمعت ؟ - الاهداف ؟ الاهداف يصنعها القدر . - ويصنعها ، بل صنعها بعد ذلك الذى يملك العقلية الجبارة على تسيير شؤون أمة كاملة ( 1 ) . - لا أصدق . . لا أصدق . . - حاول أن تستعمل عينيك جيدا . . ابحث عنهم .

سأبدأ البحث . . سأدخل كل المقاهى . . يجب أن أرى بعينى حتى أصدق . . أتبعث الحياة فى الجماد ؟ أتفهم الاحمرة ؟ أتدرك مسؤولياتها ؟ آه . . آه هذا المقهى الاول . . دلفت الى المكان . . آه ما هذا ؟ قذفت بجسدى الى الشارع من جديد . . هل تحققت المعجزة ؟ هذا غير صحيح الجاد لا يتحرك . . أنا متأكد أننى مصاب بالحمى . . سأجرب مقهى آخر . . هذا مقهى جديد . . ٠٠ اندفعت الى الداخل ، وكقذيفة خرجت الى الشارع الممتد . . بدأت أجن . أطل داخل المقاهى ثم أخرج لاهثا يتصبب جبينى عرقا . . كيف تختفى وجوه الاحمرة ؟ هل معقول أن تتحرك الجمادات وتترك أماكنها ؟ . إذن تحققت المعجزة ، صنعت العقلية الجبارة للجمادات أهداف . . لماذا أتردد دوما ؟ الكل بدأ يصنع حياته . فلماذا لا أصنع حياتى أنا الآخر ؟ لماذا يردد دوما : الحل

فجأة شعرت بحزن عميق يلعق أحشائى فى صمت مرير . وفراغ هائل

يجتاح أعماقى ويرسب فى دمى . . انه القلق يجتاحنى . . الملل يتسرب الى . . الحياة المقفرة .

جلبة وضوضاء بدأت تمزق سكينة الشارع الطويل . . انها الحركة الدائبة التى لا تفتر . . حياة الناس المتواصلة التى لا تتوقف . . حياة ! وما ألذها من حياة ! لقد كرهت حياتى . . حياتى الراهنة الجامدة . . الكل يصنع حياته . . تدحرجت من عينى عبرة . . أحسست لاول مرة بأنها ساخنة . . أنفاسى تخرج بصعوبة . . أنا آلهث كأننى أموت . . الملل يجتاحنى . . مددت بصرى كرة أخرى أحدق فى الشارع الطويل . . الناس يجرون . . والشمس خلف غمامة خفيفة عابرة تبدو وكأنها تجرى بسرعة . . والدخان كالعادة يفارق مداخن المصانع بسهولة وسرعة فائقة . . معه حق فالعصر عصر سرعة . . شرطى المرور مشغول بتنظيم الحركة . . آه ، لو كنت كالملاك إسرافيل ، وهو شرطى المرور يوم القيامة ، لأمسكت الصفارة ورحت أنفخ فيها فى كل النواحى . . حتى اذا اجتمع الناس من حولى ، قلت لهم : أين العقل بالله عليكم أيها الناس ؟ أين العقل الذى يدير عقولنا ؟ أين هو الذي اذا ما فكرنا فيه نصبح عقلاء ؟ ما هى الحكمة فى أن يفقد الانسان كل شئ مرة واحدة ؟ أين العقل ؟ العقل الكبير الذى يشرق على عقولنا ؟ ولم أتخيل ما الذى سيقوله الناس لو جمعتهم على هذه الطريقة طريقة الملاك إسرافيل . . ولم أتخيل أن الناس لن يقفوا ولن يسألوا عنى ، ففى يوم القيامة يكون الناس قد عرفوا سخافة الذين يتصورون أن مشاكلهم الخاصة يجب أن تشغل كل الناس . وعرفوا حقيقة الحياة والموت .

الموت ؟ ؟ حمار . ثرثار . . ما الذى يجعلنى أتحدث عن الموت الآن وهذا كل شئ حى ؟ يجب أن أنسى هذه الفكرة . . يجب أن أقبرها كما أقبرت أبى . . أنا أحاول دوما أن ألتقط الاشياء وأحتفظ بها . . مرة قالت لى عجوز فى التسعين " أنا لا أرغب فى الموت وقد طابت لى الحياة . . " يجب أن أعرض عن هذه الفكرة . . أن أللغيها . . أن أثبت لكل إنسان ، لكل إله . . ولنفسى قبل كل انسان وكل إله . . يجب أن أستمتع بهذه اللذة الغالية النادرة التى لا تقوم ولا تقدر . . لذة الحياة ! حياتنا أصبحت مشرقة . . أبى - رحمه الله - قال لى ، وأنا طفل بأنه تمنى الموت بدل أن يرى أرض أجداده يتصرف فيها " مسيو جاك " . .

الله يرحمه . . يرحمنا جميعا . . لم يكن يعلم أن الصبح قريب . . ماتت عندنا فكرة الموت . . دخلت الحياة كل دار . . انتحر الظلام فى كل مكان . . سامحك الله يا أبى . . كنت تقول :

" هل معقول أن تطلع الشمس يوما على هذه الديار ؟ هل معقول أن يموت الظلام وعروقه تأصلت أو كادت فى سماء وجو هذه الارض ؟ سامحك الله . . كنت تتحسر وتقول بيأس " الى طحت بيه علة قضاتو " سامحك الله . . الظلمات قد انجابت . . والسحاب قد تفرق . . أشعة الشمس بلغت ديارنا . . وضوء القمر ترقرق فى جونا . . فضاء رحب ، فائض بالنور والنقاء . . الحمد لله . . الحمد لله . . سامحك الله . . " مسيو جاك " خرج من أرض أجدادك خائبا مدحورا . . ليطمئن بالك الآن . . لتهدأ روحك الطاهرة . . أرضك الصغيرة التى لم تفتك والتى قتلت من أجلها بقرة الحاج يوسف لأنها وطأت محصولها الضعيف أصبحت هى وأرض الحاج وأراضى بقية سكان القرية ، قطعة واحدة تخدمها الحكومة . . وماذا لو حدثتك عن " الحاج يوسف " . . لا تضحك أرجوك . . فقد أصبح ذلك شيئا مألوفا . .

أين من ذلك الرجل المهيب الذى كان يركب بغلته فترتعد لرؤيته الفواصل ، من هذا الرجل الوديع الذى أدرك أن التعاضد هو فكرة أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية . . نعم ، لقد أصبح الرجل وديعا . . يدرك ان كل الناس سواء لا فرق بين فلاح يملك هكتارا وآخر يملك مائة إلا بما يقدمه من أعمال جليلة ، مفيدة . . وماذا لو رأيته وهو يقود بنفسه التراكتور ؟ ويرتدى البدلة الافرنجية ؟ التراكتور ؟ معك حق . . اسم غريب . . ولكنه عادى بالنسبة الينا . . انه آلة عجيبة عوضت المحراث والثيران . . من أين لى كل هذا ؟ أوف ، أنت على حق ، نسيت أن أقول لك بأنى تابعت دروس رفع الأمية لبعض الوقت ثم انسحبت .. آه لعنة عليكم أيها الأحمرة . . أيها الجمادات . . أوف ، لا يهم . . أرأيت لقد تبدلت الحياة . . امحى الظلام . .

وانتشر النور . . فى كل الارجاء . . فى كل العقول . . الحمد لله . . الحمد لله . . حتى عجوز التسعين طابت لها الحياة . . أحفادها بين يديها ينطون . . آه لوعشت يا أبى . . لو عشت . . وتساقطت من عينى دموع ، مسحتها بكمى وواصلت سيرى فى الشارع الطويل ..

استوقفتنى طفلة صغيرة . . شعرها فاحم مسترسل على كتفيها الصغيرين فى انتظام ، وجهها مشرق كالحياة المشرقة . . مدت بيدها الصغيرة الى . . طلبت منى أن أعبر بها الطريق هكذا قال لها المعلم . . سألتها عن اسمها ، أجابت بجذل : آمنة بنت بورقيبة . . أعجبنى الجواب . . قلت : كلنا أبناء بورقيبة ، ولكن من أبوك الحقيقى ؟ شعرت بأننى أزداد إعجابا بها لما أجابتنى : أبى الاول وأب الشعب كله هو بورقيبة لأنه أنقذنا من الذل والاستعمار .. قبلتها وواصلت سيرى . . شعرت بالهدوء يعم رأسى ويخمد حركة تفكيرى .. أنا أملك نفسى الآن . . لا أريد أن أظل جامدا . . أريد أن أتحرك . . الناس

يعملون . . يصنعون الحياة . . يصنعون الغد المشرق . . سأركض حتى أرتمى بينهم . . لا أريد أن أبقى عالة على الغير . . جماد والناس من حوله يتحركون .. شعرت فجأة بالتعب يأخذ منى مأخذا عظيما . . افترش أقرب رصيف واستسلمت الى نوم عميق .

الجمعة : أردت اليوم أن أضع حدا لجمودى . ذهبت أبحث عن عمل ، فأنا خلقت " للميكانيك " للنجارة للحدادة وغيرها . كان النجار الذى ذهبت اليه رجلا عظيم الكرش على عينيه عوينات سميكة - لا أتذكر فى اى متحف رأيت مثلها بيد انى أذكر انها من مودال القرن الثامن عشر - نظر إلى النجار ثم خفض من بصره سريعا . . كأنه شعر بانه أدخل الرعب فى قلبى بعينيه الجاحظتين الباديتين من وراء زجاجات عويناته السميكة . . تصنعت الاحترام - وقد قررت من قبل ألا أحترم انسانا - وطلبت منه أن يلحقنى بدكانه . . حدج فى برهة قصيرة .. نقل بصره من بدلتى الزرقاء البالية الى حذائى القديم المتآكلة أقدامه . . وتأسف . . لعنته فى سرى . . وواصلت سيرى . . الشارع طويل . . وأنا أبحث عن هدف . .

فجأة انبعث صوت من جهاز ترانزستور . . رضا الحجام يغنى :

تونس لبست أحسن حلة ...

مرت سيارة فى سرعة البرق كادت تدوسنى . . حمار . . الشوارع للسيارات والأرصفة للمارة . . عاد الحجام يغنى :

ما زلت إنت يا عبد الله

فى حالة ما تليقش بيها . . .

ابتعد حامل الترانزستور . . ساد الصمت الشارع . . اعترضنى دكان نجار آخر ثم حداد . ولكنى مضيت الى الامام ، لا أخصهما بأدنى التفاتة . . العمل مع أولئك الناس لا يكون إلا ببدلة جديدة ، وهيئة منظمة . . وكرهت العمل . . ولعنت البحث . . غدا مركز اهتمامى الحصول على بدلة جديدة ، وحذاء نظيف . . وقفت على بائع ثياب ، قلبت ما أمامه من أكداس ، ولكنى لم أشتر شيئا . . فأنا مفلس . . عاطل عن العمل . . محطة القطار سوق دائمة الحركة . . فكرت فى الحمالة . . وسرت عبر رصيف القطار ، أبحث عن عمل . . نادتنى عجوز . . أشارت على بحمل حقيبة . . فرحت وأيقنت بانفراج الأزمة . . نظرت الى بدلت الزرقاء وحذائى القديم . لاحظت عليها

اشمئزا ، سرت بالحمل قليلا . . واستوقفتنى . . طلبت منى بطاقة الحمالة اعتذرت لعدم وجودها معى . . تعلمت الكذب مذ أضحيت عاطلا عن العمل .

أخذت منى الحقيبة . . ومدت الى عشرين مليما . . رميتها فى وجهها ، وتابعت سيرى . . بصقت العجوز ورائى ، وشيعتنى " بخازوق " . . الشارع طويل . . وأنا أسير بلا هدف . . بدأت أدرك السر فى اشمئزاز الناس منى . . الحياة مشرقة . . والناس ملابسهم ملونة جديدة . . تماما كحياتهم الراهنة الزاهية :

تونس لبست أحسن حلة

ما زلت انت يا عبد الله

فى حالة ما تليقش بيها . . .

غبى " جماد ألا تعرف بأنه يقصدك أيها الحمار . . ملابسى تبعث على الاشمئزاز . . يهرب الناس . . كل الناس من رؤيتها . . وبدأت أدرك الحل . .

السبت : كل من تقع عليه أنظارى فى هذا الصباح كان يرتدى بدلة جديدة . . اننى أحسدهم على ذلك . . أصبح الحصول على بدلة جديدة شغلى الشاغل . . منذ يومين لم أذق طعاما .. ولكننى لم أحس بالجوع بقدر ما أحسست بالحاجة الى لباس لائق . . استوقفت أحد المارة . . نظر الى باستغراب سألته عن ثمن البدلة التى يرتديها . . رفع حاجبيه فى استخفاف ومضى فى طريقه .

مر ثان استوقفته هو الآخر . . أخذت أتحسس قماش البدلة التى كان يلبسها . . ثار على وقاحتى . . وصفعنى . . ثم تابع طريقه هو الآخر يلعن الشرطة التى غفلت عن مثلى من المجانين . . تحسست مكان الصفعة . . ولعنت الناس والبدل . . أ أنا مجنون ؟ قد يكون ، فأنا عاطل عن العمل . . وعاد شوقى للعمل يتجدد . . قررت أن أعمل كل شئ . . واكتشفت لاول مرة انى استطيع أن أعمل أى شئ فليس لاى شئ أى معنى . . أريد أن أعمل .. عشت يومين جمادا والحياة من حولى مستمرة . . أريد أن أصفع - كما صفعت - كل من سولت له نفسه بلمس ثيابى . . ذهبت الى مركز الشرطة . . سألنى عون عن حاجتى ، رفضت الادلاء بها إلا لرئيس المركز . . نظر الى بدلتى الزرقاء ، الى حذائى البالى الذى تركت قدمه الايسر منذ حين فى الطريق .. استخف بمطلبى .. وطلب منى العودة فى المساء . . رفضت ذلك . وتسمرت فى مكانى . فوقتى ثمين . أجل ! يخطئ بعض الناس اذ يقولون بأن وقت العاطل ليس ثمينا . وقت كل واحد من ذهب . . مرت ساعة . . ثم ساعتين

عاد إثرهما العون يحدجنى بنظراته القاسية معيدا على مسمعى ما قاله منذ حين ارجع عند المساء . . سوف لن أذهب . . قررت ذلك عندما أدار العون بظهره ليختفى وراء مكتبه . . مرت أثناء ذلك إمرأة تبكى . . سمعتها وأنا جالس فى مكانى تقسم للعون بأنها كانت دوما لزوجها مخلصة . . وها هو اليوم يتهمها بالخيانة ويطردها ، وكم تمنيت لو كانت لى زوجة مثلها تخلص لى الحب .. ولكنى عاطل لا أستطيع تحقيق أمانى . مر أمامى شخص مكبل بالسلاسل يصحبه عونان . . أدخلوه مكتب رئيس المركز . . سمعت الرئيس يستجوبه ويتهمه بالسرقة وهو ساكت . . تكلم آخر الامر . . لما سؤل عن السبب . . قال انها البطالة . . صرخ الرئيس فى وجهه مستنكرا وهو ينبهه بأن العمل موجود ، والحكومة لاجل ذلك سخرت مكاتب عديدة للشغل . . تناهى الى نشيج بكاء . كان يبكى كالطفل الصغير . . نهضت من مكانى . . وأسرعت بالخروج . . آمنت بالمعجزة ، معجزة تحرك الجمادات . . وعودة الحياة اليها .. مع القهواجى حق . . طوبى للعقلية الجبارة التى أسهمت في إحياء الجمادات .. إن القدر لا يصنع وحده للأمة أهدافا . . الجمادات كانت تملأ المقاهى . . القدر لم يصنع لها أهدافا . . القدر صورة قديمة فى رؤوس الناس . . الناس يعتقدون بأن الصورة هى الوحيدة التى تستطيع أن تصنع لهم أهدافا وما دروا بأن العقلية الجبارة هى الاخرى تصنع الهدف ، لحق بى العون وهو يعلمنى بأن الرئيس فرغ بعض الشئ ويمكن مقابلته . .

ولكنى لم أستمع اليه . . وجعلت وجهتى مكتب التشغيل . . حيث ساظهر على حقيقتى . . حيث سينبت وجه العامل النشيط مكان وجه الحمار الركيك .

اشترك في نشرتنا البريدية