يحسن بنا أن ننطلق (*) من تحديد لغوى للفظتى موضوعنا وأن نزيد عليهما نعوتا نراها صالحة لضبط سبل البحث فيصبح الموضوع على الصيغة التالية: ((مشاغل الشاب التونسى الاسلامي العربى البحر الوسطى الافريقى سنة 1968)).
لاحظ أولا عدم وجود لفظة ((مشاغل)) فى الجمع فى اللغة العربية القديمة والحديثة مع أنها تؤدى أحسن أداء مدلول (Preoccupations) إننا نجد فقط ((المشغلة)) الاشغولة : وهو ما يشغل: كذلك نجد الشغل والشغل والشغل (ج أشغال وشغول): ((وهو العارض الذي يذهل الانسان ونحوه فيقال: ((وهو فى شغل شاغل)). وأخيرا نجد لهذا المعنى شاغلة (ج شواغل).
أما مادة: ش. ب. ب. فقد جمعت معاني عديدة: الجمال، الذكاء، الشهامة، النشاط، الارتفاع، التغزل، ايقاد النار او الحرب تم المعنى الاصلى: الفتاء والحداثة.
هكذا إذا كان للشباب - وهو ما بين الثلاثين والاربعين عند العرب القدام - هذه الصفات سعى الى الرفعة وحقق ما فى باطنه من نار موقدة وحقق قيما معينة فرضتها بيئته.
أما اليوم شبابنا ((ذاك أو تلك الذى أدرك سن البلوغ ولم يبلغ سن ((المروءة)) - وان كان على هذه الصفات المذكورة هو على صفات أخرى يريد بها أن يحقق ((رجولته)) أو ((أنوثته)) قبل الاوان، ثم هو أو هى يعيش فى مجتمع إسلامى له قيمه وتقاليده، عربى له لغة كتابة: الفصحى ولغة حديث: العامية، فى مجتمع اتخذ اللسان الفرنسى أداة عمل وآمن بدوره الحضارى فى كنف البحر الابيض المتوسط وفى إفريقيا.
(*) هذه كلمة الاستاذ أحمد العايد فى مداولات لجنة الدراسات الاشتراكية حول مشاغل الشباب.
إذن إذا حصرنا الموضوع هكذا تراءت لنا مشاغل هذا الشباب شيئا فشيئا وهو ما يشغل بال التونسى او التونسية الذى يعيش فى هذا المجتمع عينه المثقف ثقافة معينة - درس أو لم يدرس - وهو أمام الحياة والموت.
- هل ما زال عربيا ((ذاك الذي يدافع عن استقلاله وعاداته وتقاليده حتى الموت رافضا كل تجديد))؟ هل ما زال على الاسلام الضيق: ((ذاك الذى وقف ضد كل التحاق بركب الحضارة التقنية العلمية الحديثة))؟ أم هل خلق إطار ثقافيا جديدا ( ((والسلوك فى شتى مظاهره ثقافة)) قال احد علماء طبائع الانسان) عربى اللسان أو مزدوجه ؟
هل اقتحم الحضارتين العربية والفرنسية أم العربية فقط أم الفرنسية فقط أم العربية والفرنسية وغيرها؟ هل حقق شخصيته فى واحدة منهما أم فيهما جميعا أم فيهما وفى غيرهما؟
هل شغل باله وهو فى هذا المجتمع المعين سنة 1968 بالحياة والموت؟
نلاحظ أولا أن الشباب التونسى - أسعده الحظ تعلم أو لم يتعلم - غزته الحضارة الغريبة. فرغب في حاجياتها من راديو وترانزيستور وسينما وتلفزة وموسيقى ولباس وتغذية ... لكن هذه الحاجيات تختلف باختلاف مستوى العيش فالشباب العامل - أو العاطل - فى الحقل أو فى المصنع أو فى غيره، فى الارض أو فى البحر يكد وراء القوت قبل الاوان ولعله لا ينشغل إلا بحقه فى الحياة تشغيلا وزادا، ينشط ليعيش وينمى كيسه وكيس الغير عائلته.
أما الشاب المتعلم من ذوى اليسر أو العسر فحظه من الواقع محدود وهو ما زال فى دراسته الثانوية أو العالية. إذن ما هى هذه المشاغل التى يعيشها هذان الصنفان؟
من الصعب أن نأتى عليها كلها إذ لا بد من دراسات علماء الاجتماع وعلماء النفس لها، إذ لا بد من إفصاح الشبان عنها عن سبيل الحوار الطليق أو عن طريق دراسة آثارهم من شعر ونثر ورسم ونحت وتمثيل وغناء ورقص ... وغيرها، لكن يبدو أن من المشاغل الاساسية تحقيق الحياة فكر الشاب فى مظاهرها أو لم يفكر. فمتى تبتدئ إذن هذه المشاغل؟
تبتدئ عندما يشرع الشاب العامل فى الصراع مع القوت، مع الوجود وصراع الوجود هو صراع الضغط والبحث عن العمل والبقاء فيه، هو تحقيق مثال معين فى المجتمع، هو صراع المرض والموت.
وتبتدىء مشاغل المتعلم بالمدرسة خاصة فى السنة الاخيرة من التعليم الثانوى فى قسم تدريس الفلسفة لأن علاقة الاستاذ بالتلميذ تصبح علاقة الحوار والاقتراب من الحقيقة فتكون مغامرة الذهن فيكون الشك فى الحقيقة ذاتها فيكون اكتشاف المشاكل الجوهرية: الانسان، العالم، الاله. وقد تبتدئ هذه المغامرة قبل تلك السنة بفضل تحريك أساتذة آخرين للسواكن وبفضل تأثير بعض الكتب والمقالات أو بفضل غزو الراديو والتلفزة والسينما فتتحرر العواطف وتتحرر العقول وتحاول أن تسمو ضمن إطار ثقافى معين، ضمن مجتمع معين أو تحاول أن تهدم ذلك الاطار ونفس بعض الشباب أمارة بالسوء كما قيل فما معنى ذلك؟
إن الشباب يجدون أنفسهم راغبين فى تحقيق سعادتهم الحينية فيصطدمون
1) بالأب أو الأم وهما اللذان يمثلان: ((عليك أن تفعل هذا لا هذا)) وبدون ان نذكر عقدة أوديب ونزعة المراهق الى الفتك بالأب أو الأم نلاحظ أن علاقة البنين بالآباء قد تحررت بعض التحرر ولئن كانت هذه العلاقه تتسم عند الاجيال السابقة بالخوف والانطواء عن الذات والزيف أحيانا عملا بمبدإ الطاعة فنراها اليوم صريحة عنيفة ساخرة وكثيرا ما نسمع بعض الشبان ينعتون آباءهم أو أمهاتهم - ((الفدة)) ((الوزه)) واللفظة الاولى تعبر عن ضغط مكبوت، اما الثانية فهى من ألفاظ البلادة وتوضح أحسن توضيح حكم الجيل الحالى على الجيل السابق وتبرز تطاحن الاجيال، ولا ننسى تأثير ما يقرأ وما يشاهد وما يستمع اليه من أغان كهذه الأغنية الامريكية: ((ماذا أصابنى حقا)) (1).
((لماذا أرفض الحقيقة لماذا لا أحيا حياتى كما يتوقع منى أن أفعل تحصيل شهادة اشتراء جهاز تلفزة بالالوان وفى الواقع ماذا أصابنى لماذا ضرورى أن أقول آمين لمن احتقرهم لماذا لا أصرح فى وجوههم: إني أمقتكم آه - مركب نقص - صراع مكبوت هذا ما أنا عليه)).
What exacthys the Maher Wih Me: (1) (1965) par P. F. sloan et STEVE BARRl
2) يصطدم بوقار لا سيما إن كان هذا مؤدبا شرطيا لا شيخا صاحبا واصطدامه ((بمؤديه)) نزال مع ادارة المعهد أحيانا.
3) وكما أن الأب والأم والمعلم يهيئون الشاب الى المجتمع الى أن يصبح فاعلا ومفعولا به فى شغل ما، وكما أن الشغل وظيفة اجتماعية تتنافى ومبدأ الحرية ومبدأ اللذة دون عمل بل تفرض حدا للحريات وهيمنة معينة فالاصطدام بالمجتمع أمر طبعى فى النفس كما أن الاصطدام بالآباء مرحلة تاريخية فى نشأة الانسان، وقد يتخذ هذا الاصطدام صيغة أخرى نظرا الى أن المجتمع اليوم يحدد الانسان بـ ((الذى يسعى دائما أن يتجاوز ما كان عليه)) ويعرفه حسب انتاجيته، وكما أن الانتاجية فى صراع دائم مع السعادة الحينية، مع فقدان الحرية، مع الكسل، مع الاستهلاك، فالاصطدام مع الجماعة متوقع.
فهكذا نجد فى مجتمعنا الشاب من بين الشباب ثائرين أعلنوا ثورتهم أو كبتوها وشغلهم الشاغل تحقيق الشخصية وكسب الحياة فى شتى المظاهر كسبا قد يفسد بمعنى ((الرباط المقدس)) الذى ما انفك يذكره فخامة رئيس الجمهورية، قد يفسد بمعنى ((العقد الاجتماعى)) (حسب اصطلاح جان جاك روسو) (J. J. Rousseau) ويقترب مما دعا اليه بعض فلاسفة الغرب المعاصرين كسارتر (SARTER) الذى يصرح بأن كل عمل جماعى استعباد لأن الضمير حر مطلقا غير مشغول مطلقا.
- وهكذا نجد صنفا آخر من شبابنا صنف من رغب عن كل حيرة ورغب فى شهوات البطن بأنواعها أكلا وتغزلا وتخنثا ورقصا، وفى الامسيات الراقصة مفاجآت! الحرية الجنسية عند هؤلاء هى الشغل الشاغل لتحقيق الحرية المطلقة، حيرة الوجود عند هؤلاء هى تلك الى حد أنهم لا يعلمون عن وطنهم شيئا (حتى النشيد الوطني فهم يجهلونه). وعبثا حاول من ناظرها فى هذه الحرية وحواسهم فى مغامرة استيراد السلوك الغربى المثالى تحت غزو الاغنية الغربية والموضا الغربية قرؤوا عنها أو شاهدوها أو نزحوا الى الغرب فعاشوها.
لكن إزاء هذا الصنف من ((المتحررين)) نجد من رفض كل تحرر فرضى عن كل ما يقدم اليه غذاء لبطنه أو لمشاعره أو لعقله أو لأخلاقه فكان مستهلكا لكل غذاء بدون نقد.
وبين هؤلاء الانفراديين ((وأولئك المتجمعين)) تجمع اللذة طائفة من رضى أن يندمج فى المجتمع التونسى الحالى، رضى ألا يصطدم معه اصطدام النزال
بل سعى جهده أن يحقق ذاته متسائلا مشغول البال قلقا قلق الوجود احيانا ضمن منظمات معينة (منظمات الشباب، الجيش، الشعب، الاتحادات بأنواعها).
من هذه المشاغل نذكر ما جمعناه من أفمام الشباب فتيانا كانوا أو فتيات أو ما خطر لنا:
ما موقفى من هذه القيم الاساسية الثلاث: الخير والحقيقة والجمال؟ ما موقف الغير منها - والغير هم أفراد العائلة، هم من أتعامل معهم فى مجتمعي هم ساسة البلاد فى جميع المستويات؟
ما موقفى من سياسة نفسى وسياسة عائلتى وسياسة دولتى الداخلية والخارجية؟ هل لى رأى فى مذهب قادتى وفى اختياراتهم الكبرى السياسية والاقتصادية والاخلاقية والتربوية؟
ما موقف مجتمعنا من العرب واللغة العربية؟ ما موقفه من الفرانكفونية ولغة العمل هى الفرنسية؟
ما حظ التونسى من كسب العالم واللغة العربية دون اللغات الغربية الكبرى استعمالا رغم غناها المخيف 94,000 لفظة بلسان العرب لابن منظور و 45,000 لفظة بمعجم هانس فيهر(1) ألا يحسن أن ننظر فيها نظرة علمية شاملة فتوحد ألفاظها العلمية وتيسر قواعدها فتستعمل فى جميع الميادين. ويحسن أن نذكر القارىء أن توصيات مؤتمر الجزائر فى توحيد المصطلحات العلمية (12-13-14 فيفري 1964) بقيت حبرا على ورق (2).
هل حكم على التونسى أن يكون قصير النفس ألا يكسب كل الكسب لا العربية ولا الفرنسية فيتحدث إلى رفقائه ومن فى مجتمعه بالعامية إن كان الموضوع عاديا يوميا بسيطا وبالفرنسية اذا شاء أن يعبر عن شعور ما أو رأى ما، وفى أغلب الأحايين بعامية تتخللها من جهة ألفاظ بذيئة وشتم للدين والجلالة. ومن جهة أخرى ألفاظ فرنسية كثيرة؟. هل له أن يجزم بأن العربية مقصرة وأن ثقافتها دون الثقافة الغربية فيتنكر لها ويتنكر أيضا لفتياتها فيتزوج بالغربية - فرنسية كانت أو ألمانية أو بلجيكية أو هولاندية أو إيطالية
أو سويسية أو أمريكية أو سويدية أو نورفيجية أو دانماركية او روسية. هل للفتاة أن تفكر تفكير هذا الفتى فتتنكر هى أيضا للغتها وحضارتها ومجتمعها فتتزوج بالغربى؟ (1).
هل يشعر وهو فى بلاده بأنه غريب لانه لا يتكلم إلا بالعربية العامية ولا يكتب إلا بالفصيحة، محكوم عليه أن يبقى داخل حدود هذا الوطن أم هل سيضطر الى هجرة لا عودة بها لأن أبويه شاءا أن يدرساه الفرنسية؟
ثم هل له أو عليه أن يتجاوز جنسيته ويسعى أن يندمج فى مجتمع أوسع مغربى بحكم الجوار والدم واللغة والدين، عربى بحكم الدم واللغة والدين، بحر وسطى بحكم تقارب الثقافات، إفريقى بحكم الجوار وعوامل أخرى؟ هل عليه أن يحيى ((عصبية)) الساميين البرابرة فيدعو الى اخوة عمادها الدم؟ هل يرضى عن ذوبان لشخصيته الاساسية فى مجموعة أخرى أقوى.
هل يظن أنه سيحقق مثالا أعلى بالحرب أو بالسلم - وفى نفسه نار موقدة - فيؤثر فى شباب بلاده، فى الشباب الغربى، فى الشباب العرب،ى فى الشباب البحر وسطى، فى الشباب الافريقي، فى شباب العالم ولم لا؟
هل يعتقد أن له رسالة تمثل فترة فى تاريخ الانسانية على غرار رسائل عمالقة الدين والسياسة والفكر؟ هل تهديمه لصرح ما هو بناء لصرح آخر قيمه قيم الخير والحقيقة والعدالة والجمال، أو قيمه قيم أخرى جهد فى إبرازها فثار لها ففرضها على الغير متحديا سلوك الجيل الماضى؟
إذن هل حقق شخصيته أم سيحققها وكيف؟ هل سيتبع مثالا شرقيا أو غريبا، تونسا أو عربيا إلخ، هل سيتبع سلوكا لذى ذهن معين أو مهنة معينة أم سيبتكر سلوكا آخر يصبح لغيره مثالا؟ هذه الحيرة هى شاغل الشاب فيما أرى كان عاملا أميا أو مثقفا، منتجا أو مستهلكا، فى يسر العيش أو فى عسره لان الشاب التونسى يفكر فى القوت والتشغيل ويفكر أيضا فى معطياتهما، فى المثال الذي يحتذى، بفضل توعية رئيس الجمهورية والمسؤولين في الدولة والحزب. ولاجتماعات الشعب ولدور الشعب أثر عظيم فى تكوين شباب واع بصدد التحرر من الجمود الذهنى والركود الحسى والاغفاء الاخلاقي العقائدى وهو بين حالتى الرجاء والخوف: يرجو خيرا من هذه الامثلة العليا التى استنبطتها الدولة ونفذتها فيتحمس لها ويعمل على تحقيقها ضد ذوى التقاليد (أبويه وبعض من يتعامل معهم)، ويخاف أنها سوف لا تحقق إلا أنموذجا لا مثالا أعلى.
ومن عاش سالكا سبيل المثال الاعلى أو سالكا سبيل أنموذج من النماذج قاصرا حياته على المادة - مبتكرا أو مقلدا - غير منشغل بما سواها قليل لأن من كبريات المشاغل بعد الحياة الموت لأن الموت ضمن نزعه البقاء لأن الموت يكيف الانسان فى دنياه وفى آخرته أو فى دنياه فقط واذا ما ((كان الموت)) كان التأمل فى قيم أخرى وقد قال أحد علماء النفس: ((يبدو أن غريزة الموت قد تداخل الضمي ، أعز وكيل أخلاقى لدى الفرد المتحضر)).
وهنا أيضا يجدر بنا أن نقسم شبابنا الى متعلم وغير متعلم فالثانى يفكر فى الموت، مسلم إسلام التقليد، يتفق والشباب المتعلم أنه يذكر الشهادة من حين لآخر وأنه يصوم غالبا أما الاركان الثلاثة الاخرى (الصلاة والزكاة والحج) فلا تتماشى والانتاجية فهو إذن فى حل منها. أما الشباب المتعلم فهو على ثلاث طائفات فى أغلب الحالات (1):
1) طائفة تنكرت لقيم الاسلام ولمحتواه لجهل مؤلم أو لعامل الشك المنهجى ولم ترغب فى البحث عن اليقين جاهرة بأن الاسلام رجعى لا يساير الحضارة المادية، فهؤلاء الدهريون لا يقبلون أى حوار وشغلهم الشاغل تحقيق الانسان فى المادة دون سواها والموت انعدام المادة.
2) ثم نذكر فئة من آمن إيمان التقليد متوكلا على الله وعلى الغير راغبا عن فهم أى إصلاح وشغلهم الشاغل كبت التساؤلات وخنق الحيرة والموت لا بد منه.
3) وطائفة ثالثة أهملت ما فى الاسلام من عبادات ومن معاملات وحاولت ان تبصر بحوهر الاصلاح الحالى وأن تتبع مراحل اجتهاد الرئيس بورقيبه فى النظريات وفي التطبيق: تحرير المرأة، الزواج والطلاق، الاسلام والاقتصاد .. الخ. إن هذه الطائفة مسلمة قلقة قلقا وجوديا خطير الاثر، تتساءل عن شتى المسائل وترغب فى الايمان على أسس إصلاحية عقلية نقلية - فتعليم الدين تعليما آخر من أهم المسائل الفلسفية (الانسان، العالم، الدين)، من مشاغل الشباب الوجودية اليوم ولئن كبتها بعنف وأبى إلا إخفاءها فهو يترقب من المسلمين ومن التونسيين مفكرين مجتهدين - وباب الاجتهاد مفتوح - الى هداية الضال وإنارة السبيل وهو فى شعاب تناقضات الزمان: تطور تقنى علمى وحضارة وتقاتل بين أجناس البشر اختلفت أو
ائتلفت ألوانهم أو عقائدهم أو مذاهبهم أو ثقافاتهم؛ سمو فى الذهن وانحطاط فى الاخلاق؛ تجاهل لمشاكل الارض من جوع وعراء وموت وغزو للفضاء ولكواكب أخرى .. الخ. إذن نزال بين المادة والروح يبدو الآن أن للمادة النصر المبين، إذن نزال بين غرائز الخير وغرائز الشر والانسان بينها حائر خائف من الموت ذهول. فهلا يحسن والحالة تلك أن يلتحق مصلحو الاسلام فى عهد الذرة والصاروخ بمن يسعى لايجاد أخلاق مثلى تكون أساسا سلوك الانسان فى قارته؟
هلا ينبغى أن يحل الخوف الديني محل الخوف من الدنيا، من الانسان، من التاريخ المادى؟
مشاغل تقلق (1) فتؤرق وتفسد صفو الحياة وجفاء الموت لكن لنحاول جهدنا فى مجتمعنا أن نشغل أنفسنا بما فيه الخير ولنتساءل هلا نستطيع أن نعين أنفسنا على إيجاد انسجامها؟، هلا نستطيع أن نبحث عن حلول لمشاغلنا - ونحن فى مفترق حضارتين نتعامل بثلاث لغات: العامية والفصيحة والفرنسية -؟ بلى نستطيع اذا تأملنا مشاغلنا (2) حسب قيم شرقية خمس انهارت فى الغرب وكم يحسن أن نذكره بها لايجاد انسجامه هو الآخر:
1) إن اندماج الفرد فى المجتمع أمر لا شك فيه، ما زال للعائلة كبرت أو صغرت حقوق علينا وواجبات (لا نجد فى تونس اليوم ما سمعته فى باريس عن شاب عامل يتعشى وبمقربة منه أبوه الشيخ يتلوى جوعا صامتا وعندما توسل الأب قوته صرخ الابن: إما أن تأتى بثمن عشائك وإلا مت؛ كذلك نجد سلوك تلك الآنسة السويدية التى استمرت فى استهتارها ليلة ساهرة دون أن تتأثر لنبا احتضار أمها).
ما زال للجماعة حق علينا ومفهوم الجماعة صدى لمفهوم ((الأمة)) الاسلامية فى القرون الوسطى. وإذا ما دعا رئيس الجمهورية الى الوحدة القومية ووجد لدعوته أذنا صاغية فلأن للاجماع الاسلامى اثرا فى النفوس.
2) إن الشعور بالفردية حى عندنا محتضر فى الغرب لأن الغربى يعيش تحت عامل الكم: يعيش دائما لعمل ما، بعمل ما، فاذا ما كف عن عمله أو أحيل على المعاش توقفت معادلته الحياتية فأخذته الحيرة فمات. أما نحن فالفرد يتصف بكرامته، بمروءته وإن اندمج فى الجماعة وفى الحاضر.
3) كذلك ان شعورنا بالماضى العربى الاسلامى شعور وجودى: نشعر به حتى فى أشد الساعات الحينية امتلاء فنكيف عليه حاضرنا دون سعى الى القطيعة ولو تفتحنا على ثقافات أخرى (1).
4) ان زمان الغرب غير زمننا بالشرق: قطع زمانهم الى ساعات ودقائق وثوان وعاشوا السرعة فدوختهم، أما زماننا فديمومة، فاتصال متين فى صبر جميل بما حولنا، فشغل دون حساب.
5) مازلنا نشعر بالمطلق ذاك الذى أهمله - أو يكاد - الغرب، مازلنا اذا وعدنا اوفينا، مازلنا نلتزم ((بالكلمة))، حققت آجلا أو عاجلا.
هذه القيم هى سر حضارتنا، هى سر نجاح سياسة الاقناع والتجديد فى جميع الميادين. والآن ينبغي أن نبسط ذلك السؤال الخطير: كيف يصبح الشاب مواطنا تونسا فاضلا ومشاغله بعض ما ذكرنا؟
هذا لا يكون إلا بالحوار مع النفس ومع الغير فى الحين عينه، مع الماضى والحاضر، هذا لا يكون إلا باجماع القلوب، بالتعبئة والفناء فى الغير لفائدة الأنا والغير معا و ((تسلق الجبل)) عند الاستاذ احمد بن صالح رمز للحركة الدائمة المفيدة، هذا لا يكون إلا بالشعور بأننا فى صراع لا مع العيش فقط بل فى صراع حضارى سيقف عنده التاريخ غدا وقفات طويله ليدرس مدى مشاركة هذا الشباب فى بناء صرح مجتمع سليم ضمن حضارة مثلى.
ونردف ذلك السؤال بآخر: هل يستطيع الشاب أن يعيش بدون الكهل، بدون عناصر المجتمع الموحدة؟ هل يستطيع أن يغير الاوضاع كلها الماديه منها والروحية منفجرا صاخبا أو مسالما منسجما؟ هل يستطيع أن يحقق رغبات البطن والذهن والضمير والروح، هل يستطيع أن يعيش الحياة والموت دون اجتياح الى الغير؟ لا نظن، إن الشباب يهيئ المشاكل والكهل يشتغل بها يدا فى يد مع الشاب الذى قبل التوعية وأبصر الصلاح. إذن هكذا تعدل المشاكل فيبنى المجتمع ولئن كان كل مجتمع نسبيا فى قيمه، نسبيا فى حضارته فنحن إذا شغلتنا الحيرة واشتغلنا بكل جد فى تحقيق القيم المثلى بنينا مجتمعا عادلا متطورا، بنينا جمهورية حرة مستقلة مزدهرة وحرصنا على حياتها وحياتها شغلنا الشاغل.

