لكل جيل من الاجيال وفى كل مرحلة من مراحل التطور البشرى مشاكل وصعوبات يجب أن تدرس بكامل الاهتمام اذ لا يلزم ان تؤخذ الامور على هين فلا بد أن نتناولها بالبحث الدقيق وأن نغوص بالمشكل الى الاعماق ففى ذلك وحده تكمن الحلول التى يصاحبها بعض التوفيق الذى يحظى ببعض الرضا .
اننا فى تعليمنا تعترضنا مشاكل وهي من نوع خاص وليس وجودها من قبيل الصدفة أو انها حدثت بالعرض وانما هى من صميم حياتنا الثقافية ووجودها أمر طبيعى لانه مرحلة من مراحل تطور التعليم ببلادنا . فان نحن غفلنا عنها ولم نثرها ثم لم نضعها موضع النقد كنا مقصرين ومهملين لشأن التعليم ببلادنا وحاشا الذين يؤمنون بمستقبل هذه البلاد ويعتقدون فى فعالية الانسان أن يركنوا فيخدعوا أنفسهم بما يحاولون من ايجاد تبريرات لا تستقيم ابدا فيهربون من مواجهة المسائل التى يجب ان يواجهوها بقوة لا شك - وهذا واضح جدا - اننا نهرب ونحاول أن نخلع عن أنفسنا المسؤوليات . واذا نحن تساءلنا عن سبب الهروب هذا أو عن معنى الهروب فلا نرى تفسيرا له الا ذلك الخوف . وهنا يجب أن نسأل أنفسنا أيضا لماذا نهرب . ومم نخاف . أنخاف من المشاكل ؟ وهل هى من الكثرة بحيث تزعجنا ؟ أم ان مجرد طرقها يحرجنا ويحدث لنا مزالق لا نقدر على السير فيها. ان الخوف ليس دائما خوفا مما ذكرنا . فان مصدره قد يكون استعدادا نشأنا عليه . فان كان هذا فاننا نشعر بازائه بالاسى حيث لا نكون الا أشخاصا مترددين حيث يصبح التردد خلقا وجبلة فينا .
الواقع اننا نتردد كثيرا فى مسائل تتعلق بالتعليم وتمس رجاله . وان الذى يقلقنا أكثر من غيره في مشاكل التعليم هو التردد نفسه واننا نشفق على أنفسنا منه لكن اشفاقنا على التعليم لا يقارنه اشفاق ذلك ان أمر الذات لا يهم الا الذات أما أمر التعليم فنحن رجال التعليم خاصة من نحمل عبئه ومسؤولية التطور به في مراحلة الطبيعية التى يلزم أن يقطعها بالنسبة للجيل الحاضر ولما سيأتي من الاجيال . ومن أجل ذلك فهو يشغل بالنا كثيرا .
ان تعليمنا اليوم له ظروفه الخاصة ، فمنذ الاستقلال وهو يمر بأزمه لم تصل بعد إلى الحل . كلنا يعرف هذا ويشعر شعورا كاملا به ويدرك ان التعليم لا يمكن أن يبقى كما كان في الماضى . لكن يسيطر علينا القلق فى مستقبل التعليم حيث لا نرى بوضوح ماذا يمكن أن يكون فى المستقبل . اننا لا نستطيع أن ننكر ما حدث من تغييرات هامة جدا من اجل اصلاح
التعليم ، لكن الذى يبدو ان نظام التعليم ما زال تائها يبحث عن نفسه لم يكتشف بعد القاعدة التى يجب أن ينطلق منها والتى يلزم أن يكون الاساس لعملنا الذى نريد أن نشيده فى ميدان التعليم . واذن فما هى هذه القاعدة ؟ وما هو هذا الاساس الذى نريد ان يكون نقطة انطلاقنا وفهمنا لمشاكلنا ؟ ان ذلك يصبح واضحا جدا بنوع بسيط من التحليل . فالتعليم صورته مثل أعلى يسعى الى تحقيقه ومادته هى هذه الاجيال من التلاميذ ورجال التعليم الذين يعملون على تجسيد المثل الاعلى . وهذا يعنى ان المسألة كلها تدور حول المثل الاعلى أى حول الهدف من تعليمنا واتجاهه . وبكل صراحة اذا نظرنا إلى تعليمنا وأردنا أن نبحث عما يبحث عنه من المثل نلاحظ ان كل تعبير يخوننا من أجل ما يتصف به من غموض ان لم نقف عن التناقض فيه . اننا ننظر فى البرامج المقررة ونحاول ان نفهمها . كما نحاول ان نفسرها بحسب ما يتلاءم ووضعيتنا ثم آخر الامر نحاول أيضا أن نغتصب من أنفسنا تبريرا لها لكن مع كل ذلك لا نشعر بالارتياح والاطمئنان نحوه ولسنا فى حاجة الى التعرض الى جزء منه لتوضيح ذلك أو لنبين ماذا كانت نتائجه .
حقيقة ان هذا البرنامج هو برنامج اصلاحى أتى ليحل محل النظام التعليمى السابق الذى بعضه يحقق الهدف والمثل الاعلى للاستعمار وبعضه الآخر جمد عند الاهداف القديمة لعصور خلت لا تتناسب مع ما نرجو أن يكون عليه من تقدم .
لكن الملاحظ ان هذا البرنامج كان يستند فقط الى النظريات لا الى التجارب الحية المنتزعة من خبرات رجال التعليم ، ثم بالتالي إلى سلطة القرارات . لذا لم تكن له الفعالية المطلوبة . والذي لا شك فيه الآن ان المعلمين يتساءلون وبقلق باد عن المجهودات التى يبذلونها كما يتساءل الاستاذون بنفس الالم عن المجهودات نفسها أى أنهم يتساءلون عن مصير الثقافة فى هذه البلاد .
الواقع ان المسألة لا يمكن أن تحل بالاستناد الى النظريات ولا الى سلطة القرارات فكيفما كان الامر فهذه لا يمكن أن تكون لها الكلمة الاخيرة ولا يمكن أن تحتل حيزا فى الخارج الا اذا عززها من كلفوا بتطبيقها بتأييدهم . فاذا كان من يبعث فيها الحياة لا يقبلها الا على مضض فانها لا تكون ذات فعالية ونتائجها تكون حتما هزيلة . ان هذا يعنى بكل بساطة ان القرارات أو البث الادارى لا قيمة له اذا كان الاقناع غير متوفر وان اصلاح التعليم لا يلزم أن يأخذ صورة قرار بل يجب أن يكون شيئا نرغب فيه . وهذا لا يمكن أن يكون الا اذا كان من عمل رجال التعليم الذين يدعون الى تنظيمه وبهذا فقط تتوفر له كل الاسباب الطبيعية التى تمكنه من الظهور بكيفية تبعث على الثقة فى مصير الثقافة وفى المستقبل الذى نريده .

