الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

من مشاكل الجامعة في عالمنا الاسلامي

Share

ان معظم الشعوب التى يتكون منها عالمنا الاسلامى بدأت تحقق استقلالها ( * ) السياسى منذ الحرب العالمية الثانية أى منذ نحو من ثلث قرن .

وأول ما خطر ببال المسؤولين الواعين من ابناء هذه الشعوب بعد أن استقلت سياسيا تحقيق نهضة هذه الشعوب والقضاء على التخلف .

وأهم وسيلة لذلك تأسيس المعاهد العلمية والفنية العليا والجامعات وتطوير الجامعات التى خلفها الاستعمار . فالمطلوب من الجامعات أن تعد الرجال والنساء الذين يقومون برفع مستوى الشعب وتجديد أو تصحيح أساليب حياته الروحية والخلقية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والفنية . ولا نشك فى أن العديد من الجامعات فى عالمنا الاسلامى أدت وما تزال تؤدى خدمات جلى فى هذا المضمار .

وإن ما نرمى اليه فى هذه الكلمة هو الدعوة الى التكامل والنجاعة على أسس الشمول والتوحيد والانسجام والتطور الى الاحسن من جهة ومجابهة ما يعترض جامعاتنا الاسلامية من عقبات ومشاكل فى سبيل تحقيق اهدافها من جهة أخرى . وكل ذلك يتطلب نوعية المسؤولين والمفكرين من ابناء الامة واقناعهم بضرورة الاصلاح والتجديد فى بناء الجامعة الاسلامية .

هذا وإن جل ما سأبديه من آراء وملاحظات هو ثمرة خبرة شخصية تزيد على الخمسين سنة فى حقل التربية والتعليم والاطلاع على العديد من الجامعات قديمها وحديثها فى كل من آسية وأروبا وأميركا .

إن معظم المشاكل التى تجابهها جامعاتنا فى العالم الاسلامى ناجمة فى نظرنا من أحد العوامل التالية :

( 1 ) نسيان أو اهمال تراثنا الثقافى والتربوى الحى بما فى ذلك ديننا و آدابنا ولغتنا القومية وتقاليدنا الاسلامية الصالحة فى طلب العلم وتكريم العلماء .

( 2 ) اقتباسنا النظم الجامعية للبلاد التى كانت تسيطر علينا اقتباسا شكليا  من دون مراعاة كافية لظروفنا واحتياجاتنا الاقتصادية والاجتماعية ومن دون ادراك ان بعض هذه النظم قد اصبح مرفوضا حتى فى البلاد التى جاءتنا منها .

( 3 )  تيارات سياسية وعقائدية أخذت تغزونا كما تغزو العالم فى كل مكان .

( 4 ) ضعف الامكانات المادية والتربوية التى يحتاج اليها البناء الجامعى الصحيح . أو وفرة فى الثروة قد تفسد حياة الطالب الجامعية وتلهيه عن طلب العلم .

( 5 ) الاستعجال فى التوسع والتضحية بالكيفية من أجل الكمية . والاكتفاء بالظواهر وبالالقاب على حساب المستوى العلمى والسمو والابداع .

وقد ينتج عن ذلك ان الجامعة الاسلامية التى يراد منها ان تصبح القوة البناءة الدافعة فى حياة الامة قد تخرج أفرادا يحملون معاول الهدم والتخريب للذاتية الاسلامية وللكرامة الانسانية وما تتطلبه من حرية وعدالة وحق فى الحياة والامن والطمأنينة .

ولما كان الامر على جانب عظيم من الخطورة أصبح من الضرورى أن نضع اصبعنا على مواطن الداء فى بنائنا الجامعى ثم نبحث عن وسائل الشفاء . وها نحن فيما يلى نستعرض أهم ما يخطر لنا من تشخيص للمشاكل التى قد تجابه العديد من الجامعات فى عالمنا الاسلامى :

مشكلة الاتفاق على الهدف :

ربما كان أعظم مشكل يجابهنا فى درس شؤون الجامعة فى العالم الاسلامى هو مشكل الاتفاق على الهدف الذى نريد من الجامعة ان تحققه . فمعظم جامعاتنا قامت كما أشرنا توا على انماط مستوردة . فكل واحدة منها تمثل جهازا ضخما أى فابريقة بشرية . والمهم ان نتسائل ماذا ينتج هذا الجهاز ولاى الاغراض ؟ هناك من يريد من الجامعة ان تخرج اطارات كفأة لجهاز الدولة وللجهاز الاقتصادى وهو هدف مشروع . ولكن استيعاب جهاز الدولة وكذلك الجهاز الاقتصادى يتطلبان عددا محدودا من الافرد وبمرور الزمن قد تصبح الجامعة جهازا لتخريج العاطلين فيما اذا اقتصرت على هذا الهدف . وهناك من يدعو الى ان تعمل الجامعة على رفع المستوى الثقافى للشعب وذلك بتوفير تعليم فى مستوى جامعى لكل من له الاهلية والقابلية يضاف الى ذلك اثراء المعارف الانسانية عن طريق البحث والاكتشاف  .  وهذا هدف جليل أيضا . وهناك من يرى ان مهمة الجامعة هى المستوى الاقتصادى للفرد وذلك بنيله شهادة علمية راقية تؤهله للحصول على عمل مربح . وهذا هدف مشروع بشرط ان لا تصبح الشهادة غاية فى حد ذاتها وألا تكون وسيلة للتهرب من الاعمال الحياتية التى تتطلب جهدا بدنيا وفكريا . وهناك من يدعو لان تكون الجامعة جهاز اكتشاف وتنمية المواهب والقابليات الخاصة لدى الجيل الجديد . وهذا هدف نبيل ولا شك .

وهناك من يريد من الجامعة أن توجه الطلاب توجيها عقائديا معينا أى أن تصبح الجامعة جهازا سياسيا . وهذا هدف يثير الجدل ولا شك .

هذه وأمثالها نماذج لأهداف جديرة بالدرس والتحليل . ولكن المشكل الاساسى فى نظرنا هو إقرار ما اذا كانت الجامعة هى معهد تعليم وبحوث فحسب أم انها معهد حياة وتربية أيضا . ؟ إذ ما قيمة العلم اذا لم يكن ذا تأثير وتأثر بالحياة الاجتماعية ؟ وما قيمة الشهادة الجامعية اذا لم ترافقها أخلاق فاضلة وشعور بالمسؤولية وحب الخدمة ؟

إن هدف الجامعة فى عالمنا الاسلامى ينبغى فى نظرنا ان يكون تحقيق إنسانية الانسان : وذلك يعنى تكوين رجال ونساء نشأوا على الايمان والفضيلة والعلم الصحيح والعمل الصالح . وهذا هدف لم تستوعبه معظم

الجامعات فى عالمنا الاسلامى . واذا تكلمنا عن الايمان فانما تقصد به الايمان بخالق الكون ومسيره وبالاخوة الانسانية التى يدعو الدين الاسلامى  الى تحقيقها وبحقنا بالحياة الحرة الكريمة وبقدرتنا على بعث أمجاد أمتنا . وعلى  أساس هذا الايمان تقوم الاخلاق الفاضلة بما فيها من أمانة وصدق وعفة ومحبة وغيرية ودقة ونظام وشعور بالمسؤولية وشجاعة أدبية . وعلى أساس الاخلاف الفاضلة يقوم العلم الصحيح والبحث عن الحقائق الناصعة بدون تأثر بالاهواء والعواطف . وعلى أساس العلم الصحيح يقوم العمل الصالح وتجديد البناء الاجتماعى .

فالمطلوب من الجامعة ألا تكتفى بالتعليم النظرى بل ان تكون أفرادا اجتماعيين أصحاء جسدا وعقلا ، يعيشون عيشة عائلية سعيدة ، وينتمون الى دولة لها قوانينها التى تسن عن طريق الشورى ويحملون لها الولاء ، يحبون البحث عن الحقيقة ويطلبون العلم بلا كلل أو ملل .     وهم على صلة دائمة بالطبيعة وبالمصنع أو المتجر أو المزرعة وبالمجتمع الانسانى محليا ودوليا . يتمتعون بالجمال وبالفنون الجميلة ، يتحلون بالاخلاق الفاضلة مطمئنى النفوس يمارسون العبادة واصلاح النفس . والسؤال الكبير او المشكله الرئيسية هى لكن نجعل من الجامعة فى عالمنا الاسلامى (( مدينة فاضلة )) تخرج لنا إنسانا جديدا ؟ وهل جامعاتنا فى العالم الاسلامى اليوم وبأوضاعها الراهنه تحقق هذا الهدف ؟

مشكل المال والرجال :

ان تحقيق الهدف الذى نريد ليس بالامر الهين . فالجامعة فى عالمنا الاسلامى إنما تقوم على عاتق عدد وافر من الاساتذة العلماء الحكماء المربين . وإن شهرة أية جامعة فى العالم ومنزلتها تتوقف قبل كل شىء على من فيها من أساتدة بارزين  . وجامعاتنا تفتقر فى معظم الاحيان الى العدد الكافى من الاساتذة الممتازين . وهؤلاء ان وجدوا فهم قد يكونون فى وضع غير مستقر ماديا أو معنويا فى بعض الحالات . ثم ان القليل من الاساتذة العلماء من تمرس فى شؤون التربية الى جانب التعليم . وحتى أساليب تعليمهم فانها قد تكون رتيبة فانهم قد يدرسون بطريقة القائية جافة ومملة فى بعض الحالات . اذن فتكوين الاساتذة المربين المتشبعين بروح الضبط والدقة فى البحث العلمى ما يزال مشكلة أساسية فى جامعات عالمنا الاسلامى . والامر يتطلب ايفاد العدد الكافى

من الشبان والشابات الناضجين الموهوبين ذوى القابليات الممتازة الى أرقى جامعات العالم ليحصلوا على أرقى الدرجات العلمية ثم منحهم الوقت الكافى لاكتساب الخبرة بمزاملة كبار الاساتذة والباحثين العالميين . وبعد عودتهم الى وطنهم يؤمل ان يعاملوا معاملة كريمة من حيث المرتب والمقام الاجتماعى ومن حيث تأمين وسائل البحث والنمو لهم بحيث يسعدون فى خدمة أمتهم وبلادهم ولا يعودون الى ديار الغرب من حيث أتوا . وهذا يقودنا الى التأكيد على حاجة جامعاتنا الى مكتبات عامرة تحتوى على أمهات الكتب العلمية وعلى أحدث ما يجد من بحوث فى شتى الاختصاصات والتأكيد كذلك على الحاجة الى مختبرات ( معامل ) وحقول تجريبية . وليس من النادر ان نجد بعض أدوات المختبرات أو المكائن فى بعض الجامعات ما تزال محفوظة فى صناديقها ولم تفتح بعد وذلك لعدم توفر من يحسن تركيبها او استعمالها او لعدم اعداد المحل الذى توضع فيه . والحكومات الاسلامية سخية عادة فى البذل على جامعاتها ولكن العديد منها فقيرة لا يتوفر لديها المال الكافى فى الوقت الذى تقوم بعض الدول الغنية بالصرف بسخاء واسراف . فالمشكلة الرئيسية الثانية التى تجابه الجامعات فى العالم الاسلامى هى مشكلة اعداد الاساتذة والوسائل التربوية وفق سياسة تربوية حكيمة .

المشاكل الطلابية :

ان أعوص المشاكل التى تجابه الجامعة فى عالمنا الاسلامى حاضرا ومستقبلا هى المشاكل الطلابية . فهى مشاكل معقدة متعددة الجوانب وها نحن فيما يلى نستعرض نماذج منها :

( 1 ) إن الاخذ بالمبدأ الدمقراطى فى التعليم يتطلب فتح ابواب الجامعة لكل من يريد دخولها . وهذا مبدأ اسلامى صحيح . فطلب العلم فريضة على كل مسلم . ولكن المشكلة تبرز حين يكون الطلب اوسع من الامكانات المادية المتوفرة لدى الجامعة . ولذلك فقد نجد بعض الجامعات تفتح الباب على مصراعيها فتضحى بالمستوى العلمى وبالكيفية . بينما نجد جامعات أخرى تعنى بالانتخاب فتقبل اصحاب المواهب والقابليات الممتازة أولا فتمنحهم الاولوية فى القبول . هذا ونحن نؤيد سلم الاولويات فى القبول فى حالات كهذه  .

( 2 ) أهمية الدعم المادى للطلاب الموهوبين ولابناء القرى والأرياف والمعوزين من الطلاب ولا سيما الفتيات وذلك لتحقيق العدل الاجتماعى وجعل الجامعة

ملتقى للمواهب والقابليات الممتازة من كل طبقات الشعب وكل انحاء البلاد ثم استضافة من يقدم الى البلاد من الطلاب من أقطار أخرى .

( 3 ) هناك مسألة نضج الطلاب قبل دخولهم الجامعة : هل يقبل الطالب الى الجامعة بعد اتمامه الدراسة الثانوية مباشرة أم يطلب اليه دخول معترك الحياة لمدة سنة أو سنتين على الاقل قبل التحاقه بالجامعة ؟

إن (( خدمة العمل ))  التى وجدت فى المانيا قبل الحرب العالمية الثانية كان لها دور محسوس فى تحقيق نضج الشباب اجتماعيا وسياسيا وهى ما تزال موضع تقدير العديدين من فلاسفة التربية المعاصرة . وها هى روسيا السوفياتية اليوم تطلب من الشبان والشابات ممارسة الحياة فى المعمل او فى الحقل قبل دخول الجامعة . وكذلك الصين الشعبية فانها تعنى بالخدمة الفعلية فى (( الكوميون )) باعتبارها عنصرا هاما فى التربية السياسية والاجتماعية وفى الولايات المتحدة الامريكية كثيرا ما يجمع الطلاب بين العمل الحر والتحصيل الجامعى . نحن نحبذ (( خدمة العمل ))  وندعو الى ان تكون (( الخدمة المدنية ))  ولا سيما الخدمة فى الارياف من ضرورات التربية الجامعية .

( 4 ) مشكلة انتماء الطلاب الى الاختصاص الذى يتفق وميولهم وقابلياتهم من جهة ويتلاءم مع حاجات الدولة والمجتمع من جهة أخرى :

إن هذه المشكلة تجابه العديد من الطلاب فى جامعاتنا فى العالم الاسلامى فطالما زج بطالب فى فرع اختصاصى لا يميل اليه وطالما اختار الطالب نفسه فرعا لا يتلاءم ومواهبه وقابلياته . فمشكلة التوجيه الدراسى تتطلب تعاونا وتفاهما بين الطالب وبين الهيئات الجامعية المختصة بالتوجيه كما تتطلب المرونة فى وضع البرامج الدراسية بحيث يمكن للطالب ان يتحول من اختصاص الى آخر بدون عوائق خلال السنتين الاولى والثانية من الدراسة الجامعية اذا لزم الامر .

( 6 ) مشكلة فرض الدروس على الطالب أو اختياره لها : ان بعض الجامعات تكثر من فرض الدروس المطلوب درسها مع منح نسبة ضئيلة من حرية الاختيار للطالب . بينما هناك جامعات أخرى تعمل العكس فتقل من عدد الدروس المفروضة وتكثر من عدد الدروس التى يختار منها الطالب ما يلائمه ومع الاستاذ الذى يرغب فى التتلمذ عليه . ونحن نؤيد حرية الاختيار ونعتقد نهاية تتفق وتقاليدنا الاسلامية القديمة فى الحياة الجامعية .

( 7 ) مسألة الجمع بين الجنسين فى الجامعة من المسائل التى ثار حولها الجدل . فالبعض يرى ضرورة فصل الجنسين عن بعضهما فى التعليم الجامعى وتأسيس جامعات خاصة بكل جنس . نحن لا نعرف أية مشكلة يقيمها الدين الاسلامى الحنيف حول الجمع بين الجنسين ما دام الطلاب ذكورا واناثا قد نشأوا نشأة اسلامية تؤكد قواعد الحشمة والشرف لدى الجنسين بحيث يشعر الطالب الجامعى بأن الطالبة بمثابة أخته أو عضو من اعضاء أسرته . فيعاملها بالحشمة والادب . كما اننا لا نجد ما يمنع التزاوج بين الطلاب الجامعيين فيما اذا حصل الاختيار والتوافق بين الطرفين . وقد يكون ذلك أضمن لحياتهم الدينية والدراسية . أما قضية النسل فيمكن التحكم فيها حسب الظروف وبالطرق العلمية .

( 8 ) ربما كانت اخطر مشكلة طلابية تجابه الجامعة فى العالم الاسلامى اليوم هى المشكلة المتأتية من تغلغل المذاهب والعقائديات المستوردة فى صفوف الطلاب وقيام الصراع العقائدى فيما بينهم داخل المؤسسات العلمية . ثم قيام البعض منهم بالدعوة الى الاضراب عن الدروس بحجة أو أخرى .

نحن نعتقد بأن الجامعة ليست محل عمل سياسى مباشر . انها محل لدرس متفتح للعمل السياسى . فهى تدرس كل التيارات السياسية المعاصرة وكل العقائديات بروح علمى وبدون تعصب أو تحيز لهذه الجهة أو تلك .

للطلاب الجامعيين فى نظرنا الحق فى ان ينظموا حوارا سياسيا أو عقائديا بأسلوب دمقراطى حر داخل جدران الجامعة على ان لا يكون لذلك أى اتصال بالجهات السياسية خارج الجامعة وأن يحترم الرأى المخالف ويفسح له المجال الكافى للدفاع عن وجهة نظره . فالروح الرياضية العالية ينبغى أن تبرز فى أجلى مظاهرها فى حوار كهذا فلا عنف ولا هياج !

أما الاضرابات عن الدروس فان ضررها أكبر من نفعها ولذلك وجب العزوف عنها فى معاهد تعيش على حساب الشعب ومن ضريبة المواطن اذ ان

الذى يعيش على حساب الشعب لا بد له ان يحمل الامانة بنزاهه وألا يبذر أموال الشعب . والمظاهرات الطلابية ليس لها ما يبررها الا فى ظروف قومية خطيرة وضد عدو مستعمر . فمشكلة الجامعة اذن هى مساعدة الطلاب على تحكيم عقولهم والسيطرة على هوائجهم ( اندفاعاتهم ) وتبصيرهم بحيث لا يقعون فى فخ جهة سياسية معارضة ولا يصبحون كالخراف تسير وراء مهرج غوغائى .

مشاكل الدراسة والتربية الجامعية :

اذا كنا نريد من الجامعة فى عالمنا الاسلامى ان تخرج ( تكون ) انسانا مسلما عالما عاملا يجابه متطلبات الحياة المعاصرة بروح ايجابية فقد تجابهنا المشاكل التالية :

( 1 ) ما هى العلاقة بين العلم والفلسفة والدين فى الاسلام ؟ وهل هى علاقة تكامل أو تناقض ؟ إن ديننا الاسلامى الحنيف يجمع بين العقل والنقل ويوحد بينهما . فليس فى ديننا كما أفهمه ما يناقض العقل وليس فيه ما يعارض الفلسفة التكاملية الموحدة . ولكن العديد من الجامعات فى عالمنا الاسلامى اليوم اهملت العناية بالدين وبالتربية الدينية فاصبحت علمانية فعلا . وهذه مشكله أساسية لا بد للجامعات فى عالمنا الاسلامى من مجابهتها وحلها اذا شئنا انقاد أمتنا ومجتمعنا الاسلامى من الظلام الروحى والضلال العقائدى .

( 2 ) ما هى العلاقة بين الشمول والتخصص : إن تفجر العلوم وتشعب فروعها وفروع فروعها وتطبيق ذلك على الحياة جعل من المستحيل على الطالب مهما أوتى من موهبة وقابلية من ان يستوعب كل العلوم . فلا بد له من ان يتخصص فى فرع من علم أو فى فرع فرع من علم فيكرس طوال حياته فى البحث والتتبع بصبر وجلد ، ولكن تخصصه هذا لا يجوز ان يجعل منه انعزاليا أى منفصلا عن حقول الحياة العلمية الاخرى . إن بعض الجامعات فى عالمنا الاسلامى تجعل الطالب يبدأ بالتخصص من أول سنة جامعية . فهو يتخصص في علم انسانى كعلم التاريخ مثلا ولا يدرس الاقتصاد . أو أنه يدرس الفلسفة مثلا وهو لم يدرس التاريخ الطبيعى . او انه يدرس القانون مثلا وهو لم يدرس علم النفس . . . الى غير ذلك . ان التخصص فى فرع من الفروع مع ضرورته لا يجوز فى نظرنا ان يكون تخصصا منغلقا بل ينبغى ان تكون هناك نوافذ مفتوحة فى تكوين الطالب ينفذ منها الى حقول المعرفة خارج اختصاصه .

وما يقال عن دراسة الطالب يصدق على ضرورة التعاون بين الاساتذة ذوى الاختصاصات المنوعة . فهناك قضايا حياتية تتطلب تعاون ذوى اختصاصات منوعة فقضية اجتماعية واحدة قد تتطلب تعاون العالم الدينى مع العالم الاجتماعى مع العالم النفسى مع عالم فى الطب . ومن مشاكل الجامعات فى عالمنا الاسلامى ان العديد منها مبتلاة بمرض الانغلاق والعزلة بين الفروع الاختصاصات . فكلية العلوم الانسانية مثلا لا صلة لها بكلية العلوم الطبيعية أو بكلية العلوم الدينية . بينما المفروض ان تكون هناك منافذ بين الكليات بحيث يستطيع طالب فى كلية ما ان يحضر درسا فى كلية أخرى .

3 ) ما هى العلاقة بين المادة والطريقة : لما أصبح استيعاب أى علم من العلوم من الصعوبة بمكان نظرا لتشعبه ولنموه المستمر أصبح من الضرورى التأكيد على تدريب الطالب على الرجوع الى المصادر الاصلية وتعريفه بأساليب البحث العلمى من تحقيق وتبويب . أى التاكيد على الطريقة بقدر التأكيد على المادة ان لم نقل أكثر . ولما كان نمو العلوم مستمرا أصبح من المهم ترغيب الطالب الجامعى في متابعة ما يستجد من ابحاث واكتشافات فى حقل اختصاصه خاصة وفي الحياة عامة .

( 4 ) ما هى العلاقة بين البرامج الجامعية وحاجة المجتمع : ان العديد من الذين يدخلون الجامعة انما يفعلون ذلك لنيل شهادة جامعية تؤهلهم لا يجاد عمل بعد التخرج يدر عليهم بدخل يسد احتياجاتهم وهذا أمر مقبول  . ولكن البعض من المتخرجين يجدون أنفسهم غير مؤهلين للعمل الا فى الحقل الذى تخصصوا فيه فاذا كان التوق كاسدا فى ذلك الحقل قد يصبحون فى عداد العاطلين . هذه مشكلة يجابهها العديد من الشبان والشابات المتخرجين من الجامعات فى عالمنا الاسلامى . لتلافى ذلك نرى ان تدخل فى برامج الدارسة مرونة بحيث يدرس الطالب فرعا ثانويا الى جانب الفرع الذى يختص فيه فمن يدرس الآداب مثلا يمكنه ان يحضر دروسا فى الصحافة أو فى الترجمة الى لغات أجنبية أو فى الشؤون الادارية والتجارية أو فى التعليم . ثم إنه يستطيع بعد تخرجه ان ينخرط فى دورة دراسية خاصة تمكنه من الدخول فى عمل من الاعمال لا تمت الى الآداب بصلة مباشرة . هذا ومن المفيد لكل طلاب الجامعة مهما كان اختصاصهم ان يتقنوا لغة أجنبية واحدة أو أكثر الى جانب لغتهم القومية وان يتدربوا على تنظيم السجلات والحسابات والطبع على الآلة الراقنة واستعمال الآلة الحاسبة ذلك مع التحلى بصفات الدقة واليقظة وحفظ المواعيد وحسن التعامل مع الغير . وعليه فلا يجوز ان يصبح الاختصاص مهما كان

نوعه مانعا من مزاولة عمل يكسب الرزق فى حقل خارج الاختصاص . و المهم فى جامعاتنا فى العالم الاسلامى ان تنشىء الشبان والشابات على حب العمل واحترام العمل مهما كان نوعه بلا ترفع ولا ملل .

( 5 ) الجامعة واتساع أفقها التربوى : إن معظم الجامعات فى العالم الاسلامى يقتصر نشاطها على التعليم النظرى البحث تقريبا فلا عنايه تذكر بحياة الطالب العملية او الاجتماعية او الدينية او الفنية . وفى الدروس النظرية ذاتها قد يرهق الطالب بتحميله دروسا عديدة وعويصة احيانا ثم إنه قد يجبر على درس ما لا يفيده فى حياته الحاضرة او المقبلة . كل ذلك يتطلب إعادة نظر جذرية فى حياة طلابنا الجامعية بحيث يعيش الطالب حياة سعيدة فى الجامعة ويحصل فيها على تربية متكاملة وذلك بتعيين أوقات خاصة لساحات الرياضة أو المسبح أو قاعات الرسم والموسيقى وفى دور العبادة ( المسجد ) وفى قاعة المحاضرات وفى المعامل أو الحقول كل ذلك الى جانب مزاولة المكتبة الغنية بالمراجع .

( 6 ) مراعاة الفروق الفردية : إن البرامج المقررة فى العديد من الجامعات فى عالمنا الاسلامى تتطلب ان يدرس طلاب كل قسم أو اختصاص الدروس ذاتها وأن يسيروا جميعا فى سرعة واحدة مهما اختلفت قابلياتهم أو رغباتهم ومهما تنوعت ظروفهم واحتياجاتهم وهذا ما وصفته (( بالقولبة )) . من يتخلف عن القافلة فى سيره عليه اعادة السنة الدراسية فى بعض الحالات . فى هذا تجن على الطالب وتبذير للمصروف الجامعى . فالحقيقة هى أن الطلاب يختلفون من حيث قابلياتهم وسرعتهم فى السير فى الدروس كما انهم مختلفون من حيث استطاعتهم التفرغ للدراسة . ولذلك فالافضل ترك اختيار عدد الدروس التى فى وسع الطالب حملها للطالب نفسه . فالبعض يستطيع ان يحمل برنامجا أثقل من غيره ولذلك فهو يستطيع انهاء الدراسة الجامعية الاولى فى ثلاث سنوات بدلا من أربع بينما أكثرية الطلاب تتمها فى أربع سنوات وهناك أقلية قد تكمل البرنامج فى خمس سنوات أو أكثر . الامر يتطلب وضع البرامج الدراسية على أساس (( الوحدات )) بدل السنوات أو الشهادات . فالمطلوب للتخرج عدد من الوحدات الدراسية معين ولكل طالب أن يحمل من الوحدات الدراسية ما يناسب طاقته وظروفه . وهو لا يتخرج من الجامعة حتى يجتاز بنجاح مجموع الوحدات المطلوب بقطع النظر عن عدد السنوات التى يقضيها فى الجامعة فلا رسوب ولا اعادة سنة للاكثرية الساحقة من الطلاب .

( 7 ) تعدد المواد الدراسية وتفتيتها : ان بعض الجامعات تحمل الطالب ما لا يقل عن ست مواضيع دراسية مختلفة فى الوقت الواحد ويخصص لكل

موضوع ساعة او ساعتين فى الاسبوع عادة . النتيجة قد تكون مشوشة للطالب والدراسة تكون سطحية فى بعض الاحوال . فالطالب يستفيد فى نظرنا فيما لو درس بمعدل موضوعين أو ثلاثة فى الوقت الواحد على ان يخصص لكل موضوع ما بين الثلاث والخمس ساعات فى الاسبوع بحيث تدرس مادة الموضوع كوحدة مترابطة كاملة فى سنة واحدة لا ان تجزأ وتقسم على عدة سنوات . فعلم النفس العام مثلا يدرس كله فى سنة واحدة لتكون لدى الطالب نظرة شاملة موحدة عن العلم لا أن يجزأ فيعطى فى سنتين أو أكثر .

( 8 ) مشكلة أساليب التدريس : المهم فى الدراسة الجامعية أن يقبل الطلاب على دروسهم باهتمام وسرور وان يستوعبوا المادة الدراسية ويهضموها . فالعبرة ينبغى أن تكون فى هضم المادة والتصرف بها فى الحياة اكثر من حفظها وحشوها فى الحافظة فجة منعزلة عن باقى المواد . والمشكلة الاساسية هى ان البعض من الاساتذة لم يطلعوا على قواعد علم النفس واصول التدريس فهم فى الغالب ينسجون على منوال أساتذتهم الذين درسوا عليهم والنتيجة قد تكون ان الاستاذ يقتصر على اسلوب الالقاء فى تدريسه والقاؤه قد يكون مملا منوما وصوته غير مسموع وكلامه غير واضح . ثم ان الطلاب يعتادون على تسجيل ما يسمعونه فيحفظونه بدون مجال للمناقشة أو المشاركة فى اعداد الدرس وبدون تطبيق كاف . إن أفضل أسلوب للتعليم الجامعى فى نظرنا هو الخروج الى الطبيعة والى الحياة فى المجتمع وتسجيل المشاهدات ثم العودة الى قاعة الدراسة ومناقشة وتحليل ما شوهد ثم التوصل الى المبادىء والقواعد العلمية ثم الرجوع الى المصادر والمراجع الرئيسية التى تعالج الموضوع ودرسها . بذلك تكون الدروس مرتبطة دوما بالحياة وبالوجود . ويكون السير من المدركات الحسية الى المفهومات المجردة . والطريقة السقراطية ليست بعيدة عما ندعو اليه فهى مؤسسة على الواقع الحى والتفكير السليم . ولنستمع الى العالم النفسى والفيلسوف الامريكى وليم جيمس وهو يتحدث على لسان العالم السويسرى آغاسيز          :

(( اذهب الى الطبيعة وخذ الحقائق منها بيديك انظر وشاهد لنفسك ، هذه هى الدعوة التى دعا اليها آغاسيز والتى كان لها مفعول الكهربة فى الجو التعليمى ))  .

هذا ما نحتاج اليه فى تعليمنا الجامعى : الخروج الى الطبيعة والى مرافق الحياة وادخال الطبيعة والحياة الى قاعات الدراسة .

( 9 ) علاقات الاساتذة بالطلاب : ان هذه العلاقة تقتصر فى معظم جامعات العالم الاسلامى على رؤية الطلاب أستاذهم فى قاعة المحاضرات مرة أو مرتين

فى الاسبوع . هناك فجوة عميقة بين الاستاذ والطالب فى العديد من الجامعات فى العالم الاسلامى فالاستاذ قد لا يعرف أسماء طلابه فى قاعة المحاضرات المزدحمة . والطالب قد لا يعرف أستاذه الا بقدر ما يسمعه منه من محاضرات او ما يسمعه عنه فى الخارج . بينما المفروض أن يسود الجامعة جو عائلى وان يكون لكل زمرة من الطلاب أستاذ مرشد يعمل على نصحهم وتوجيههم ويساعدهم على حل مشاكلهم . وهذا يتطلب زيادة عدد الاساتذة وتحميلهم مهام تربوية الى جانب قيامهم بالتدريس النظرى والعملى .

وقد اعجبنى ما شاهدته فى جامعة ستانفورد بكاليفورنيا ( الولايات المتحدة  الاميريكية ) فى السنة الماضية ( 1977 ) حيث وجدت الطلاب يعيشون فى وحدات سكنية تحوى الواحدة منها نحو الثمانين طالبا وللوحدة السكنية مرافقها من مطعم ( كافيتريا ) وقاعة اجتماع ومطالعة الخ . . والى جانب كل وحدة سكنية عدد من البيوت مخصصة للاساتذة يسكنونها مع عائلاتهم وهم على اتصال دائم بطلاب الوحدة السكنية يتناولون الطعام معهم على مائدة واحدة ويبحثون معهم الشؤون العامة والخاصة فى جو عائلى راق . إن هذا النظام ليس بعيدا عن النظام المتبع فى المدارس الدينية فى النجف ( العراق ) حيث يعيش الطلاب فى مدارس قد تحوى الواحدة منها نحو الخمسين طالبا ولكل طالب غرفته الخاصة وهو متكفل بتدبير شؤون معيشته من طبخ وغسيل لبعض الاساتذة غرف الى جانب غرف الطلاب ولا تختلف عنها فى شىء . الكل يعيشون معا عيشة استقلالية .

( 10 ) مشكلة التربية الدينية : من الامور المخجلة والمزرية ان نجد العديد من الجامعات فى العالم الاسلامى تخرج طلابا لا يعرفون عن دينهم الاسلامى الشىء الكافى . فهم لم يدرسوا القرآن درسا معمقا فلم يتعرفوا على ما فيه من كنوز الحكمة والمعرفة والهداية كما أنهم لم يتمرسوا على تأدية الفرائض . ولذلك نرى لزاما على الجامعات فى العالم الاسلامى ان تدخل تدريس القران فى المستوى الجامعى كمادة مطلوبة من الجميع وفى كل الاختصاصات . كما نؤمل أن يشجع الاساتذة والطلاب على تأدية الفرائض بصورة منتظمه ويفضل أن تكون جماعية .

مشكلة اللغة والتعريب :

من المشاكل التى تعانى منها جامعاتنا فى العالم الاسلامى مشكلة اللغة ، ففى العالم الاسلامى جامعات لا يتقن طلابها لغة أجنبية . كما أن فيه جامعات

يتقن طلابها اللغة الاجنبية ويجهلون لغتهم القومية . وكلا الحالتين يتطلبان العلاج السريع . ان اتقان لغة أجنبية حية واحدة على الاقل ضرورى لكل من يدخل المعاهد العليا . كما ان اتقان اللغة القومية ضرورة لا يجوز بحال من الاحوال التساهل فيها .

أما قضية التعريب فى التعليم الجامعى فهى فى نظرنا قضية مفروغ منها . فاللغة العربية هى من أطوع اللغات وأكثرها صلاحا لمسايرة الحياة العلمية . وان وجد تقصير فى استعمالها فانه يرجع الى تخلف ابنائها والى المسؤولين الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء التخطيط لنقل أمهات الكتب العلمية من شتى انحاء العالم الى اللغة العربية ثم تشجيع الباحثين على نشر ابحاثهم العلمية بلغتهم القومية . المسألة هى مسألة سياسية قومية عليا فى التعليم . فمتى عزمنا على تحقيق استقلالنا الثقافى حقا فأمر التعريف يصبح سهل المنال . فما على الجامعات فى العالم الاسلامى الا ان تسير بخطى حثيثة فى استعمال لغتنا القومية فى التعليم الجامعى . ولا يعنى ذلك قط الانغلاق على منابع الثقافة العالمية فالعكس هو المطلوب . فالاساتذة ينبغى ان يعودوا طلابهم على استعمال مراجع أجنبية فى مختلف اللغات التى يحسنونها . كما ان المفروض ان تقوم الجامعات فى العالم الاسلامى بدعوة أساتذة زائرين يحاضرون بلغاتهم الاجنبية ان قضية التعريب هى قضية انماء ثقافتنا القومية وليست قضية انغلاق أو تعصب ضد الثقافات العالمية الحية .

مشكلة الامتحانات والشهادات الجامعية :

ان العديد من الطلاب الذين يؤمون الجامعات إنما يفعلون ذلك بدافع الحصول على شهادة جامعية قبل كل شىء . فالشهادة فى نظرهم هى الغاية القصوى من التعليم الجامعى . ولما كان الامتحان هو الوسيلة للحصول على الشهادة فيصبح النجاح فى الامتحان هو الهدف . ولكن العديد من الطلاب المساكين قد يهملون اعداد دروسهم خلال السنة الدراسية فيبدأون بالاعداد للامتحان فى الشهر الاخير من السنة الدراسية . واذذاك يرهقون اعصابهم بالدرس والسهر ويحشون الحافظة بالمعلومات والارقام . ثم يأتون الى امتحان كتابى يدوم أربع ساعات للأجابة على سؤال واحد يتلقون بعده الحكم على مصيرهم اما بالنجاح او بالرسوب حسب نوع الجواب الذى دبجوه ووفق مزاج المصححين وهل هم متساهلون أو متعصبون . فالطالب يكون كمن ينتطر الحكم عليه اما بالبراءة او بالاعدام من شاهد واحد ومن جلسة واحدة

للمحكمة وبدون تحقيق كاف . إنها مأساة تربوية حقا ! وبهذه المناسبة نشير إلى حوادث الانتحار العديدة فى اليابان بسبب الرسوب فى الامتحان فقد قدر عدد المنتحرين فى السنة الماضية ( 1977 ) ب - 600 طالب . كما نشير الى بعض حوادث اعتداء قام بها الطلاب الراسبون على أساتذتهم . ان الجامعات فى العالم الاسلامى فى غنى عن هذه المآسى لو عادت الى تقاليدنا الاسلامية فى التربية وغرست فى نفوس الطلاب حب العلم وحب البحث والاكتشاف لأجل العلم ولأجل البحث ولأجل الاكتشاف وليس لأجل الامتحان . ومن المهم تعويد الطلاب على الدراسة المنتظمة خلال السنة الدراسية واجراء الاختبارات الشهرية التى يحسب حسابها فى الدرجة النهائية للطالب بحيث يصبح امتحان آخر السنة تتويجا طبيعيا لمجهودات الطالب المستمرة فهو يحضر الامتحان فى آخر السنة هادئا مطمئن البال بلا خوف او قلق .

أما الشهادة الجامعية فهى وسيلة ولليست غاية . اذ ما قيمة الشهادة اذا كان حاملها لم يحصل على الكفاءة العلمية والمهنية المطلوبة ؟ لذلك وجب التأكيد على النمو التربوى وعلى النضج فى التفكير وفى السلوك قبل الاهتمام بالشهادة . هذا ومن المفيد جدا تشجيع الدراسة الحرة فى الجامعة . وهى الدراسة التى لا تتطلب الشهادة وذلك لمن يريد الاستزادة من علم من العلوم ولمن يريد توسيع أفقه الثقافى فى الحياة وفى المهنة .

إن الامتحان والشهادة الجامعية قد يكونان من ضرورات حياتنا المعاصرة ولكنهما لا يجوز ان يحلا محل التربية الحقيقية والنمو المتكامل للانسان .

مشكلة الانقلابات السياسية :

من مشاكل الجامعات فى عالمنا الاسلامى المعاصر مشكلة جديدة هى مشكلة الانقلابات العسكرية والسياسية التى تمنى بها بعض البلاد الاسلامية بين فترة وأخرى . فكل نظام جديد يستولى على الحكم قد يقصى بعض أساتذة الجامعات من مراكزهم العلمية فيزج بهم فى السياسة أو فى السجن فى بعض الحالات . قد يفرض على الجامعة أساتذة وعمداء جدد يؤيدون النظام الجديد . وكنتيجة لذلك قد ينزح بعض الاساتذة عن بلادهم فيهاجرون شرقا أو غربا . كما ان بعض الانظمة السياسية قد تفرض عقائديات أو شعارات معينة على المعاهد العلمية الامر الذى يتنافى مع أبسط مبادىء الحرية والاستقلال الضروريين للتعليم الجامعى . اذن فاستقلال الجامعة وحرية البحث العلمى فيها قد يصبحان المشكلة الاولى والاخيرة لتعليمنا الجامعى فى العالم الاسلامى اليوم .

ختاما :

هذه ملاحظات عجلى على بعض المشاكل التى يجابهها التعليم الجامعى فى العالم الاسلامى . ولما كنا على أبواب نهضة جديدة وتخطيط جديد لمستقبل أمتنا فالمأمول ان نتغلب على كل ما يجابهنا من مشاكل وصعاب بعزيمة راسخة وفكر ثاقب مستفيدين من العناصر الحية التى يحويها تراثنا التربوى من جهة ومن أفضل تجارب الامم شرقيها وغربيها من الجهة الاخرى . المهم أن نطمح دوما الى السمو وأن لا نقنع بالمستويات الوسطى والضعيفة . فان أمة تريد تحقيق أهداف الوحدة والحرية والرقى لابنائها لا بد لها ان تفكر مليا فى شؤون جامعتها فتؤسسها على قواعد الايمان والاخلاق والعلم والعمل . وليكن شعار جامعاتنا فى العالم الاسلامى أبيات الحكيم الاسلامى أبى على ابن سينا :

هذب النفس بالعلوم لترقى                     فترى الكل فهو للكل بيت

إنما النفس كالزجاجة والعقل                    سراج وحكمة الله زيت

فاذا اشرقت فانك حى                          واذا أظلمت فانك ميت

الجامعة التونسية

اشترك في نشرتنا البريدية