ها هو القرن الخامس عشر الهجرى يطالعنا والعالم الاسلامي قد تيقظ من سباته الطويل وبدأ يبحث ويعمل فى سبيل مستقبل زاهر ويروم حمل رسالة الاسلام رسالة التوحيد والعدل والرحمة والاخاء والسلام الى بني الانسان فى كل مكان . ولاجل ان يحقق نهضته ويحمل رسالته لابد للعالم الاسلامي من استعادة قوته وتجديد حيويته ، بالرجوع الى منابع القوة والحيوية أولا وعلاج ما انتاب الجسم الاسلامي من علل واوصاب ثانيا
ولما كان " جهاز الحكم " فى العالم الاسلامى هو الوسيلة المعول عليها فى تحقيق النهضة وفي علاج الامراض وحل المشاكل التى تعانى منها الامة لابد من البدء بدرس هذا الجهاز ومعرفة ما ينتابه من نقص أو ضعف والعمل ع تقويته ودعمه ما استطعنا الى ذلك سبيلا . فنحن ندعو لان يكون البناء الاسلامي الجديد بناء قويا راسخا شامخا لا تزعزعه العواصف والزلازل ان شاء الله !
ليس القصد من كلمتنا هذه تقديم دراسة معمقة وشاملة لمشاكل الحكم في العالم الاسلامي اذ أن ذلك يتطلب تعاونا من قبل العديد من العلماء والباحثين فى نواح اختصاصية متعددة كما يتطلب مدة كافية قد تستغرق السنوات لا سيما إذا أريد القيام بدراسة ميدانية فى مختلف اصقاع العالم الاسلامي . ان ما نستهدفه فى هذه الكلمة يقتصر على توجيه الانظار الى بعض مواطن الضعف البارزة فى حياتنا السياسية وانظمة الحكم في العالم الاسلامي معتمدين على خبراتنا الشخصية فى حقلى التعليم والسياسة وعلى دراستنا الدينية والعلمية والتربوية
وقبل الخوض فى البحث نود أن نؤكد بأن بحثنا هذا وما قد يحويه من نقد برئ ليس موجها الى حكومة معينة من الحكومات الاسلامية أو الى شعب من شعوبها اذ نحن نكن الحب والاخاء لكل الشعوب الاسلامية بلا استثناء كما نحمل الاحترام والتقدير لجميع الحكام المخلصين العاملين فى البلاد الاسلامية وعلى رأسهم الملوك والرؤساء والامراء وندعو لهم جميعا بالتوفيق والسداد تخطر لنا ونحن نعالج هذا البحث اسئلة ثلاثة سنحاول الاجابة على كل منها بايجاز وفي حدود خبرتنا :
1 ) العوامل المؤدية لمشاكل الحكم فى العالم الاسلامي ما هي ؟ 2 ) نماذج من مشاكل الحكم وطبيعتها ؟ 3 ) ما هى مقترحاتنا للتغلب على هذه المشاكل ؟ ها نحن فيما يلى نعدد بعض العوامل المؤدية إلى مشاكل الحكم فى العالم الاسلامى :
1) ضعف التربية الدينية والاخلاقية : العالم الاسلامي في كل بقاعه يشكو من الجهل ومن الامية . والمسلمون لم يتعرفوا عمليا على الاخلاق الاسلامية التى جاء بها القرآن الكريم وطبقها الرسول الاعظم فى سيرته الشريفة . ان العديد من المسلمين يحفظون القرآن كلا او جزءا ولكن حفظهم هذا هو للتبرك أكثر منه للتطبيق والعمل بموجب أحكامه . فالكثيرون من المسلمين ينسون عند التطبيق العمل بموجب قوله تعالى :
" ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " ( الأنبياء 92 ) " . . . وشاورهم فى الامر . . . . " ( آل عمران 159 ) " - . . وأمرهم شورى بينهم . . . " ( الشورى 38 ) " ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل . " ( النساء 58 )
" يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم . . " ( النساء 59 ) " ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون * ( الجاثية 18 )
" انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم . . " (الحجرات 10 ) " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . . . " ( آل عمران 103 ) " ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء . . . " ( الانعام 159 ) ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون " ( آل عمران 104 ) " واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين " ( الانفال 46 )
" واعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . . " ( الانفال 60 ) والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " ( التوبة 34 ) " والذين فى أموالهم حق معلوم . للسائل والمحرم " ( المعارج 24 و 25 ) " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الائم والعدوان " ( المائدة 2) " فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " ( قريش 3 و 4 )
هذه نماذج لآيات بينات تحتوى على مبادئ للحكم الصالح للانسانية قاطبة لو طبقها المسلمون ( حكاما وشعوبا ) على حياتهم لكانوا أقوى أمة فى العالم اليوم . ان معظم البلاد الاسلامية تهمل تدريس القرآن فى الدراسة الجامعية لكل الطلاب بينما تعنى بتدريسهم النظريات والفلسفات المستوردة من الخارج من الشرق أو الغرب . ولا يفوتنا أن نتذكر أن ملايين المسلمين الذين يعيشون فى البلاد الشيوعية قد لا يحظون بقسط من التربية الاسلامية على كل حال .
2) الانشطار والانقسام في داخل صفوف الامة بسبب اضطراب العقائد والتراخى فى القيم الروحية والاخلاقية . فجهل بعض المسلمين بحقائق دينهم وتمسك البعض الآخر بدينهم . ادى الى انقسام المسلمين على أنفسهم فى داخل كل قطر اسلامي وبين قطر وآخر . فالحكومات الاسلامية اليوم منها ما. هو اسلامي ومنها ما هو علماني . وهناك شعوب اسلامية تخضع للحكم الالحادى . كلنا يعلم مثلا ان الزعيم مصطفى كمال ( اتاتورك ) الغي الخلافة الاسلامية وادخل العلمانية والتشريع الاوروبى فى حياة الشعب التركى
المسلم . والنتيجة هي أن هذا الشعب الكريم المسلم لم يستطع هضم كل ما جاء به مصطفى كمال من مسخ للشخصية الاسلامية . فعادت الروح الاسلامية الى تركية بعد موت مصطفى كمال برد فعل عنيف . وها نحن اليوم نقرأ ونسمع عن المآسي التى تحدث نتيجة التصادم بين حملة العقائد والافكار المتضاربة فى شقيقتنا العزيزة تركية
3 ) الاستعجال في فرض النظم الغربية على الشعب من قبل بعض الحكومات الاسلامية . وهذا ما قام به كل من ملك الافغان أمان الله وشاه ايران المتنحي محمد رضا بهلوى . وفى كلتا الحالتين ثار الشعب على الملك واضطره على مغادرة البلاد . ليس من يجادل في أن حياة الشعوب الاسلامية ينبغى ان تتطور بتطور العلوم والتقنيات وأساليب التنظيم الحديث . ولكن فرض قوانين وأساليب حياة اجتماعية تقليدا للغرب او الشرق باسم الرقي او الحرية ليس من المصلحة في شئ . لا سيما إذا كان فى هذا التقليد السطحى ما يتنافى مع التقاليد القومية والشريعة الاسلامية . ان نتيجة هذا الاستعجال هى التضارب والتصادم بين ابناء الشعب المسلم الواحد وبينه وبين جيرانه أحيانا
4 ) ان هذه الانقسامات والتضارب في الافكار والثقافات داخل أى بلد اسلامي قد تؤدى الى تدخل الاجنبى بالفعل . وقد يكون التدخل هذا بدعوة من نفر من ابناء الشعب المسلم ممن تشربوا بالافكار والعقائد المستوردة والذين يجدون في الاجنبي عونا لنشر آرائهم وبسط سلطانهم . وهذا ما حصل فى افغانستان مؤخرا وهو عودة الى عهد الاستعمار من جديد
٥ ) المبالغة فى التخلف عن السير فى ركب التطور الفكرى والاجتماعى باسم التقاليد . والمبالغة في الجمود كالاستعجال في التقليد والسير وراء الشرق او الغرب . انه مما يولد المشاكل وقد يدفع البعض الى تبرير الثورات والاضطرابات .
6 ) وجود هوة عميقة بين الحكومة والشعب في العقائديات أو المستويات الثقافية أو المذاهب الدينية أو العنصرية أو الاقليمية أو الجنسية أو الطبقية . كل هذه الفروق اذا استغلت وسئ استخدامها قد تولد مشاكل للحكم فى العالم الاسلامي وقد تؤدى الى القلاقل وعدم الاستقرار
7 ) ندرة الزعامة المؤمنة الحكيمة الشجاعة . وندرة العلماء والمفكرين الذين يقرنون علمهم بالحكمة والشجاعة الادبية النابعة من الايمان بالله . ويرجع ذلك الى ان معظم المسلمين الذين يدرسون في ديار الغرب أو في معاهد تعليمية فى بلادهم تسير وراء الغرب لم يحصلوا على القسط الكافي من التربية الاسلامية . والبعض منهم قد لا يعرف ما يحويه القرآن الكريم من مبادئ انسانية سامية تنظم حياة الانسان الخاصة والعامة من كل جوانبها .
8 ) قيام عناصر من الشعب تتغلب عندهم العاطفة على الفكر يحسنون التأثير على عواطف الجماهير فيسوقونهم الى اعمال العنف والفوضى فيضطرب حبل الامن والنظام فتستغل ذلك العناصر الهدامة التى تريد فرض عقائديات يقبلها الشعب المسلم المؤمن
9 ) غزو المدنية الغربية بخيراتها وكمالياتها ومفاتنها ومفاسدها للعالم الاسلامي . تضاعفت الاحتياجات الفردية . كثر الاستيراد وضعف الانتاج المحلى فى معظم انحاء العالم الاسلامي ، تسرب الفساد ، طغت المادة ، ضعفت الضمائر الاخلاقية ، النتيجة مشاكل للحكم فى العالم الاسلامي
10 ) مهام الدولة الحديثة اتسعت وتعقدت بسبب ما انتجته العلوم الحديثة من مخترعات متطورة تتطلب اختصاصات متنوعة . والحكومات والشعوب الاسلامية منساقة الى الاخذ بنتاج العلم الحديث فى كل مناحي الحياة : الصناعة ، الزراعة ، الطب ، والمواصلات ، ووسائل الاعلام والتسلية . ثم جاء التخطيط الشامل للحياة الاقتصادية وهو اما ان يكون تخطيطا مفروضا من قبل حكومة سلطوية على الشعب تنفيذه أحب ذلك أم كره ، أم انه تخطيط حر تشارك فيه المؤسسات والهيات الخاصة الى جانب المؤسسات الحكومية .
هذه نماذج من عوامل تضع مشاكل جديدة أمام الحكومات فى العالم الاسلامى . وها نحن فيما يلى نشير الى بعض المشاكل التى يجابهها الحكام واخرى تجابهها الشعوب
1 ) مشكلة اختيار الحاكم : ان هذه المشكلة وجدت في صدر الاسلام بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة . فانقسم المسلمون على من يتولى الخلافة . وبعد عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين أصبح الحكم ملكا وراثيا وانقسم العالم الاسلامي الى دول ودويلات . واخذت العصبية والمذهبية
والعنصرية تلعب دورها فى الثورات والانقلابات . مما ادى الى ضعف الكيان الاسلامي وتوقف اتساع الرقعة الجغرافية للعالم الاسلامي وضاعت الاندلس وتفككت عرى الوحدة بين المسلمين وساد الخلاف والتعصب والجمود مما سهل على الاستعمار الغرباء على العالم الاسلامي قطعة قطعة ! ولم تنته الحرب العالمية الاولى الا وقد سيطر الغرب على العالم الاسلامى كله تقريبا من المحيط الهادى الى المحيط الاطلسي . ثم بدأ الكفاح المرير بعد الحرب العالم الاولى لاسترجاع الذاتية القومية فى العديد من انحاء العالم الاسلامي واليوم وقد حقق المسلمون استقلالهم السياسي في معظم اقطارهم نجد أن مشكلة تسنم سدة الحكم ما زالت قائمة فى العديد من اقطار العالم الاسلامي فها هى افغانستان البلد المسلم المؤمن تعاقب على رأس الحكم فيها اربعة رؤساء فى مدة لا تزيد على السنتين غادر الحكم الثلاثة الاول منهم مقتولين وفرض الرابع على الشعب الافغاني بقوة دولة خارجية ، كل هذه التقلبات تحدث والشعب الافغاني لم يبد رأيه فى مجيء هؤلاء الحكام او ذهابهم . ان هذه المشكلة تدلنا دلالة واضحة على أن التعاليم الاسلامية لم يؤخذ بها في اختيار الرئيس الافغانى . فالقرآن الكريم يتطلب ان يكون اولو الامر الذين تجب طاعتهم من الشعب وباختيار الشعب ففي قوله تعالى " اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولو الامر " منكم " ومنكم تعنى في نظرنا ممن وقع اختياركم عليه ، وما يقال عن افغانستان يصدق على عدة بلاد اسلامية اخرى حيث رئاسة الحكم تكون عرضة للعواصف والزلازل . ومن اكبر مشاكل الحكم في العالم الاسلامي هى مشكلة تأمين مجيء الرئيس الى الحكم سالما وخروجه منه سالما مكرما . فالمؤامرات والانقلابات التى منيت بها بعض الاقطار الاسلامية ليست من الاسلام فى شئ لو سارت الامور على هدى الروح الاسلامية
2 ) مشكلة ضمان الاستقرار والاستمرار : ان المؤامرات والانقلابات التى تحدث فى العالم الاسلامي تعنى زوال الاستقرار ومعنى ذلك فقدان الاستمرار ولا سيما فى مشاريع الانشاء والبناء . اذ ان اول ما يقوم به الحاكم الجديد أحيانا هو ايقاف او الغاء الكثير مما تحقق على عهد سلفه من تخطيط وانشاء . ان النهضة الاسلامية الحديثة تتطلب الاستمرار . والاستمرار يتطلب الاستقرار ولذلك ما دام الحاكم الشرعى يتمتع بالجدارة والشرعية فالخروج عليه يصبح مخالفا لاحكام الشريعة الاسلامية التى تفرض الطاعة " واطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم " . فالعالم الاسلامي اليوم فى حاجة ماسة للعمل بمنطوق هذه الآية الكريمة لضمان الاستقرار والاستمرار فى الحكم .
3 ) مشكلة المحسوبية والمنسوبية والمحاباة فى الحكم : في العديد من انظمة الحكم فى العالم الاسلامي قد يعتبر الحاكم نفسه غير مسؤول . فيتصرف وكأنه يملك البلاد والعباد . وتلعب المحسوبية والمنسوبية والمحاباة دورا بارزا فى توزيع المناصب والخيرات . فالعلاقة العائلية او الجاه والمال او اللون او الجنس او المذهب كلها قد تؤثر فى ميزان العدالة . نتيجة ذلك قلة الكفاءة فى جهاز الحكم واضرار بالمصلحة العامة التى لم تستفد من مواهب البارزين المستحقين . ومن ابرز مساوىء المحاباة فى الحكم ان البعض قد يلجؤون الى " الواسطة لنيل حقوقهم لانهم غير مطمئنين الى ان الحاكم يصغى الى مطالبهم . وفي ذلك اضعاف للثقة بجهاز الحكم . وداء المحسوبية " و " المنسوبية " والمحاباة متفش مع الاسف الشديد فى العديد من البلاد الاسلامية .
4 ) مشكلة المركزية الخانقة والبيرقراطية المفرطة : فى العديد من بلاد العالم الاسلامى يصعب على الفرد صاحب المصلحة في الجهاز الحكومي أن يبلغ مناه بسهولة . ذلك لان القضية الواحدة ينبغى أن نمر على أيد عديدة حتى تصل الى المرجع الاعلى ليست فيها . فاذا كان صاحب الحاجة فلاحا او بدويا قادما من خارج العاصمة فانه قد ينتظر الابام والاسابيع قبل أن يتسنى له مقابلة المسؤول . وما زلت اتذكر عربيا من عشائر الفرات فى العراق جاء الى بغداد ليراجع وزير الداخلية في قضية تخصه . انتظر يومين ولم يستطع مقابلة الوزير . ولما عيل صبره نظم بيتين من شعر شعبى يقول فى مطلعه :
ترضى انت تقف على الباب يومين لو أن آني وزير الداخلية ؟
فاستدعاه الوزير ونظر في قضيته فورا . فان تعدد المراجع وتعقيد المراجعات هى من مشاكل الحكم فى العالم الاسلامى . فالمسألة التى يمكن أن يبت فيها من قبل موظف كفء واحد قد تتطلب ان تمر على ثلاثة مراجع فاكثر . وفى ذلك ضياع للوقت واسراف فى التشكيلات الادارية عدا عن جعل ابناء الشعب يتذمرون من المصاعب التى يتحملونها فى سبيل المراجعات
5 ) الرشوة والفساد : يعاني الحكم فى العديد من البلاد الاسلامية من مرض الرشوة التى يتقاضاها المؤتمنون على مصالح الشعب . فلا تسير المصالح
العامة فى بعض الحالات الا بتسليم مبلغ من المال الى الموظف المسؤول . وقد يصدق هذا حتى على بعض البلاد المتقدمة فى المستوى الثقافي أو البلاد الغنية بالثروة . وقد يكون مرد ذلك الى الحاجة المادية فى البلاد المتقدمة ثقافيا والى الطمع فى البلاد الغنية بالثروة . والمهم ان تتخلص البلاد الاسلامية من هذا العار كما نرجو ان تتخلص من التسول وذلك بتحقيق مشاريع انسانية
6 ) مشكلة الصلة بين الحكومة والشعب : ان الصلة ضعيفة بين الحكومة والشعب فى العديد من البلاد الاسلامية . ففي العديد من الحالات الشعوب تقرأ وتسمع ما تريد الحكومة منهم أن يقرأوا ويسمعوا . وبعض الحكومات تسوق الشعب بالسوط وبالارهاب . هناك كبت فكرى ونفسى فى العديد من البلاد الاسلامية . الامر الذي قد يؤدى الى تفشى مرض النفاق والتزلف للحاكم او يدفع الى التآمر او الدس على الحكومة او الوقوع فريسة لمستعمر خارجى ينفذ عن طريق المنشقين . الى احتلال البلاد
قليلة هي الحكومات الاسلامية المثقفة ( بكسر القاف ) للشعب والتى تعمل دوما على تنوير الجماهير بحقائق الامور وتطلعهم على ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن فى الشؤون الداخلية والخارجية ، انها لا تدعي الكمال وتفتح أذنيها لسماع النقد النزيه والاعتراض المعقول
ان مبدأ الشورى فى الحكم وهو جوهر الديمقراطية باسمى معانيها هو ما يضمن الصلة الحميمة بين الحكومة والشعب . فمبدأ الشورى فى الحكم يتطلب استنارة الحكومة دوما بآراء ذوى الخبرة المهتمين بشؤون الشعب والذين يمثلون الشعب تمثيلا صادقا . انه يتطلب تثقيف الشعب باستمرار ، وانقاذه من ذوى الجهالة او الضلالة
7 ) مشكلة ضمان التوازن والانسجام بين مصالح الهيئات والجماعات فى الداخل والمحافظة على الاخلاقية والقانون وضمان التوازن الدولى فى الخارج ليس نادرا ان نشاهد اهمالا نسبيا للريف ومحاباة المدن فى بعض البلاد الاسلامية . أو الاهتمام بالصناعة واهمال الزراعة او بالعكس . او الاهتمام بالطبقة الموسرة على حساب الطبقة المحتاجة . او الاهتمام بابناء طائفة دينية على حساب طائفة أخرى . وهذا ما يضر بوحدة الامة ، ولذلك فالحكم فى العالم الاسلامي يتطلب عدلا شاملا وحكمة تحقق الانسجام والتوازن على قدر المستطاع .
وما يقال عن الانسجام والتوازن فى الداخل تجب مراعاته فى الخارج . اذ ليس من السهل التعامل مع أنظمة دولية مختلفة البعض منها مناهض للاسلام وللعقيدة الاسلامية وفي الوقت نفسه المحافظة على السلام وعلى القانون الدولى فالعديد من البلاد الاسلامية مضطرة ان تنحاز الى هذه الجهة او تلك الامر الذي يسبب الخلافات بين بعض البلاد الاسلامية احيانا . ومن حسن حظ الجمهورية التونسية انها من البلاد النادرة فى العالم التى توفقت بحكمة قيادتها ان تحافظ على التوازن وعلى القانون والنظام الدوليين فتكسب احترام جميع دول العالم .
8 ) مشكلة المعارضة : فى العديد من البلاد الاسلامية أحزاب او هيئات معارضة للحكم . وهذه المعارضة تكون مفيدة وضرورية فيما إذا توخت التجرد التام من الاغراض الشخصية وترفعت على الصغائر وتحلت بالروح الرياضية التى تتطلب الانصاف والتسامح ، ومن المؤسف فى البلاد الاسلامية هو أننا كثيرا ما نجد الحكومة والمعارضة وكأنهما طرفان متخاصمان فسرعان ما تستحيل المعارضة الى خصومات شخصية . والدين الاسلامي يعتبر المعارض ان وجدت ضمن نطاق الشورى . فالحكم الشورى الاسلامي يستفيد من تعدد الآراء ويأخذ بأحسنها . والدين الاسلامي يعلمنا " التواصى بالحق والتواصى بالصبر فنرى ان يكون هذا التواصى واقعيا واخويا فى كل بلاد العالم الاسلامى . فالاكثرية لا تضطهد الاقلية ولا تهضم حقوقها . والأقلية لا تغدر بالاكثرية ولا تضمر لها الدسائس . مصلحة الامة فوق مصلحة الفئات والافراد .
4) مشكلة سرعة السير : ان متطلبات الاصلاح والاعمار في العالم الاسلامي لا حد لها فكل العالم الاسلامي تقريبا يريد القضاء على التخلف . وكل دول العالم الاسلامى تقريبا تنتمى الى معسكر العالم الثالث . فسرعة السير فى الانشاء والتعمير والاصلاح قد لا ترضى المتحمسين المثاليين الذين يريدون اللحاق بالدول المتقدمة باسرع وقت وباقصر السبل . انهم يطالبون بمجاراة روح العصر التى تتسم بالتخطيط وبالسرعة وبالدقة . وهم على حق فى كل ذلك . ولكنهم قد ينسون بان طموحاتهم المشروعة تتطلب المال كما تتطلب الخبرات والاطارات واعداد الشعب لهضم حركة التقدم السريع . انهم قد يتحاملون على الحكومات القائمة وقد يتهمونها بالتقصير . لا ينكر أن بعض الحكومات قد تبطئ في سرعة السير بسبب البروقراطية والجهاز الاداري العتيق . كما ان بعضها قد يقصر في تكوين واعداد الاطارات الفنية وتهيئة
الظروف المرغبة للاطارات لان تعمل بشوق وحماس فلا تهرب من الاوطان فتمنى البلاد بهجرة الادمغة . هذه المشكلة تتطلب من الحكومات الاسلامية الاعتدال والاتزان فى سرعة السير مع التأكد من صحة الاتجاه وسلامة الطريق .
10 ) مشكلة الاشاعات المغرضة وبث روح التذمر فى الناس : هذا داء منيت به كل البلاد الاسلامية تقريبا . وقد صدق الشاعر العربى فى قوله :
ان نصف الناس أعداء لمن ولى الاحكام هذا ان عدل
فالحكم في البلاد الاسلامية معرض للتهم المغرضة والاشاعات الكاذبة من قبل أناس لم يسمعوا قوله تعالى : " يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ( الحجرات 6)
ان المسلمين عامة قد ابتلوا فى عهود التخلف والانحطاط بداء التزلف والنفاق الى الحكام ، او مهاجمة الحكومة فى المحافل الخاصة وكيل التهم الظالمه للمسؤولين بلا رحمة ولا انصاف . انها فى الغالب نزعة سلبية وهدامة ضد الدولة . فالدولة خصمه وهو لا يقصر في النيل منها او الاضرار بمصالحها فهو يتهرب من القانون والضريبة ان استطاع . هذه معضلة اجتماعية نفسية تربوية اذ انها أخذت تتسرب الى الاجيال الصاعدة . فالمهم تقوية التربية الدينية والمدنية فى المدارس والمؤسسات الثقافية ليعلم الناس وفى طليعتهم الجيل الصاعد بان الدولة هى دولتهم وانهم منها ولها . فكل ما ينسب للدولة من نقد جارح او اتهام انما يوجه لانفسنا . نحن الدولة جميعنا وكلنا مسؤولون عن الدولة . " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " . البعض يتذمر من ظروفه المادية . حقا ان تكاليف الحياة اصبحت مرهقة فى عصرنا هذا والشكوى فى هذا الباب عامة فى كل انحاء العالم . والدولة فى عصرنا هذا تبذل مجهودا لرفع المستوى المعاشى ولكن وسعها محدود ولا تستطيع أن توجد شيئا غير موجود . والاعتراض الوجيه على الحكومات الاسلامية في هذا الباب هو ان البعض منها يسرف ويبذر فى ثراوته الواسعة بينما هناك اخوان له يقاسون الفقر والجوع والمرض في العالم الاسلامي . ولنذكر قوله تعالى : " وفى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " ( المعارج )
وارجو ان نتذكر دوما بان الحكم فى العالم الاسلامي معرض دوما لما يبثه اعداء العروبة والاسلام من دعايات مغرضة ومؤامرات هدامة قد يوحون بها الى نفر من المسلمين فيقومون بها من حيث لا يعلمون .
ومما يدعو الى الاسف ان بعض الاشخاص وحتى بعض الحكومات قد تقع فريسة للاغراض الصهيونية او الشيوعية فتقوم بالتآمر او النسف او احلال الفوضى والاخلال بالامن وهى لا تدرى انها بعملها هذا تخدم المصالح الصهيونية او الاستعمارية ذلك ان الصهيونية تعتبر الخلافات بين الدول العربية هي من مقومات كيانها وعاملا من أهم عوامل بقائها
كيف السبيل ؟
ان المشاكل التى عددناها آنفا والتي تتناول الشعوب والحكومات فى العالم الاسلامى ليس المقصود منها تقديم صورة قاتمة ونظرة متشائمة حول حاضر العالم الاسلامي ومستقبله . بل على العكس المقصود شحذ العزائم وتقوية الهمم لتحمل كل منا حسب وسعه مسؤولية النهوض بالمسلمين وتوجيههم نحو مستقبل زاهر لهم وللانسانية جمعاء . ونود ان نؤكد هنا بان عرضنا بعض النقائص والمشاكل لا يقصد منه اغفال او انكار ان فى كل بلد اسلامي اليوم قادة مخلصين ومؤمنين عاملين جادين . وفى الحقيقة ان مهمة الحكم ليست بالمهمة البسيطة السهلة . فالحاكم الحريص على سلامة شعبه وسعادته يسهر الليالي ويذوب كالشمعة ليعبد الطريق وينير السبيل أمام أمته . وانا نعرف بالخبرة ان بعض الحكام فى البلاد الاسلامية قد يكونون عرضة للطعن والظلم من قبل شعوبهم المضللة بالدعايات المغرضة بلا رحمة ولا هوادة . وبعد تعداد مشاكل الحكم نود تسجيل الاقتراحات التالية لينظر فيها كل من يعنى بشؤون العالم الاسلامي :
(1) دعوة المسلمين الى العودة الى القرآن الكريم ودرسه من جديد والاخذ بالمبادىء الاسلامية فى الحكم بفكر متفتح يراعي حاجة الانسانية فى عصرنا هذا .
2 ) أن تقوم التربية فى البلاد الاسلامية بتوعية الجماهير الاسلامية بان لا فصل بين الدين والدولة فى الاسلام . وان الحكم الاسلامي يتضمن قيام الفرد بتنفيذ ارادة الله تعالى ولذلك فهو حكم على التوحيد والعدل والاخاء والرحمة . وان الشعب فى الاسلام هو الدولة . والدولة هي الشعب : بيينهما وحدة وارتباط .
3 ) ان تفهم الجماهير الاسلامية بان الطريق الى تحقيق الخير يكون بالتواصى بالحق والتواصى بالصبر و بالمعروف والنهى عن المنكر " اما الفوضى والغوغائية والعنف فانها لا تخدم مصلحة الانسان الانسان وهي ليست من الاسلام فى شئ
4 ) ان وحدة الامة والتعاطف بين ابنائها اساس لرقيها وسلامتها فالمطلوب من المعارضين المخلصين فى كل البلاد الاسلامية أن يتعاونوا مع الدولة وان يضعوا معارضتهم في خدمة الدولة لانها تستهدف مصلحة الجميع كما ان على الدولة أن تفتح صدرها للمعارضة النزيهة وتتقبل ما عندها من آراء ايجابية تستهدف الخير العام بعيدة عن الفوضى
5) ان الدين الاسلامي جاء ثورة انسانية . ثورة على عبادة الاصنام والظلم والبغي والفساد . انها ثورة بيضاء لم يكن فيها صراع وبغضاء بين الاخوة المسلمين ، فالحكومات الاسلامية كلها مدعوة لتحقيق هذه الثورة البيضاء التى تدعو الى الخير والحق وتقضى على الشر والظلم والفساد .
6 ) المأمول من الحكومات الاسلامية وهي تبني كيانها القوى الجديد ان توحد جهودها فى سبل انقاذ القدس حيث " المسجد الاقصى الذى باركنا حوله ونعمل على شد ازر الشعب الفلسطيني ليسترد حقوقه المغتصبة فى وطنه كما نرجو ان تعمل على انقاذ الشعب الارترى من براثن الاستعمار الحبشى وتعمل لحماية حقوق الاقليات الاسلامية فى الفيليبين وفي سائر البلاد الاسلامية والأفريقية .
7 ) نحن نرجو ان تقوم في العالم الاسلامي رابطة شعوب اسلامية الى جانب رابطة الحكومات الاسلامية المتمثلة فى منظمة المؤتمر الاسلامي . ونرجو ان تكون سياسة الدول الاسلامية كلها فى الداخل والخارج سياسة ترفع رأس الاسلام عاليا أمام بقية الشعوب وان تحسن معاملة غير المسلمين ليشعر الجميع بان الاسلام هو دين الانسانية جمعاء .
كل هذا يتطلب منا جميعا شعوبا وحكومات افرادا وجماعات ان نتحمل المسؤولية معا بالتكافل والتعاون . فيبدأ كل منا بتربية نفسه تربية اسلامية صحيحة مؤسسة على الايمان والفضيلة والعلم والعمل . ولنتذكر دوما قوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم "

