الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

من مشاكل المجتمع الاسلامى الحديث

Share

لقد عرفت المجتمعات الاسلامية منذ ما يقرب من ستة قرون انحطاطا مهولا شل كل طاقاتها ومواهبها واغرقها فى سبات عميق اخمد فيها جذوة التوق إلى الخلق والتجدد ولم تتمكن هذه المجتمعات من الانبعاث ومج عطلها المزمن إلا بعد احتكاكها الأخير بتجارب الغرب وإدراكها لعظمته وانطلاق آفاق حضارته فكان لهذا الاحتكاك أثر بعيد فى خلق تطورات عديدة فى صلب هذه المجتمعات نتجت عنها ظواهر مختلفة فى الفكر والسلوك ذلك ان هذه المجتمعات لما تفطنت إلى عمق الهوة التى وقعت فيها واحست بضرورة الانبعاث والانعتاق من الافلاس الذى شل حركتها التاريخية اتجهت انظارها إلى الغرب تكرع من مناهل عبقريته وتحتذى به فى كل مجالات حياتها .

وما من شك فى ان ظاهرة التكيف هذه التى سبق ان اشار إليها إبن خلدون فى مقدمته إنما هى ظاهرة طبيعية وحتمية فى حياة الشعوب التى سطا عليها التاريخ وقوض كبرياءها إذ لا يمكن لمثل هذه الشعوب ان تفلت من قيود الانحطاط وتتخلص من رواسب الجمود إلا إذا استطاعت ان تعترف بوجوب الاهتداء بحضارة موجهة " Civilisation de controle " تساعدها على حوصلة مناحى إفلاسها وهضم أسباب التقدم الصحيح .

ولا يخفى ان المجتمعات الاسلامية قد احست بهذه الضرورة إبان يقظتها الحديثة ووجدت نفسها مجبرة على الخضوع لقاعدة التكيف هذه وتمثل تجارب الغرب لكى تدحض عنها مظاهر العقم وتركز فى ذاتها مقومات الحضارة و اسباب النهوض الصحيح . فقد شعرت إثر احتكاكها الأخير بالغرب بضآلة مكاسبها وعمق انحطاطها وادركت إدراكا جليا زيف القيم التى تعيش عليها وتهتدى بهديها فكان نتيجة لهذا الادراك ان احتضنت حضارة الغرب واخضعت حياتها لمقاييس وقيم جديدة خارجة عن إطارها التاريخى .

والناظر فى حال هذه المجتمعات بعد أن تبنت الحضارة الغربية أو بالأحرى اكرهت على تبنيها يرى أنها قد بدأت تتنكر لما يسمى بقيم السند " Valeurs de reference " وتنزع الى العزوف عن ماضيها والافراط فى الاعراض والنقد

لكل ما ينتسب لهذا الماضي فقد دكت اليوم كل القيم الموروثة دكا وتقلص اشعاع المبادى الاسلامية تقلصا نتيجة زحف الفلسفات المادية واشعاع الحضارة الغريبة المقامة على اسس مادية . كما تفجرت كل الهياكل الثقافية التى الفها العالم الاسلامي واصبح التاريخ الاسلامى مثلا بما فيه من آداب وفلسفات ولغة وفنون اصبح صفحة ميتة تقرأ ولا تحرك النفس او يتفاعل معها السلوك والوجدان بل لعلها لا تقرأ ولا يعرف ما تضمنته سطورها ولكنها لا تفلت رغم ذلك من النقد والاحكام المجحفة المستوردة التى اعتاد ان يرددها زعماء الاستشراق وهذا دليل على ان هذه المجتمعات قد افرطت فى النقد الذاتى ومحاسبة النفس إلى حد أن طلقت هذه الذات ومجت هذه النفس بل لعل ذلك يدل على أنها لم تتعلم النقد واصوله ولم توفق إلى الحكم الصحيح على تاريخها وإنما وقفت هذا الموقف تحت ضغوط نفسيه جاءت نتيجة افراطها فى تقدير الغرب وعدم إلمامها بقيمة ماضيها .

ولبس بدعا ان تبدأ الثورات وحركات التجدد بالثورة على النفس وطرق الذات طرقا قويا حتى ينفض عنها الغبار الذى يتأكلها وحتى يصفو جوهرها . فأزمات النمو تبدأ كلها بل من الحتم أن تبدأ بتشييع الطرف إلى الزاد الحاصل وتقييمه تقيما علميا دقيقا حتى يقع التفطن إلى كل اسباب العطل . كما لا يمكن لهذه المجتمعات ان تبنى حضارة ما لم تؤمن بضرورة مراجعة تاريخها

بكل وجوهه ومحاسبته حسابا عسيرا حتى تشعر بنقصها وضآلة مكاسبها وتعى وعيا ذكيا جوهر مشكلتها ثم حتى يساورها قلق المصير وتنمو فى ذاتها شهوة التحدى لصعاب الخلق والانشاء إلا ان هذه المحاسبة وهذا النقد الذاتى الذى اعترفنا بقيمته لا بد ان يخضع هو نفسه لشروط عقلية محددة حتى توجد المبررات العلمية لمثل هذا العزوف ويقع ضبط مواطن القوة الكامنة فى صميم هذه المجتمعات . فالتطور الحق لا يعنى حتما نفى الماضى والتنكر له والانفصال عنه وإنما هو الأخذ بما هو اصيل من هذا الماضي وصياغته فى لغة

واسلوب العصر وبعثه بعثا حيا ليكون أساسا لتجربة حضارية جديدة تتسع لكل التجارب الانسانية الاخرى فى غير اكتضاض وفوضى وتمتد أصولها فى ثبات وعمق الى أبعاد الماضى دون تحجر وانغلاق فى الرؤية . وهذا ما نبه إليه " جاك بارك " وأشار اليه من قبل مالك بالنبئ فى كتابه : " وجهه العالم الاسلامى " Vocation de l' islam " عند ما تحدث عن فكرة الأصالة فى الحضارة " I'authenticite " وضرورة الربط بين الماضى والمستقبل لكن جل المجتمعات الاسلامية لم تنتبه إلى قيمة هذا الربط ولم تتفطن إلى تأثير هذا الاهمال فى تعثر جهودها الحالية ومظاهرها وإنما اندفعت اندفاعا مبهما إلى احتضان حضارة الغرب وتشرب مذاهبه وقيمه وقد بهر بصرها نوره الساطع ومزقت وجدانها مركبات النقص العديدة الناتجة عن امتنانها لقيمة ماضيها .

وهكذا بمثل هذا التصور الخاطئ لقيمة هذا الماضى وبمثل هذا التمزق

الداخلى الناتج عن هذا التصور امتدت انظار المجتمعات الاسلامية إلى الغرب واتسعت آفاقها لحضارته بحثا عن اسباب النهوض والخلاص من القيود التى كبلت سعيها قرونا طويلة .

وما من شك فى ان لهذا الاتجاه تأثيرا كبيرا فى تطور هذه المجتمعات وتفطنها لسبل التاريخ الحق لان الاحتكاك بالغرب هو الذي فجر بعمق مأساة المجتمع الاسلامى وقصف بأوهامه قصفا لكن المتأمل فى حال هذه المجتمعات وهي تجهد نفسها على هضم حضارة الغرب يرى انها لم تتمكن من استثمار هذا العطاء الانسانى استثمارا صحيحا ولم توفق إلى فهمه وتحليله تحليلا سليما يساعدها على استيعاب وهضم أسباب النهوض الصحيح .

ذلك ان هذه المجتمعات قد وجدت نفسها امام عمل إنسانى ضخم جاء نتيجة خصائص إنسانية متفوقة امتاز بها الانسان الاروبى واكتسبها بعد سعى شاق وثورات فكرية واجتماعية عديدة مهدت لظهور هذه الحضارة التى امتد اشعاعها اليوم إلى كل بلاد العالم . وما من شك فى ان التكافؤ الموجود بين الانسان الاوروبى وحضارته هو الذى اوجد هذا التوازن الذي نلمسه فى البلدان الغربية وكذلك هذا التكافؤ هو الذي يفسر قدرة الانسان الاروبى على إثراء تجربته وتجاوز واقعة فى يسر وثبات . بل إن وجود الحضارة الغربية وتماسكها على مر السنين لا يمكن ان يفسر إلا بوجود هذا التكافؤ اى باكتساب خصائص فكرية واخلاقية وفنية معينه مكنت الغرب من السيطرة على قوانين الطبيعة وإخضاعها لمنطق الانسان لان الحضارة في معناها الحق ليست الا حاصل التصادم بين خصائص فكرية واخلاقية معينة وبين وجود مادى محكوم بقوانين معينة اى هى نتيجة فعل الانسان المتميز بهذه الخصائص فى الكون وحاصل سعيه للتحرر من قبضة قوانينه .

وقد قلنا من قبل ان المجتمعات الاسلامية لابد لها فى مرحلتها الحالية من التفتح واستثمار حضارة الغرب لكى يمكنها الاندراج فى سلك التاريخ الصحيح واكتساب مقومات الحضارة الحق . وهذا العمل وان كان لا يعنى الخلق والابداع لانه خلو من قلق والم الابداع والمخاض فانه يحتاج هو كذلك الى اكتساب خصائص معينة يمكن ان نسميها اخلاقا حضارية لكي يوجد توازن او تكافؤ بين هذه الاخلاق وبين هذا العطاء الانسانى الضخم الذى فرض على هذه المجتمعات ان تتمثله . فالتمثل والهضم يحتاج هو نفسه الى مزايا انسانية معينة واستعداد ذاتى خاص لابد منه . ولا يخفى ان المجتمع الاسلامى الذى فرض عليه اليوم ان يتعامل مع حضارة الغرب لا يملك هذه الخصائص والمزايا التى اشرنا اليها بحكم واقعه التاريخي وما تسلل الى كيانه على مر عصور انحطاطه من اسباب الجمود والتبلد . ومن هنا جاءت ازمة العالم الاسلامى وضياعه الحالى وهو يجهد نفسه على تجاوز تناقضاته المؤلمة .

ومن هنا كذلك تتضح لنا مشكلة هذه المجتمعات المتمثلة فى وجود تناقض كبير بين مزاياها وخصائصها الانسانية المتخلفة وبين معنى الحضارة الكبير وتشع واتساع افاقه .

ويبدو ان هذا التناقض الذى اشرنا اليه هو الذي جعل جل المجتمعات الاسلامية تقف عند حد الاقتراض للحضارة الغربية دون ان تعمل على اكتشاف مقوماتها فى ذاتها وتجاوز مرحلة الاخذ والتواكل الى مرحلة الخلق والابداع فهى الى حد الآن تتلقى الابداع كسلعة جاهزة دون ان تنطلق من نفسها موهبة الابداع وتستهلك حضارة الغرب دون أن تحرر فى ذاتها الطاقة التى تنجب الحضارة وهذا يدل على ان هذه المجتمعات قد اتخذت من هذا الاقتراض هدفا

لها دون ان تدرك ان الاستهلاك انما هو وسيلة حتمية لبلوغ طور الخلق والاسهام فى تجربة الانسان التاريخية . فنحن نعلم ان الشعوب التى اتسعت آفاقها للفلسفات والتجارب الحضارية الاخرى الزاحفة اليها من وراء حدودها الجغرافية والنفسية والفكرية انما كانت تهدف بذلك الى خلق بذور الحضارة فى نفسها . فقد اقترضت مثلا الشعوب الاسلامية من قبل حضارات امم اخرى وتمثلت المجتمعات الغربية حضارة الاسلام لكى يكون ذلك أساسا لبعث حضارى جديد له مميزاته وطرافته . والشعوب التى تقف عند طور الاقتراض السلبى وتستعير دون ان تستفيق فى ذاتها موهبة الابداع تعيش دوما عيش العطاء والسؤال ويتأصل فى اعماقها روح الاتكال الذى يقتل فيها كل المواهب ويطمس وجودها طمسا .

والمجتمع الاسلامى اكتفى حتى الآن بتبنى الحضارة الغربية وسلوك مسلك الاتكال فى تعامله مع الغرب دون ان يتحول الى خالق فى اى مجال من مجالات الخلق . بل انه عرف فى كثيرا من الاحيان عسرا فى الهضم جعله يخلط بين الجوهر والعرض ولا يوفق الى صهره وتمثل العناصر الدخيلة على كيانه وهذا كله من شأنه ان يحبط جهود هذه المجتمعات للخروج من المأزق الذى وقعت فيه والانطلاق بسرعة الى آفاق الحضارة الصحيحة . ولا يمكن أن ينجو المجتمع الاسلامي من هذه المزالق التى تعرضنا لها الا اذا أدرك أن الحضارة ليست تبنيا وانما هي فى حقيقتها ولادة وخلق وكذلك الفرد على مستوى معين فلا يمكن ان يتم إذا هذا الخلق الا اذا حدث تجدد عميق فى تفكير الانسان المسلم ونظرته للحياة اى اذا حصل تجدد واضح شامل فى قيمه الفكرية والاخلاقية والشعورية .

ومن هنا نرى ان العمل الذى يترقب هذه المجتمعات انما يتلخص فى تخليص الانسان المسلم من رواسب الانحطاط التى تراكمت فى اعماق ذاته وخلق مناخ فكرى واخلاقى ونفسى جديد يساعده على هضم حضارة هذا العصر والاسهام فى فتق حجب الكون والسيطرة على قوانينه . وهذا بالضبط ما وقع الاهتداء اليا فى تونس منذ ان امتلكها الشوق الى سبل الحضارة الحق وانبعثت فى

اعماقها حوافز التجدد والخلق . لكن معظم المجتمعات الاسلامية الحديثة قد قصرت عن ضبط معنى التخلف وأسبابه وحولت مشكلة الانسان الى مشكلة نظام فاصبح معنى التقدم مقترنا فى نظرها بوجود نظام معين . والحقيقة ان الحضارة لا تشترط لنفسها نظاما خاصا لابد منه . فنحن نعلم ان المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية فى اوروبا وكذلك المجتمعات التى تبنت النظام الجمهورى والنظام الملكى قد بلغت كلها مستوى رائعا فى التقدم العلمى

والانسانى كما اننا نعلم ان روسيا نفسها لم تتمكن من الوصول الى هذا المستوى من التحضر والتقدم العلمى الرائع الا بعد ان استغلت تجارب الغرب واستوردت اسباب الحضارة من اوروبا الغربية . ولا يمكن باى وجه من الوجوه ان يعزى هذا التقدم الذى نلمسه اليوم فى روسيا الى الثورة الاشتراكية وتبنى النظام الشيوعى لان وسائل هذا التقدم اتت جاهزة من بلدان اخرى ثم لاننا نشاهد اليوم مثل هذا التقدم فى بلدان اخرى لم تعمد الى اختيار هذا النظام . وهذا يعنى ان التقدم وبناء الحضارات لا يرتبط بنوع النظام الذى يقره المجتمع بل هو فى جوهره متصل بالانسان ومقدار استعداده الفكرى والنفسى والاخلاقي لفرض منطقه على الكون والتحكم فى نواميسه .

وهكذا بعد ان استعرضنا بعض المشاكل الكبرى التى تعيشها المجتمعات الاسلامية الحديثة يمكننا القول بان هذه المشاكل إنما تشير فى جوهرها الى حدوث تطور كبير فى واقع هذه المجتمعات وان هذه الازمة التى يجتازها العالم الاسلامى الحديث انما هي أزمة نمو لا بد من عبورها وتذليل صعابها . ولا يمكن ان يحدث ذلك الا اذا أدى مفكرو هذه المجتمعات رسالتهم الحق وخرجوا من عزلتهم لكى يعالجوا مشاكل الحضارة التى لها تأثير بعيد على مستقبل العالم الاسلامى ويساندوا جهود رجال السياسة فى هذا الميدان .

اشترك في نشرتنا البريدية