مما قرآناه عن سويسرا انها تنفرد دون غيرها من البلاد الأوربية بفضائل منها أنه ليس ثمة موزعون للصحف والمجلات بل إن دور النشر فيها اعتادت ان تضع ما تخرجه من جرائد ومجلات يومية كانت أسبوعية أو شهرية فى جهات معينة وان تزود كل جهة منها بخزانة ( حصالة ) فيأتي الرجل العادي وغير العادي ويتناول صحيفته المفضلة ثم يلقي بقيمتها فى الحصالة وينصرف دون أن يكون ثمة حارس أو رقيب فإذا ما قامت هذه الدور فيما بعد يجرد حسابها لم نجد فرقا بين ما دفع من النقود وما أخذ من الصحف .
وقد ساقت الصحف التى نشرت ذلك عن السويسريين على انه مثل رائع للامانة . ولما كان العرب هم أول من تمسكوا بهذه الفضيلة فى معاملاتهم حتى لقد غدت من أبرز مميزاتهم فأنني أود هنا أن اسوق مثلا لما شهدته من هذا القبيل فى رحلتى الى مقاطعة عسير وتهامة فقد اتيح لي ان اجتمعت ذات يوم بعدد من المشايخ هناك في دار احدهم فلفت نظري آن كثيرا من الاشخاص كانوا يقصدون جابية واقعة بالقرب من الدار وهم يحملون أوعية تحتوى على كميات من الذرة ثم يفرغونها فى تلك الجابية ويعودون من حيث اتوا فلما استوضحت عن الآمر علمت بانه قد جرت العادة بأن يقوم المشايخ ومن اليهم من كبار المزارعين فى مواسم الحصاد بخزن كميات كبيرة من الحبوب في جواب يحتفرونها تحت الارض حتى اذا ما أصاب البلاد قحط أو جدب يعمدون الى فتح هذه الجوابي ويسمحون للفقراء والمحتاجين أن يأخذوا ما يشاءون منها فيأتي هؤلاء ويأخذ كل منهم ما هو في حاجة اليه دون رقيب او حسب يسجل ما تناوله حتى ينتهى المخزون فى هذه الجوابي - ومتى
ما حل موسم الحصاد أعاد أولئك الاشخاص ما كانوا قد أخذوه فتمتلئ الجوابي كما كانت من قبل دون أن ينقص شئ بل قد يزيد عن الكميات التى كانت تحتويها . وصغار المزارعين فى تهامة إذ يفعلون ذلك فهم ليسوا مدفوعين اليه بغير الأمانة والوفاء للدين فاذا قارنا بين هؤلاء المزارعين وأولئك السويسريين الذين اشرنا فى صدر هذه الكلمة الى ما يروى عنهم نجد أن كفة التهاميين تعلو على الكفة الأخرى وترجح ، لأن هؤلاء لم ينالوا شيئا من المعرفة والتعليم بل مازالوا على سليقتهم الأولى حالما أن أولئك قدنانوامن المعرفة اعلى مراتبها حتى قيل إن الجريمة تكاد تكون هناك معدومة نتيجة لتسلح السويسريين بالعلم ضد النزوات الخبيثة الضارة بسلامة المجتمع . ثم إن التهاميين فى فقر مدقع بحيث لو أقدم أحدهم على انقاص شئ عما أخذه لكان هناك دافع قوى تنكبه طريق الامانة وهو الفقر والحاجة ولكنهم أمناء بطبعهم . والسويسريون من أغنى الشعوب الأوربية على ما علمنا فلا عذر لهم من هذه الناحية - ولذلك اننا نعتقد ويشاركنا القراء هذا الاعتقاد أن أمانة هؤلاء البسطاء السذج من أهل تهامة وعسير تفوق ما نقرأه عن أمانة السويسريين وغيرهم . ثم إن للحادث الذي رويناه دلالة اخرى غير الأمانة والوقاء للدين ، وهي رعاية كبارهم - للصغار ، وإعانتهم إياهم فقد كان فى وسع اصحاب هاتيك الجوابي المملوءة بالحبوب أن ينتهزوا فرصة اشتداد الحاجة اليها فيبيعوا ما اختزنوه باثمان مرتفعة ليزيدوا بذلك فى ثرائهم على حساب هؤلاء الفقراء من أبناء جلدتهم كما هو الحال في الحواضر إبان اشتعال نار الحرب العالية الاخيرة ولكن أخلاق هؤلاء العرب من المتانة حيث تمنع أغنياءهم من أن يكونوا اثرياء قحط كأثرياء الحرب أو ان يقيموا أسواقا سوداء كالتى قرأنا عنها فى البلاد التى خاضت نار هذه الحرب الضروس .
ونحن إذ نشيد بأمانة هؤلاء التهاميين فى معرض المقابلة بينها وبين ما يروى عن السويسريين من هذه الجهة فانما نشيد بذلك مدفوعين اليه بدافع الاعجاب والتقدير لهذه الفضائل الكريمة

