منذ ان اختارت عدة أنظمة سياسية السبيل الاشتراكية في البلدان الحديثة العهد بالاستقلال للنهوض بهاته البلدان كثر ترديد عبارة " الثورة في التصريحات والكتابات ، حتى ركب البعض ممن يرددون هذه العبارة نوع من الكبرياء وركب البعض الاخر نوع من النقص فأخذوا يتسابقون الى التظاهر بالمزيد من " الثورية " . وقد وقع الحديث بمناسبة احدى التجمعات الافريقية التى لم تعمر طويلا عن " افريقيا الثورية " بالمقارنة مع " افريقيا الهادئة " Moderee كما صنف بعضهم بلدان العالم العربى الى " بلدان متحررة " وأخرى غير متحررة ، وذهب حتى الى اعطائها أرقاما قياسية . أما نحن فى تونس فاننا لم تاخذنا هاته النوبة والحمد لله بل واصلنا وما زلنا نواصل طريقنا بكل هدوء ورصانة فى ثورتنا الاصيلة العميقة الجذور البعيدة الاهداف رائدنا فى ذلك الاعمال لا الاقوال معتقدين أن الحكم على أية سياسة انما يكون بالنتائج
فما هى مفاهيمنا للثورة ؟ وما هو محتوى ثورتنا ؟ وما هى الخطوات التى قطعناها فى هذه السبيل والتي بقى علينا قطعها ؟ هذا ما سنحاول الاجابة عنه مع الاعتقاد ان الجواب سوف لا يكون مستقصيا لما للموضوع من جوانب متعددة متصلة بجميع نواحى الحياة الدائبة .
هناك حقيقة أصلية أولى يجدر ابرازها بأدى ذى بدء وهى أن ثورتنا ليست وليدة الاستقلال اذ هي اجتاحت جميع نواحي الحياة واخذت تاتى على مخلفات الاستعمار وعهود الانحطاط الذى سبقه ، بل ترجع بذورها وأصولها الى 30 سنة خلت عندما انتظمت الجماهير الشعبية فى الحزب الحر الدستورى ودب فيها وعى جديد هز أركان الاستعمار وقلص ظله من البلاد وفتح الابواب أمام حياة الكرامة والعزة والازدهار
وهناك حقيقة أصلية ثانية من الحق الاعتراف بها وهى أن باعث ثورتنا والساهر على سيرها هو قائد الحزب المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة الذى خلق ذلك الوعى وغذى ، ولا يزال ، الحماس الشعبي باتصاله المباشر وبتوضيحه المطرد للطريق
وهناك حقيقة أصلية ثالثة وأخيرة - وليست آخرة - وهى أن ذلك الرجل
قد اصبغ على ثورتنا طابعه الخاص ، وهو الطابع البورقيبي الذي دخل التاريخ والذى يكون مزيجا من التمسك بالاهداف والمبادئ ومن اللين فى الطريقة ومراعاة الواقع .
والآن ما هو معنى الثورة فى مفهومها العام ؟
ليس فى ما قرأت وطالعت أبلغ وأقوى من هذا التعريف للشاعر الفرنسى (فيكتور هوقو ) لعبارة الثورة اذ قال : " الثورة هى فورة غيظ الحقيقة . . والمعنى الثورى معنى أخلاقى . . ذلك أن الاحساس بالحق يولد الاحساس بالواجب . . وليس ثمة ثورة الا الى الامام وكل حركة الى الوراء هي شر " . ان هذه الجمل على اقتضابها تحتوى على كافة معاني الثورة والقيم التى تنبع منها . وأولى هذه القيم هى الحقيقة ، والحقيقة المقصودة في هذا الشأن هى تلك التى تتعلق بالانسان وهى التى تأبى أن يكون شعبا ما مطية للاستعمار والاستبعاد والاستثمار من طرف شعب آخر وان تكون انسان ما عبدا لانسان آخر ، وثانيها هو أداء الواجب عند الاحسان بالحق ، وثالثها هو التقدم المطرد للانسان والمجتمع على حد السواء
فالثورة حينئذ هى قلب للاوضاع . على أنه ليس كل قلب للاوضاع ثورة . فالانتفاضات والفتن مثلا ليست من الثورة فى شىء . ولا يكون قلب الاوضاع ثورة الا اذا اقترن بمثل شريفة وأغراض شريفة . وكل ثورة مع وجوب تبنيها من طرف قائد بمفرده أو بمعية قلة من مناصريه ، لا تكون لها فاعلية ولا يكتب لها النجاح الا اذا تفاعلت مع الجماهير الشعبة ووعت الامها واستوحت أهدافها من أمانيها . ولا يشترط فى الثورة أن تكون دموية مبنية على قوة الحديد والنار ولو أنه فى بعض الاحيان قد تضطر الى ذلك في بداية انطلاقها ، اذا عاكستها قوة مادية تحاول عرقلة سيرها ، بل الاصل فى كل ثورة حقيقية أن تكون نابعة من القلوب ومن النفوس ومن العقول بغية تحقيق حياة أفضل تتوفر فيها الكرامة والازدهار
وبعد ذلك هل بقى من شك فى اصالة ثورتنا ؟ انها ثورة شاملة أتت عل الاستعمار والقهر والاستغلال ثم أخذت تقلب الاوضاع وتأتي على مخلفات هذا الاستعمار الذى دام ثلاثة أرباع قرن واورث ما أورث من تخلف اقتصادى وتدهور اجتماعى . واكثر من ذلك كله انها ثورة عميقة بدأت في تغيير مقاييس الحياة ونظرة الفرد الى المجتمع وغرس الفكرة الاشتراكية - بل العقيدة الاشتراكية - التى بدونها ليس للحياة الكريمة معنى ولبس للتقدم مجال .
بدات الثور التونسية ، كما ذكرنا ، على يد المجاهد الاكبر الحسب بورقيبة عندما اكتشف الداء الذى جعل الشعب التونسى ضحية للاستعمار بما أظهره
من استسلام للظلم وبما ركبه من يأس كاد يذهب به الى الفرنسة . فكانت " فورة غيظ الحقيقة " . وتولد عن احساس المجاهد الاكبر بالحق احساس بالواجب . وثارث ثائرته ففضح الباطل واعلن الحق ونشر الوعى وبعث الامل فى النفوس . فتجاوب معه الشعب الذى وجد فيه الطبيب المداوى والتف من حوله وانتظم فى الحزب ودخل النضال . . وبعد ربع قرن من الكفاح السياسى أحيانا والدموى أحيانا أخرى كلل هذا الكفاح بالنصر وتوج بالسيادة والاستقلال .
واستمرت الثورة اذ لم يكن الاستقلال غاية فى حد ذاته بل وسيلة لقلب الاوضاع الفاسدة تلك الاوضاع التى لم تكن نتيجة لعقود من الاستعمار فحسب ، بل لقرون من الانحطاط أيضا ، ذلك الانحطاط الذى نخر عظام الامة وجمد عقولها وجعلها طعم الاحتلال وحال دون العدالة الحقة وأسباب الحضارة والتطور
وفعلا قد ورثنا عن عهد الاستعمار والانحطاط أوضاعا تتصف بالاختلال الذي شمل جميع مظاهر الحياة وجميع ميادين النشاط . فهناك اختلال بين عدد السكان والثروة ، واختلال بين مختلف القطاعات واختلال بين جهات الجمهورية ، واختلال بين امكانيات الثورة وما تهبأ لها من أسباب استثمارها كحسن التدبير والاطارات الضرورية . وأمام هذا الوضع الخطير والمهدد لمستقبل البلاد ولحرية الفرد ، تحتم علينا العمل ووجب علينا اصلاح ما افسده الدهر ، فبدنا بالوعى والاقتناع لانه لا حرية حقيقية ما دامت نسبة المحرومين نبلغ ثلثى المجتمع . واعتبرنا هذا الوضع مدعاة للثورة ، لا على الذين يملكون الثروات الطائلة بل على الاسباب التى جعلت الشعب التونسي يصل الى هذه الحال . فضبطنا أهدافا معينة كرد فعل على هذه الاوضاع الموروثة الفاسد واخترنا طريقة التخطيط الاقتصادى لمجابهتها . ولم يكن تخطيطنا اقتصاديا بحتا يهدف الى توفير الانتاج بصفة مجردة بل اجتماعيا أيضا يرمي الى العدالة وتدعيم الحرية الحقيقية الفردية والجماعية
ومن هنا جاء اختيارنا للاشتراكية كمذهب لنا فى الحياة . الا ان اشتراكيتنا تمتاز عن غيرها من الاشتراكيات الاخرى بأنها لم تفرض بقوة الحديد والنار ، ولم تدع الى الحرب بين الطبقات ، ولم ترم الى سيطرة الدولة على جميع القطاعات الاقتصادية ، بل انها ترتكز أساسيا على نظرة جديدة الى الحياة والمجتمع ونظرة الانسان الى نفسه باعتباره مواطنا متضامنا مع غيره كما انها ترتكز على الايمان بالعلم والتخلص المتدرج والسريع من جميع المعتقدات البالية التى تحول دون التقدم الذى هو الغاية الاساسية لحياة البشر
هذه بايجاز ثورتنا المتواصلة الحلقات العميقة الجذور والبعيدة الاهداف . فمن مقاومة الاستعمار في الماضي الى تغيير الاوضاع فى الحاضر والى التقدم المطرد في المستقبل . وقد توخت وتتوخى دائما الطريقة البورقيية لبلوغ أهدافها تلك الطريقة التى سمتها الجرأة والرصانة فى آن واحد ، وميزتها النظر البعيد والواقعية على حد السواء . ونحن لم نتجاهل المرحلة الحالية التى قال عنها المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة انها " أصعب ما سابقاقتها لان سبلها أقل وضوحا ولانها تتطلب تغييرا فى طرق التفكير وفي النظر الي الامور " وهذا ما يعبر عنه بالجهاد الاكبر أى جهاد النفس ومغالبتها . ولكننا مع هذا واثقون من اننا " وفرنا بطريقتنا الدستورية المرنة الحازمة فى الوقت نفسه اسباب الانتصار الاقتصادى والاجتماعى الذى سيخلصنا من التخلف كما تخلصنا سابقا من الذل والاستعباد "
وما علينا الا مواصلة السير وسيكون النصر دوما حليفنا لانه :
اذا الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر

