الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

من موضوعات عدد الشعر الخاص، ورد متأخرا, الشعراء، الذين تأثرت بشعرهم

Share

كثيرهم الشعراء الذين أحببتهم وأعجبت بهم ، ولست أزعم أنى تأثرت بواحد منهم تأثرا خاصا فيما صدر عني من شعر ونثر ضئيل المحصول زهيد القيمة . لأني لا أدعي لنفسي منزلة في الشعر تضعني في صف الشعراء الذين يتميز شعرهم بطابع خاص وسمة واضحة الملامح .

ولعلى لا أظلم نفسي ولا أخدع القارىء الكريم إذا أنا أعلنت هنا بأن قرضى للشعر لم يكن سوى نزوه من

نزوات الشباب كانت بمثابة صدى للمحيط الذي اندمجت فيه عندما كنت طالبا في الأزهر ودار العلوم ، فقد كان هذا المحيط حافلا بالشعراء الناشئين وميدانا فسيحا لهواة الأدب من الطلاب المصريين والشبان الوافدين على مصر للدراسة فى معاهدها العالية من أبناء الأقطار العربية ، ولما كنت واحدا من هؤلاء الشبان فقد جذبني ذلك التيار الصاخب الى زمرة الشعراء والمتشاعرين وخضت عبابه مع الخائضين . ثم لم ألبث أن شعرت

بقصر نفسي دون مباراة فرسان هذه الحلبة ففضلت - بعد أن جربت فى الشعر حالي - فضلت أن أنـهزم مع صاحبى الذى فرق الهيجاء . ولكن بعض الاصدقاء . سامحهم الله . أمسكوا بتلابيبى حينا من الدهر . وأبوا إلا أن يسلكوني فى زمرة الشعراء أو المتشاعرين لا أدرى . ولو أنصفوا لعلموا أن دعوى الشعر التى ينسبونها إلى ما هى الا كدعوى آل حرب فى زياد على انى إذا انكرت دعوى الشعر وما اليها فلست انكر

أن بعض الشعراء العبقريين قد استطاعوا أن يجذبونى بسحر بيانهم الى ورود عن محل الادب الرفيع وان يحببوا إلى دراسه الشعر وتذوقه واقتناص أوابده وفرائده . ولا شك أن مصاحبتى لهؤلاء الشعراء قد أثرت في ذوقي وميولى الأدبية وربما كان لها صداها فيما صدر عني من شعر ونثر متواضعين . بل ربما كان اعجابي باولئك الشعراء أبعد أثرا في شبابي بما حببه إلى من المثل العليا للرجولة الكاملة والاخلاق الكريمة وبما أججه بين جوانحى من هيام واعتزاز بأمجاد العروبة والاسلام .

واذ  كان المقام لا يتسع لاستيعاب الشعراء الذين أحببتهم وأعجبت بهم فاني ساقصر كلامى هنا على شاعرين منهم فقط ، أحدهما من أعلام المتقدمين والآخر من اعلام العصر الحديث . أما الشاعر المتقدم فهو أبى الطيب المتنبى وهو أول شاعر أعجبت بروعة شعره وعبقرية مواهبه لأني وجدت فيه الروح الذى يتجاوب مع طموح الشباب وآماله وأمانيه . والوقود الذى يمد عزيمته بالقوة والاقدام . ولاغرابة فى ذلك فالمتنبى شاعر الشباب والفتوة لأنه الشاعر الفارس الطموح الذي يملأ القلوب والأرواح بروعة شعره وعبقرية مواهبه وعلو همته وبعد مطامحه وترك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنـمله الشعر . ثم هو فوق ذلك كله الشاعر الذى حمل شعره الى الاجيال والقرون رسالة العروبة الزاخرة بالحياة والعزة والكفاح فأصغي إليها العالم ورجعها

الدهر ترجيع إعجاب وإكبار فاذا هو كما قال :

وما الدهر إلا من رواة قصائدى

إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا

أجل إنه الشاعر الذى رفع صوت العروبة عاليا منذ أكثر من ألف عام وأهاب بالعرب الأحرار أن يحطموا أصفاد الذل والاستبعاد وأن يثوروا على سلطان الأعاجم المتغلبين عليهم . وها هو ذا شعر المتــنبى بين ايدينا ينبض بهذا الروح العربى النبيل . وها هي ذى شخصيته الفذة تطالعنا من مرآة شعره بوجه عربى أصيل ونفس أبية توافقة الى المجد نزاعة الى السيادة . وان هذه الشخصية

القوية لتتجلى فى كل قصيدة من قصائده واضحة السمات والملامح , معتزة بعروبتها مسدلة بعبقريتها , وان أضواءها المشرقة لتكاد تطفى على كل شخصية تقف تجاهها . حتى تلك الشخصيات الكبيرة التى مدحها المتنبى ، لم تتضاءل شخصية المتنبى أمام واحد من هؤلاء ولو كان ملكا عظيما أو أميرا جليلا . بل إنه ليعد نفسه ندا لهم ونظيرا . استمع اليه وهو يخاطب ملك مصر الاخشيدى بقوله :

فارم بي ما أردت مني فانى

   أسد القلب آدمى الرواء

وفؤادي بهر الملوك وان كا

   ن لساني يرى من الشعراء

وتأمل مافي هذين البيتين من طموح واعتداد بالنفس . ثم اصغ اليه اذ ينشد أبا العشائر صاحب انطاكية - قوله :

شاعر المجد خذله شاعر اللفظ

كلانا رب المعاني الدقاق

لم تزل تسمع المديح ولكن

صهيل الجياد غير التهاق

بل أصغ إليه وهو يعاتب سيف الدولة ممدوحه المفضل على كل ممدوح . وانظر كيف يتحدى المتنبى رجال حاشية سيف الدوله والمقربين اليه وكيف يدل بفضله ومواهبه اذ يقول :

يا أعدل الناس إلا في معاملتى

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

أعيذها نظرات منك صادقة

ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع اخي الدنيا بناظره

إذا استوت عنده الانوار والظلم

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بانني خير ما تسعى به قدم

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

أما اعتزازه بعروبته وفخره بشرف نفسه وكرم محنده فالأمثلة لذلك كثيرة فى شعره وحسبنا منها هنا قوله :

لا بقومي شرفت بل شرفوا بي

وبنفسي فخرت لا بجدودى

وبهم فخر كل من نطق الضاد

وعوذ الجاني وغوث الطريد

وقوله :

وإنما الناس بالملوك وما تفلح

عرب ملوكها عجم

لا أدب عندهم ولا حسب

ولا عهود لهم ولا ذمم

وأما أبياته الحافزة إلى العزة والاباء والطموح والاقدام فاكبر من أن تحصر هنا وحسبنا الأبيات التالية مثالا لذلك :

عش عزيزا أو مت وأنت كريم

بين طعن القنا وخفق البنود

لا كما قد حييت غير حميد

واذا مت غير فقيد

وقوله .

إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير

كطعم الموت في أمر عظيم

تلك صوره مجمله للشاعر الذى ابرية على الشعراء المقدمين قاطبة على كثرة المجيدين منهم والمبدعين أما الشاعر الذى أوقره على شعراء العصر الحديث جميعا لافتتانى بسحر بيانه واعجابي بخصب خياله وبراعة تصويره وإجلالى لمثله العليا وإكبارى لنبل عاطفته تجاه وطنه وتجاه العالمين العربى والاسلامي - فهو احمد شوقي زعيم المجددين فى العصر الحديث بما نظمه من عيون الشعر الرصين فى كل فن من فنونه وبما ابتدعه فى الشعر العربى من المسرحيات الخالدة التى لم يقرعها أحد قبله .

وبما سجله من الملاحم والقصائد الرائعة لاحداث العالم الكبار ولمظاهر الحضارة والتقدم فكان بحق أمير الشعر العربى . أجمع على إمارته أعلام البيان فى عصره وبايعوه بها فى مهرجانه العظيم وسجل هذه البيعة شاعر النيل الكبير أروع تسجيل فى قوله :

أمير القوافي قد أتيت مبايعا

وهذى وفود الشرق قد بايعت معي

وإذا كان أساطين البيان قد بايعوا شوقي  بإمارة الشعر فان من حقه أيضا أن يلقب بشاعر العروبه

والاسلام ، لما أشاد به من مآثرهما وما سجله من احداثهما حتى ليكاد يكون شعره سجلا حافلا بأمجاد العروبة والاسلام وشريطا ناطقا بما جرى فى العالمين العربى والاسلامي من الاحداث الكبار . ولذلك لم يكن غريبا ان يتجاوب صدى شعر شوقي فى المشرقين وان يتغنى به الناطقون بالضاد فى كل قطر من اقطارهم ، لانهم وجدوا فيه صورا ناطقة بأمجادهم وأحسوا فى نبراته نبض آلامهم وآمالهم . فكان كما قال .

كان شعري الغناء في فرح الشر

 ق وكان العزاء في أحزانه

ولقد أحسن شوقي ايما إحسان فى التعبير عن أهدافه من الشعر اذ يقول :

والشعر مالم يكن ذكرى وعاطفة

أو حكمة فهو تقطيع وأوزان

ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم

ونحن في الجرح والآلام اخوان

وحسبنا شاهدا على سمو عاطفته نحو وطنه ( مصر ) حنينه اليه وهو بالاندلس وتغنيه بذكرياته الحبيبة فى قصيدته الخالدة التى يقول فيها :

اختلاف النهار والليل ينسى

   اذكرا لى الصبا وأيام أنسي

وصفا لى ملاوة من شباب

   صورت من تصورات ومس

عصفت كالصبا اللعوب ومرت

  سنة حلوة ولذة خلس

وسلا مصر عل سلا القلب عنها

  أو أسا جرحه الزمان المؤسي

كلما مرت الليالي عليه

  رق والعهد في الليالي تقسى

يا ابنة اليم ما ابوك بخيل

  ماله مولعا بمنع وحبس

أحرام على بلابله الدو

  ح حلال للطير من كل جنس

كل أرض أحق بالأهل الا

في خبيث من المذاهب رجس

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني اليه فى الخلد نفسى

وهفا بالفؤاد في سلسبيل

ظمأ للسواد من " عين شمس ،

شهد الله لم يغب عن جفوني

شخصه ساعة ولم يخل حسى

يصبح الفكر و " المسلة " ناد

يــــــه و " السرحة الزكية " يمسى

أما نبل عاطفته نحو البلاد العربية جمعاء فقد تجلى في مشاركته لكل قطر من أقطارها فى أحداثه الكبرى ، بقصائده النابضة بأنبل عواطف الاخوة والمواساة ويكفينا شاهدا على ذلك قصيدته التى حيا فيها جهاد سوريا وكفاحها فى سبيل استقلالها وحريتها ، ( وهذه بعض ابياتها ) وناهيك بما فيها من شعور فياض بوحدة هذه الاقطار ورغبة صادقة فى تحقيق آمالها وأمانيها :

بني سورية اطرحوا الأماني

وألقوا عنكم الأحلام ألقوا

فمن خدع السياسية أن تغروا

بألقاب الامارة وهي رق

وكم صيد بدا لك من ذليل

كما مالت من المصلوب عنق

فتوق الملك تحدث ثم تمضى

ولا يمضي لمختلفين فتق

نصحت ونحن مختلفون دارا

ولكن كلنا فى الهم شرق

ويجمعنا إذا اختلفت بلاد

بيان غير مختلف ونطق

وقفتم بين موت أو حياة

فان رمتم نعيم الدهر فاشقوا

وللأوطان في دم كل حر

يد سلفت ودين مستحق

ومن يسقي ويشرب بالمنايا

إذا الأحرار لم يسقوا ويسقوا ؟

ولا يبني الممالك كالضحايا

ولا يدني الحقوق ولا يحق

ففي القتلى لأجيال حياة

وفي الأسرى فدى لهم وعتق

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مضرجة يدق

أما تغنى شوقي بأمجاد العروبة والاسلام فقد بلغ فيه الذروة التى تتطأ من دونها الاعناق ولطالما هزت روائعه القلوب والالباب واسكرتها بألحانها العذاب . وحسبناه هذه الابيات مثالا لذلك النمط العالي فى التغنى بهذه الامجاد :

لما اعتلت دولة الاسلام واتسعت

مشت ممالكه في نورها التمم

وعلمت أمة بالفقر نازلة

رعي القياصر بعد الشاه والنعم

كم شيد المصلحون العاملون بها

في الشرق والغرب ملكا باذخ العظم

للعلم والعدل والتمدين ما عزموا

من الأمور وما شادوا من الحزم

سرعان ما فتحوا الدنيا لملتهم

وانهلوا الناس من سلسالها الشيم

ساروا عليها هداة الناس فهي بهم

الى الفلاح طريق واضح العظم

لا يهدم الدهر ركنا شاد عدلهم

وحائط البغي إن تلمسه ينهدم

دع عنك روما وآثينا وما حوتا

كل اليواقيت في بغداد والتوم

وخل كسرى وايوانا يدل به

هوى على أثر الايوان والايم

واترك رعمسيس كان الملك مظهره

في نهضة العدل لافي نهضة الهرم

دار الشرائع روما كل ما ذكرت

دار السلام لها القت يد السلم

ما ضارعتها بيانا عند ملتام

ولا حكتها قضاء عند مختصم

ولا احتوت في طراز من قياصرها

على رشيد ومأمون ومعتصم

من الذين اذا سارت كتائبهم

تصرفوا بحدود الارض والتخم

ويجلسون الى علم ومعرفة

فلا يدانون في عقل ولا فهم

يطاطئ العلماء الهام إن يئسوا

من هيبة العلم لا من هيبة الحكم

ويمطرون فما بالارض من محل

ولا بمن بات فوق الارض من عدم

خلائف الله جلوا عن موازنة

فلا تقيسن أملاك الورى بهم

وأخيرا أرجو أن اكون وفقت الى الاستجابة لرغبة الصديق الكريم الاستاذ الانصارى كما أرجو لمجلته الغراء كل توفيق وتقدم .

اشترك في نشرتنا البريدية