هذا مخطوط من نوادر المخطوطات حقا لا لأنه قديم ، فما اكثر ما هو مشحون من هذه المخطوطات القديمة فى خزائن الكتب ، حتى إذا اتيح لك ان تبحث فيها ، وتقلب اوراقها ، وتطالع ما بين سطورها ، جاءك الخبر اليقين عنها بانها لا تحوى أى جديد أو على الاصح لا تحوى أى شئ غير مكرر او معاد من أنواع المعارف ، ومن ضرب الفنون
هذا المخطوط النادر الطريف ، ما هو إلا كتاب حديث ، ألفه مؤلفه في القرن الرابع عشر الهجرى ، أما انه نادر فلان الموضوع الذي طرقه هذا الكتاب ، لا أظن كتابا آخر حواه ، أو مؤلفا آخر عني بدراسته والكتابة فيه
والفضل يعود للاستاذ البحاثة المعروف الشيخ عبد الوهاب الدهلوى فى إطلاعي على هذا الكتاب القيم ، الذى شاء مؤلفه المؤرخ العالم المشهور ، الشيخ عبد الستار الدهلوي رحمه الله - جريا على عادة علماء السلف الفضلاء - ان يسميه : " موائد الفضل والكرم الجامعة لتراجم اهل الحرم " وهو اسم بدل على المسمى ، وعنوان كما ترى - يشير إلى الموضوع .
كان العلامة الشيخ عبد الستار الدهلاوي - رحمه الله - من الجنود المجهولين فى هذه البلاد ، من حيث التوفر على خدمة العلم عن طريق التدوين والتأليف وان كان هو من حيث ما اختص به من العلم والفضل اشهر من ان يذكر .
ولقد حفلت مكتبته القيمة ، التى أبي إلا ان يتركها عند وفاته فى عام ١٣٥٥ وقفا للباحثين وطلاب العلم ، حفلت هذه المكتبة بنفائس من المخطوطات لها قيمتها واهميتها ، إلى جانب ما تميزت به من احتوائها لاشهر ما هو مطبوع
من الكتب في مختلف العلوم والفنون ، وخاصة منها ، كتب الحديث وسائر علوم الدين واللغة والأدب والتاريخ والتراجم ، ولعل ما ضمته هذه المكتبة من الكتب الخطية المشتملة على تواريخ هذه البلاد لا يوجد له نظير في أي مكتبة أخرى من المكاتب الخاصة أو العامة
فى هذه المكتبة توجد اشهر مؤلفات العلامة تقي الدين الفاسى ، مؤرخ مكة فى القرن التاسع الهجري ، وتلميذ ابن خلدون .
وحسبك ان تعلم ان كتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين الذي هو اكبر مؤلفات الفاسى وأهمها ، وهو يقع في ثمانية مجلدات كبار ، محتويه على ما ينوف على أربعة آلاف ترجمة حسبك أن تعلم ان هذا الكتاب الضخم توجد منه نسخة مخطوطة كاملة في هذه المكتبة ، وهي النسخة الوحيدة الكاملة فيما أعلم من هذا الكتاب وحسبك أن تعلم ان هذه النسخة قد نقلها الشيخ عبد الستار بقلمه ، عن اجزاء هذا الكتاب ، وهي متفرقة موزعة بين دار الكتب المصرية ، ومكتبة الازهر ، وغيرها من المكتبات !
وكتاب آخر للفاسي ايضا ، نقله الشيخ عبد الستار بقلمه عن النسخة الخطية الموجودة بدار الكتب المصرية ، وأعني به . " شفاء الغرام فى اخبار البلد الحرام " وهذا الكتاب يقع فى مجلدين كبيرين ، وهو أوفي كتاب في تاريخ مكة من اقدم عصورها إلى زمن المؤلف ، ولست أغالي إذا قلت انه اذا وفق الله ثريا من أثريائنا الغير ، للقيام بطبع هذين الكتابين ، فانما يقوم بخدمة من اعظم الخدمات العلمية ، وانما يؤدى أحسن ما يؤديه الرجال العاملون .
هذا عن مكتبة العلامة المذكور ومحتوياتها ، فاما عن مؤلفاته الخاصة فان كتابه " فوائد الفضل والكرم " يدل - حقيقة - على ثقافة تاريخية مكينة ، وسعة اطلاع واحاطة بكل ما يتعلق بتاريخ هذه البلاد وتراجم أهلها في القديم والحديث .
وللمرحوم الشيخ عبد الستار ، خلاف كتابه هذا ، كتاب آخر فى التراجم له أهميته بلا شك ، وهو مخطوط أيضا ، ربما يقع في أربعة أو خمسة اجزاء
اذا امكن ان يظهر للناس مطبوعا ، واعني به كتابه فى تراجم اعيان القرنين الثالث عشر والرابع عشر ، وليس هذا الكتاب قاصرا على تراجم اعيان الحجاز فحسب ، بل هو شامل لغيرهم ، من كل ذى شخصية بارزة مشهور في البلدان العربية والاسلامية الأخرى .
أما كتابه " موائد الفضل والكرم " وهو الذي اردنا التعريف به في هذا المقال ؛ فهو يبحث فى تراجم المكيين ، وبخاصة منهم ، من هاجرت اصولهم على توالى العصور إلى مكة من شتى اقطار العالم الاسلامي ، واشتهروا واشتهرت أسرهم فيها ، ومن هذه الأسر ما هو باق إلى اليوم ، ومنها أسر كريمة مشهورة لم يبق لها اليوم من أثر ، فاصبحت خبرا من الأخبار !
ولعل من الخير أن نأتي بفقرات فى وصف هذا الكتاب من مقدمة المؤلف نفسه ، قال . " القصد فى هذا التأليف ذكر البيوت المعروفة ، والعائلات المشهورة ، من سكان البلد الحرام " إلى ان يقول " واني لم اجد تاليفا في هذا الأمر خاصة ، غير ما ذكره العلامة المؤرخ قاضى مكة . . التقى الفاسى فى كتابه العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين ذكر فيه تراجم علمائها وقضائها ومن ورد مكة حاجا وقد انقرض غالب ذريتهم ولم يبق منهم إلا القليل نادرا وقد استجدت بعد وفاته سنة ٨٣٢ ه عائلات اخر ، لم اجد من ذكرهم وجمعهم فى تأليف مستقل ، وقد ذكرت شرذمة من احوالهم في تاريخي المسمى فيض الملك المتعالى بذكر أبنا ، القرن الثالث عشر والتالي ، وهم مفرقون فى احرفهم نافلا ذلك عن أفواه الأساتذة الذين أدركتهم من المعمرين ومن تاريخ شيخنا العلامة المؤرخ الشهير احمد بن محمد الحضراوي ومن معاجم اهل عصري واثباتهم وكنت حررت ذلك ووقف قلمي في العام الثلاثين والثلاثمائة والالف وقد اطلعت بعده ، على أشياء قيدتها واردت جمعها ، وضم بعضها إلى بعض وهو المقصود من هذا المؤلف . . "
ويمضى المؤلف فيشير الى مسألة المسائل فى تاريخنا الاجتماعي ، مسالة المسائل التى كثر حولها الجدل . . واعني بها الهجرة من الحجاز واليه . . وكيف
بدأت هذه الحجرة او متى بدأت او ماذا احدثت من النتائج ؟ وهو اذ يشير الى هذه المسألة انما يروي الكلام عن مصدر من مصادر كتابه ، قال عنه انه : " شرح الرسالة الجدية لابن زيدون " من تأليف الشيخ جعفر لبني ، وهذا ما يرويه المؤلف :
" وقد علم من مجموع ما تقدم ان سكان مكة فى ذلك العهد كانوا قريشا ومن جاورهم من خزاعة ، لكن خزاعة لما ذهبت عنهم رئاسة مكة ، جاوروا اطرافها شاما ويمنا ولهم بقايا الى اليوم معروفون بين القبائل ، ثم لما جاء الاسلام وانتشر الصحابة من المهاجرين والانصار وابناؤهم في الجهاد في سائر الجهات ، ورأوا الاراضى المخصبة ، والأفياء الباردة ، والظلال المتفيأة ، وصارت للقوم فيها املاك ، رغبوا فى الاستيطان ثمة ، وتبعهم الجم الغفير يذهبون ارسالا الى مصر والمغرب والشام والعراق ، ليعيشوا مع ابناء جلدتهم فى الخصب والسعة ، والرفاهية والمدعة والظلال ، فما مضى بعد ظهور الاسلام نحو قرنين الا ولم يبق فى مكة والمدينة من أهلها الا اقل القليل مع من جاورهم من مسلمي الافاق للتشرف بالجوار : وكان من عادة ملوك مكة أن ينادى مناديهم بعد اداء مناسك الحج " يا غريب بلادك " وهو عادة اتخذت من زمن الفاروق رضي الله عنه ، فانه كان يامر ان ينادى يومئذ : يا أهل الشام شامكم ، يا أهل اليمن يمنكم ، وذلك لئلا يكثر المجاورون ، فيستأثروا بمالهم من الثروة بارزاق أهل مكة فيضيقوا ، وقد تركت هذه العادة من مدة طويلة . "
هذا ما يقوله صاحب " شرح رسالة ابن زيدون " وقد تعمدنا ان ننقل هذه الفقرات بحذافيرها . . أولا لانها تتصل بالبحث كل الاتصال ، وإن كنا قد نشك فى ان الفاروق رضي الله عنه كان يقصد ان لا يكثر المجاورون بمكة - كما يشير اليه مؤلف شرح رسالة ابن زيدون !
وثانيا ، لكي نشير - ولو أن فى هذا تجاوزا لموضوع البحث الى هذا الأثر ، الذي هو " شرح رسالة ابن زيدون " ، والذي قام بتأليفه عالم من خيرة علمائنا في الحيل الماضي . فعلام تدل هذه الفقرات التى أوردناها هنا انها تدل على قيمة هذا الاثر ، من حيث موضوعه واسلوبه معا . آرايت كيف انه رصين العبارة ، ، مركز الموضوع ، خال من السجع وقد كان هذا السجع
شعار المؤلفين جميعا في كل ما يكتبون ؟ ! وشئ آخر ايضا يدلنا عليه هذا الأثر انه يدلنا على اهمية ما كان يبذله علماؤنا في الجيل الماضي ، من عناية بالغة بالتأليف في الادب الى جانب تأليفهم في العلوم الدينية !
ومن المؤسف اليوم ، وفي عصر النهضة العلمية والأدبية ، أن هذه العناية لم تعد موجودة . .
ومن المؤسف ايضا ان يكون لدينا تراث ادبي ذو قيمة يحوى امثال شرح رسالة ان زيدون " وغيره ، فلا نعمل على احياء هذا التراث كما يعمل غيرنا ، ولا ننشر كل مخطوط من هذا القبيل !
والآن فلنعد الى موضوع البحث فان فى كتاب الموائد " فوائد شتى وتوضيحا لحقائق كثير من الأسر المكية ، ومن الطريف انه يشير الى مسألة نسب السادة والأشراف فيقول : " . . أن كثيرا من الناس يظن ان نسب الاشراف خاص باولاد الحسن السبط ، كما ان نسب السادة خاص باولاد الحسين الشهيد بكربلاء ، وليست هذه قاعدة ، فكثيرا ما يقال لاشراف مكة السيد فلان - ويقال لاشراف المدينة المنورة اشراف ، وهم حسينيون " الى ان يقول : " ويوجد بين السادة القاطنين بمكة والمدينة من هم ادارسة المغرب كما سيأتي وهم حسنيون "
ويأتي على ذكر البيوت المشهورة قديما ، فيقول عن بيت القطبي : ومن البيوت التى اشتهرت بالفضائل ثم انقرضت والدوام لله : بيت القطبي ، قد اشتهروا باسم عمهم قطب الدين الشهير من اهل القرن العاشر ، صاحب التاريخ المسمى بالاعلام " الى ان يقول : وابتداء مجاورتهم بمكة فى أواخر القرن التاسع كما يشعر بذلك بعض احوال ذكرها فى تاريخه المذكور ، وكان مفتى مكة من طرف الدولة العثمانية ، وهو أول مفاتي مكة من الحنفية "
وبعد ان يستطرد الى ذكر المشهورين من بيت القطبي يقول : " وكانت مساكن بيت القطبى بحارة الشامية عند الباب الصغير للمسجد الحرام الذي بالركن الغربي اليماني من زيادة دار الندوة وكان اسمه باب الفهود . . ثم اشتهر بباب القطبي ، وهو إلى اليوم كذلك "
ومن البيوت المنقرضة التى اشار اليها : بيت الطبري وبيت المرشدي ، وبيت ابن ظهيرة القرشي المخزومي ، وهو يقول عن بيت ابن ظهيرة انه بيت قديم وكان منهم علماء وأفاضل في المذاهب الاربعة وكانوا هم وبيت الطبري وبيت النويري القائمين بالخطابة بالمسجد الحرام لا يشاركهم فيها غيرهم الى حدود عام الف وإحدى وأربعين.
وكثيرا ما نجد المؤلف بكتب سطرا واحدا عن اسرة من الأسر ثم يترك بياضا بعده بمقدار صفحة كاملة أو صفحات ، مما يدل على انه كان ينوى اكمال الكتابة عن هذه الاسرة بعد أن يستوعب معلوماته عنها ، فهو يقول عن بيت الراضى مثلا ، " ومن البيوت الشهيرة الان بيت الراضى فان منهم شاعر زمننا المفلق " ثم يقف عند ذلك . ولا شك ان اشارته هنا انما هى الى الشاعر الاشهر ، الشيخ عثمان الراضى رحمه الله المتوفى عام ١٣٣١ ه
وبعد فان كثيرا من الأسر المعروفة في الوقت الحاضر ، اشاد بها هذا الكتاب وكم كنا نود أن نورد نماذج من ذلك هنا لولا ضيق المجال .
