- فيم حيرتك ؟ - انه لشىء مؤسف ! - فيما أسفك يا صاح ؟ - تقلبات الناس وانتكأثهم للعهود . - هذه قضية ابتدأت مع الاجتماع وأظنها لا تنتهى الا بانتهائه . - كيف ؟ أما آن للثقافة والتقدم العقلي أن يزيل هذه الوصمة ويبيد هذا
الخلق الوبئ ؟ ! - أى خلق تعنى ؟ - هذا التلاعب بالذمم ، هذا التنكر للمواثيق ، هذا التهاون والازدراء بالقيم الانسانية السامية . - اننى ما استطعت حتى الآن فهم مقصودك هلا ابنت بربك ؟
- قر قراره بالامس على رأى وحسن الى معتقده ذلك حتى دنت به وآمنت ثم هو ذا اليوم أراه متنكبا عما قال وعما حملنى على الاعتقاد بصحته . - التغير طبيعة الاشياء المادية فما بالك بالانسان فهو بطبيعته قلب متحول فما استغرابك أتريد من الاشياء نقيض سجاياها !؟ - أبدا ، المسألة مسألة مبدأ ، والتمسك بالمبادىء أهم مظهر للانسان المتطور المتقدم .
- صحيح ما تقوله الى حد . ذلك ان العواطف التى تربطنا بالاشخاص أو المبادئ ليست هى الا عادات وجدانية تجعلنا نرغى ونزبد ، نثور ونمور ، نتمسك بمواقف الانتصار أو الاستصغار فى شىء من ثبات الاتجاه ودوام الاستجابات في نوعيتها وطبيعتها ولكن موقف صاحبك منك هو موقف متأمل أو مفكر انتهى به تفكيره في مسألة ما الى رأي ثم ما لبث ان اكتشف له سوء تدبيره فأقلع عن الخطل وضرب برأيه السابق عرض الحائط ودان بما بدا له فيه سداد ووجاهة ؛ ألم تر حينئذ كيف آخذت محدثك عن اثم توهمته وعبت فيه منه الروية وصفاء الالمعية ! ؟ - كلا لم أر فيه شيئا من ذلك . كيف ؟ اقصص على من خبرك مع هذا الصديق ؟
- قال بالامس ان المرأة المثقفة وبال على زوجها وعلى أطفالها ، على خدمها وذويها ، على معارفها وعلى كل أحد ، ثم هو ذا اليوم تقدم من خطبة فتاة مثقفة ذات باع وسمعة ثقافية ، ألم تر فى هذا تلاعنا وتضاربا فتنافى مع ناطقية الانسان ؟
- أبدا ، ليس فى هذا تلاعن على ما يبدو لى لان موقف صديقك هذا يتأتى تخريجه على وجهين اثنين : اما انه عدل عن رأيه الاول عند ما بدا له سوء ما ذهب اليه من رأى متعصب جاف أو انه ما زال على رأيه ذلك وكثيرا ما يناقض فعل المرء معتقده .
- وما هذه الا أشنع من أختها . أنت تذهب وتجزم بأن معتقد الانسان يبتعد عن تصرفاته وبوادره فالواقع ان هذه البوادر ليست هى الا انعكاسات لذلك المعتقد المستتر وراءها ؟
- نعم المعتقد الانسائى هو الموعز بالمواقف والمملى للبوادر ولكن ذلك في البيئات الانسانية التى ضربت مثلا أعلى فى تنشئة الفرد على الصراحة والاخلاص للذات ضمن الاخلاص للآخرين . اما فى هذه الاوساط التى نشأت بينها فقد دأبت على أن تعامل محيطيك بما يريده وبما ينتظره منك وانك لنشأت على تلك السنة بحيث تخفى ذات نفسك خشية العقاب وخوفا من الجزاءات المؤذية للاجسام والارواح .
- انك تعنى بهذا تعارض الاقوال مع الاعمال وتصر على معقولية هذا التعارض ؟ - نعم - بكل الاصرار - لئن كان فى ذلك خطأ . فوزره على الموجه أو الراعى الاول . فهو بضغطه وبالمخاوف التى تفنن فى وسائل استثارتها كان دفعنا وسط هذه الثنائية المشينة فى نظرك ولربما في نظر صاحبها نفسه . - المخاوف ، وما دخل المخاوف ؟
-هى المخاوف التى تملى على الفرد منذ فجر حياته النزول عند ارادة البيئات الانسانية التى ضربت مثلا أعلى فى تنشئة الفرد على الصراحة والاخلاص أن تمليه ذات صاحبه وارادة صاحبه وتفكير واقتناع صاحبه . - تريد بهذا تعليل النفاق الاجتماعى بمواقف تربوية نابية من حيث أنها كانت تثير فى الفرد قاتم الانفعالات الامر الذى يملى عليه مجاراة البيئة فيما تريد دونما وعى أو اقتناع ذاتى ؟ - بكل تأكيد منذ ذلك العهد المبكر فى حياة الانسان يأخذ المرء في التعود على ما أنت مؤاخذ به صاحبك .
- معنى هذا ان أولياء الاطفال لو شجعوا أبناءهم على ابداء آرائهم والاصداح بها كيفما كانت لكان ذلك ادعي لفهمهم وللتأثير عليهم بحيث يفعلون ما نريده نحن منهم بالفعل وبضرورة الفعل رغبة وايمانا منهم كأن لو لم يكن لنا عليها سلطان . - هذا هو السداد وهذه هي الطريقة المؤدية إلى تطابق الافعال مع المعتقد .
- جميل بك ان أزحت عن نفسى هذا الاشكال وهذا الاستفهام الغامض وانى لاستزيدك بيانا حيال طباع هذا الصديق فهو ان حدثني لم يرد ، ومن أين له أن يريد الاصغاء إلى ، فهو كلف على الدوام بالحديث واللجاج فى الحديث . - لعله على علم واسع وثقافة ممتدة ؟ - نعم ، هو كذلك . - اذا هو حرى بالعطاء ولم ير نفسه محتاجة للاخذ . . - أفى هذا الصواب ؟ اننى أعلم بأن المتعلم الحق تزداد معرفته بنواحى جهله كلما ازداد اطلاعه واتسعت مداركه بممارسة الحقائق . وحينئذ كلما كان المرء مثقفا كلما ازداد أو شعر بازدياد الحاجة الى الاصغاء والاخذ . هذه مشكلة معقدة ولكنها صنوة لما كنا بصدد الحديث عنه . . .
- كيف ؟ - من الناس من أهلته بيئته ليكون على أدب جم وعلى توازن تام فى الحديث بحيث أعدته التربية التي تلقاها ليجيد فنون القول وليحذق طرقه المواضيع وخوض قضاياها ومشاكلها بنجاح . اما أن يلم الى جانب ذلك بمواقف الصمت والامساك عن الحديث فهذا ما لم يكن متفطنا اليه البتة .
- أيوجد للصمت حذق وتفنن ؟ - نعم - بكل تأكيد - فكما أن للحديث مجالات وفنون تناسبها كذلك للصمت مجالات وفنون والكثير الشائع ان أولياء الطفل كثيرو الاهتمام بتكوين الطفل ليجيد الحديث وقلما اهتموا باعداده ليجيد الصمت فيما يناسبه من مواقف . - انني اعلم بان الحديث يحل المشاكل تارة ويعقدها اخرى اما الصمت فلا ارى به حلا للمشاكل ولا تعقيدا لها فالصمت هو الفراغ او لاشئ ؟ !
- لا . لا ليس هذا بصحيح لانك قد تجد كلاما صامتا وصمتا متحدثا أفلا تؤمن معى بان المتحدثين من لا يفصحون الا عن الشغور الذى بافئدتهم والفراغ الذي بادمغتهم ، ومن الممسكين عن الحديث من كان من الايحاء الكثير والتأثير الوفير فى من يحيطون بهم ؟ !
حقا كثيرا ما عشت هذه المواقف والغريب فى الامر ان هؤلاء الصامتين كانوا ممن ينتظر منهم الكلام والتحدث الى غيرهم . وكنت أحسب بان كلامهم أفيد من امساكهم ، ولكننى الآن علمت بانهم فى صمتهم كانوا متحدثين. وان ذلك لامر عجيب !
- لا عجب فى ذلك ، اما علمت المثل القائل : " من كبر عقله قل كلامه "؟ - ما معنى هذا الاثر فقد بدا لى فى غموض ما ؟ - هو على التحديد يشير الى اولئك الذين تعمل عقولهم اكثر من غيرهم ، اولئك الذين ينهمكون فى الغوص على الحقائق ولا يقنعون منها بالسطحى او الظاهرى بل يتطلبون الامعان والاستكناه والتدبر الموصول . همهم فى ذلك الكشف والاكتشاف وبالتالى المعرفة وبأوفق وأدق مما يعرف الناس ، ولهذا فى التحدث الى الغير ضياعا لفرصة مواصلة البحث والامعان . فالحديث يلهيهم عن احب الاشياء الى انفسهم وهو التدبر وتدقيق النظر والامعان فى الاشياء والاحداث .
- كيف ؟ ألم يكن الحديث مرآة للتفكير فهو حينئذ مرتبط به بل مواكب له قدما بقدم ؟ - الامر كذلك بدون شك ، الا ان الحديث غير التفكير وان ارتبط به والتزم به . فالمتحدث انما يريد ايصال ما بنفسه من القضايا والاحكام الى نفوس مستمعية وفى هذا الجهد المبذول ما يضعف من طاقة الفكر ومن فعاليته على ما هو واضح ، والرجل الصموت فى الغالب يريد التمحض لنفسه ولما ينعكس فى نفسه من الامور ليدرسها الدرس الحق وليخرج من درسها بالنتيجة المثلى . - إذا كان الحال على ما ادعيت فليس فى الامساك عن الحديث حرمان بل متعة ؟
- وهو كذلك . . وأى متعة تضاهى سمو النظرة وعمق التحليل للوجود وللموجود من الاشياء والاحداث ؟! - ولكننى افضل متعة الحديث احيانا . . - لك ذلك فنحن باثباتنا متعة ورجاحة الصمت لا ننفي عن الحديث وفنونه المختلفة متعه الشهية ونكهه القوية . ولكل ميقات وظروف لا تصلح لغيره وهذا ما أردنا اثباته لديك على التحديد - نحن على هذا الرأى فى وفاق مبين الا اننى أتساءل ما الذى يجعل بعض الناس لا يترك فرصة ليتحدث اليه غيره ؟ - هذا أعضل الداء وابشع ما يصاب به خلق المرء . . . - لعل هذا النفر من الناس شديد الانانية يريد ان ينعم اكثر من محدثيه بمتع الحديث وبتصريف شؤونه
- هؤلاء هم الانطوائيون بحق لا يريدون الحياة فى دنيا الناس ولا فى العوالم الخارجة عن ذواتهم . تراهم كما لو لم تكن لهم حاسة السمع او بآذانهم وقر ، يوصدون من دون حديثك اليهم السمع والابصار وكثيرا ما تراهم يتحدثون في شئ من الاسراع وفي غير ما توقف والى ما لا نهاية . . . حتى إذا ما قاطعهم احد المستمعين كفوا عن الابصار وحركوا رؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال وحتى في شئ من الاطراق والتجهم استعدادا لاستئناف الحديث من جديد ومواصلة له فى غير ما هوادة او تؤدة .
- هم اجهزة مرسلة دواما واستمرارا ؟ - هم ان شئت كذلك . . - وهل فى هذا شذوذ على ما ترى ؟ لا شذوذ فقط بل تهيؤ مرضى قد يتطور الى تدهور عقلي يعرف بمرض الفصام . . .
- ولكنه لم يؤل باصحابه دائما الى هذا المرض الذي ذكرته ؟ - لا لزوم وقد تؤول بهم تلك الظواهر إلى المرض - انني ارى فى المسألة اختلافا فى الامزجة والطباع فمن الناس من هو على حب للصمت ومنهم من هو على شغف بالحديث ؟ - المميز بين الطبع العادي والتلبس المرضى هو الافراط او التفريط . فقد تكون المسحة الغالبة على الطبع هي الحديث او الصمت ولكن الافراط المبالغ منه في ذينك الموقفين ينم عن شذوذ بلة الاستعداد للمرض ان لم يكن المرض عينه .
- آمنت حقا بما تقول وهل من توجيه لذوى الطباع والامزجة النارية فى أن يوطنوا انفسهم للاستماع مثلما هم على تهيئ للافضاء بمكنونات نفوسهم الى الناس ؟؟
- نعم . نستطيع الاتجاه الى هؤلاء بسوق هذا التحليل للاحاديث الاجتماعية . إن بالحوار الجدلى تواطؤا ضمنيا بينك وبين محدثك . هذا التواطؤ مؤداه انك تسمع ما يتحدث به اليك صديقك من رأى وحكم من ذكريات او برامج , على ان تترك له فرصة مماثلة تمكنه فيها من ان يبثك هو الآخر رأيه وفكرة ومكنونات وجدانة . وانه لمن جمال الحديث ان تتيح الفرصة لفهمك
ولافهامك . وان تتيحها فى شىء من المرونة فلا لجاج ولا غطرسة ، ولا تزاحم او استئثار بالوقت ، ولا مجافات لللياقة والادب ، بل ينبغي الايمان كل الايمان بان الجدل والتحادث والحوار مجالات للفن بل هى الفن ذاته وانه لمن اجمل من يساق الى هؤلاء الذين تنكبوا عن جادة الود من جراء اللجاج في الحديث او الاختلاف فى الرأى قولة صدق آمنت بضرورة تنشأة الناشئة على احترامها اعنى بذلك تلك الحكمة البالغة التى تزعم بان اختلاف الرأي لا يفسد واولى به ألا يفسد للود قضية . . .
- نعم سوف اعمل على ان اتحدث وان اصمت . . هكذا بحيث لا ينسيني الحديث جمال الصمت ولا يغريني الصمت عن سداد وجمال الحديث . . . - هذا كل حصادك من هذا الحوار . . ان تقتنع برأى او ان تتحمس بوجهة نظر ولكن من اين لك معايير الصمت الحسن والحديث الجميل - هلا ابنت عنها
- اواه . . لو استطعت لفعلت . . ولو فعلت لما انتفعت بذكرها . . . لان تخير المواقف والاستجابات لها امر نتكون عليه ولا نلقن اياه بالوصايا والحكم والقواعد . . . .

