الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

من واقع الحياة . ., مأساة بطل

Share

عرفه الطلبه زميلا باسلا يسم بالرزانة والحصافة . . وطالبا متقدما فى كل شىء . . فى دراسته . فى تجاربه ، فى حركته الوطنية . . ثم فى ثورته على الاستعمار . ولعنته على السياسة الدبلوماسية معا . . وفى معترك حياته ايضا . .

كان يلاحظ عليه سكوته وهدوؤه فى الفصل . . لا يشاطر زملاءه نقاشهم مهما احتدم او خف . بل يظل صامتا هادئا يستمع الى جدلهم ومناقشتهم وخصامهم الذى ينتهى - فى الغالب - الى لاشئ ، ثم يشفع صمته بابتسامة بريئة تحمل معنى غامضا . . وتفاعلا فى نفسه . . وعراكا بين عقله وعاطفته

كان يلتهم المجلات والصحف التهاما اثناء " الفسحة " ووقت غياب المدرس من الفضل . . وكان يقرأ فى جوع ونهم . المؤلفات الموضوعة فى تراجم الزعماء والقادة ويدرسها دراسه مستفيضة تدفعه الى البحث والتنقيب . . عماذا ؟ . . عن كوامن نفوس اولئك القادة والزعماء واسرار حياتهم العامه والخاصة . ونزعاتهم الخفية التى دفعتهم دفعا الى الصفوف الامامية فى جهادهم ونضالهم فى سبيل أوطانهم . . وفى سبيل شعوبهم وفى سيبل اقتناص الحرية الكاملة من يد الغاصب الغاشم الذى كان

يقبع فى ارض الوطن . ويعيث فيه فسادا . . !

لقد اثرت فى نفسه مطالعاته . . لتراجم " واشنطن " و " جان دارك " و " غاندى " و " جناح " و " سعد زغلول " وغيرهم من الزعماء الذين كرسوا حياتهم للجهاد والعمل لخير الوطن وحريته . فانطبعت فى مخيلته صورهم الحية المتحفزة حتى اصبح يتمثلها امامه ويتخيلها فى يقظته وحلمه . .

وعندما كان يريد اداء الامتحان فى الدور الثانى كان يوحى الى والده - وهو فى قرية نائية عن العاصمة _ انه لا يضمن النجاح في الحياة . ولا السعادة فى المستقبل الا اذا وفق فى الاختبار ونال الشهادة فى يده اليمنى و " شريكة الحياة " فى يده اليسرى فكان يسافر الى العاصمة وفي قلبه رغبة ملحة . وفي نفسه عزيمة صادقة لا للشهادة التى يتوق الى الفوز بها ولا الى " رفيقة العمر " التى يحلم بها بل ليخوض غمار المعارك السياسية والحركات الوطنية حتى تتيسر له الفرصة لخدمة وطنه الذى انتوى كرس حياته له . .

ونظر زملاؤه الطلبه الى " حياة خان " وهذا اسمه ، نظرة اعجاب واكبار .. فقد كان حماسه للوطن . وغيرته

للارض التى نشأ عليها ونما من خيراتها ودفاعه عن الحرية التى كانت مبتغى كل طالب ، بل كل مواطن اكتوى بسياط الاستعمار الملتهب المسلط على الهنود وقتذاك ، هو الحافز الاول الذى دفع زملاءه الى تسليم القيادة اليه . . ليتزعم الحركة الوطنية ضد الاستعمار اللعين . . فكان يرى سباقا الى تنظيم المظاهرات كلما دعت المناسبة الى القيام بها ، مجازفا بحياته مفتديا بروحه امام رصاص رجال الشرطة ، وقذائف الجنود الانجليز . .

كان يعتلى المنصة فى شجاعة وبسالة غير عابيء بما يلقاه من العسف .. والاضطهاد إذا ما القى البوليس القبض عليه بايعاز السلطات الانجليزية فى مدينة " لاهور " . . وكان يلقى خطبه الحماسية فى جمع حاشد من الطلبة ، وهم آذان صاغية لما يقول فى كلمات كلها حرارة ، وفي الفاظ كلها حماس وحمية . .

وكان المواطنون يشاهدون منظرا عجيبا يلهب عواطفهم الجياشة ويذكر روح الافتداء فى نفوسهم . . منظر تلميذ فى السابعة عشرة من عمره محمولا على الاعناق - اعناق زملائه الاوفياء - وهو ينادى بسقوط الاستعمار ويندد بالسياسة الغاشمة ، ويحرض قومه على العمل والكفاح ، والنضال النضال من اجل الحرية . والكفاح لاجل الاستقلال . . وهو أمنية كل مواطن حى مخلص ..

منذ ذلك الوقت اشتهر " حياة  خان " شهرة بطل مكافح . وعرفته المدينة شابا ثائرا لا يهدا ، وخطيبا لا يسكت لسانه . ومناضلا قويا لا

يستكين ، وسياسيا لا يعجز عن حق المشكلات والمعضلات . . ومع ضعفه وضمور جسمه كان نشيطا متحركا لا يعرف الاعياء والتعب طريقهما الى جارحة من جوارحه ولا الخمول الى طرف من اطرافه . . فهو شعلة متقدة يخطب فى المدرسة ، ويضع الخطط فى النادى . . ويكتب المقالات فى المقهى ويبعثها الى ادارات الصحف التى ترحب به وبكتاباته كل ترحيب .. بل تستحثه على مواصلة الكتابة والتعليق على " المسألة الكبرى " التى كانت تشغل البال وقتذاك . . الا وهي الاستماتة فى سبيل الحرية . .

ثم توالت الايام وتعاقبت الاحداث فاذا بهذا " الثائر العجيب " - كما وصفته الصحف الانجليزية - يكشف النقاب عن محياه ويضع روحه فى كفه وينادى بالثورة والتظاهر . . الثورة ضد العدو الجاثم على صدر الوطن والتظاهر ضد كل من سولت له نفسه بالتعاون مع جيش الاعداء . .

ووقف البوليس موقفا شاذا منه لم يكن يتوقعه ، ولكنه قاوم وعاركه فى رجولة وبسالة زهاء ثمان سنوات حتى تغلب عليه فى النهاية . . فوقع فى قبضة رجال الشرطة . وزج به فى غياهب السجون . .

واصبح الطلبة فى اليوم التالي ونظروا الى ما حولهم فوجدوا انفسهم من غير . " زعيم " يرشدهم . أو رئيس يدفعهم الى الامام . وعندما يفتقد الناس - عادة - رائدهم يتطرق الخلل الى حركتهم . . ويدب الانتكاس فى عملهم حتى يطل الشقاق برأسه . . فتتوسع الشقة . ويكبر الخرق . وهكذا تفرق

زملاؤه شيعا ، وذهب كل فى سبيله ابن التاجر الى متجر والده ، وابن العامل مع ابيه فى رفع الحجارة وشق الاخشاب ، وابن المزارع الى مزرعة والده لمساعدته فى الحرث والحصد . .

وخرج صاحبنا من السجن ليجد أمامه الطريق محفوا بالاشواك .. وليجد الميدان خاليا خاويا من كل شئ . . اين الرفاق الذين كانوا يحملونه على اعناقهم ؟ اين الجماهير التى كانت تهتف له كلما وقف خطيبا بينها وتقول له : الى الامام ايها البطل الصغير . . اين ذهبت تلك الاصوات المجلجلة والصرخات المدوية التى كانت تصطك " بطبلة " أذنه كلما مر من ميدان أو ظهر فى شارع رئيسى فى صورة بطل مغوار يريد الحرية . . ولا شئ غير الحرية . . تلاشى كل ذلك اثناء وجوده فى السجن ، ولكن لم تتلاش تلك الجذوة المتوقدة في داخله

لقد كان سجنه نقطة تحول فى حياته ، بل كان السجن درسا وعبرة له . . وحافزا قويا وطن عزمه على النضال والجهاد طالما بقى قلبه ينبض بالحياة ، وعقله يعمل فى صبر وأناة

جمع شيئا من المال وظل يعمل للحركة الوطنية فى اخلاص وايمان نادرين حتى دنا موعد الانتخابات فخاض غمارها بما عنده من مال . . وبما عنده من وطنية . وامتطى سفينة الجو مع احد المرشحين فزار القرى ، والدساكر ، كما حمل نفسه حملا الى المقاطعات النائية في شمال الهند وشرقها . . بل غدا كالفراشة تنتقل من مائدة الى اخرى . . حتى إذا انتهت

الانتخابات عاد الى " دلهى " ليتخذ " مكتب الحزب الوطني " مثابة ومقرا

هل دامت تلك الحياة الهانئة لبطل الحرية وزعيم الطلاب ؟ أبدا . . ان الدهر حول قلب ، وخلائق الدنيا خلائق مومس - كما يقول الشاعر الشريف الرضى - فقد تغير كل شىء امامه ، وانقطع عنه ما كان يتقاضاه من الحزب ومن الحكومة بعد ان ساءت حالة الحزب الذي انتمى اليه . . الحزب الذي تسبب فى سريان " الحزبية " والتطرف فى كيانه . . ثم فى عمله ثم فى دعوته . . وبقى يفكر فى أمر الحزب وما وصل اليه من الركود .. والتدهور عله يصل الى طريقة توحى بها قريحته الخارقة . . ولكنه خاب فى تفكيره ، فاثر الرحيل الى بلدة نائية ، والعزوف عن الناس واجتناب كل ما يستشف منه التظاهر والثورة والهياج . .

وجاء والده الى بلدة " رام بور " حيث اختار ابنه قضاء حياته الراكدة بعد ان طلق " الحركة الوطنية " ثلاثا فوجد ابنه قد نهش المرض جسمه وأحاله الى كتلة من العظام . . واحال قلبه الى كتلة من اللحم . . القاسى قساوة الحجر الصلد . .

وفي اليوم التالي رأى الناس " البطل العجيب " محمولا على الاعناق المنحنية غير تلك الاعناق التى كانت تحمله هاتفة صائحة ابان عروجه . . بل اعناق باكية حملته هذه المرة إلى باطن الثرى حيث وارته التراب . . فقد آن له أن يرتاح هما يدور فوق الارض

- عن الاردية بتصرف بسيط -

اشترك في نشرتنا البريدية