الرسائل الاربع المؤرخة تندرج الرسائل الاربع ذات التاريخ ، بين 8 شوال 1253 وذى القعدة سنة 1255
على ان ثلاثا منها تتقارب ، فترجع الى سنة واحدة هى سنة 1255 : وواحدة فقط هى التى تقدمت الثلاث ، وانفصلت عنها بامد طويل ، فكانت راجعة الى سنة 1252
وتترتب الرسائل الاربع بتفصيل تواريخها على الصورة الاتية : 1) 8 شوال 1252 2 ) 15 صفر 1255 3) 26 غرة ذى القعدة 1255 4) غرة ذى القعدة 1255
1) رسالة شوال 1255 استهلت بالاعلام بوصول مكتوب ، مبشر بنصر عظيم ، حصل للمسلمين وهزيمة شنيعة ، حاقت باعدائهم . ثم وقع التعرض الى ما تضمنه المكتوب ، من ان العدو يرغب فى صلح ، والجواب عن ذلك بانه مكيدة ، ينبغى الحذر من الوقوع فيها ، اعتبارا بعبر التاريخ ، وخاصة احداث الادوار الاخيرة من التاريخ الاسلامى بالاندلس ، وتذكرا لما سبق ان وقع قريبا فى حروب الجزائر نفسها ؛ من الصلح الذى استهوى به العدو المسلمين ، وكاد ان يستولى به على من والاه . ولذلك فان السلطان لا يشير على الامير بعقد الصلح ؛ لا سيما وقد تحقق ان امر العدو فى ضعف ، وان قوة الامير وهيبته فى زيادة . حتى انه اصبح مرهوبا مخوفا عند اعدائه . وان اظهارهم الرغبة فى الصلح انما هو لما داخلهم من الرعب ، ونزل بهم من الذل ، وخامرهم من الجزع والفزع . " فينبغى ان تسد دونهم الابواب ، وتقطع بهم الاسباب ، حتى يقنعوا من الغنيمة بالاياب " . ثم وقع التعرض الى ما عرضه العدو من التنازل عن مدينة تلمسان
فى مقابلة الصلح المعروض ، وان ذلك لكون امر تلمسان قد ارهق العدو واعياه : لبعدها عن البحر ، وصعوبة تموينه بسبب ذلك ؛ بخلاف وهران. ولذلك يجدد النصيحة بالاعراض عن مطلب الصلح ، الذى هو علامة على ضعف العدو ، ضعفا يؤخذ الفال له من كون الواسطة فى تقديم هذا العرض ، يهودى اسمه " ابن درن " .
ويرى انه ان كان ولا بد من عقد الصلح فينبغى ان يكون عاما على جميع بلاد المسلمين فى الجزائر " لتكون سببا فى التنفيس عن اخوانك المسلمين ؛ وليعلم العدو الكافر ان اهل الاسلام ذات واحدة ، ونفس متحدة . يشد بعضهم بعضا . وفى ذلك من اظهار قوة المسلمين ، وتناصرهم ، وشدة اتصالهم , ما يغيض الكفار . "
وتختم الرسالة بتفويض النظر للامير بهذه الفقر الختامية : " ومع هذا فقد يرى الشاهد ما لا يرى الغائب . فما رايت فيه الصلاح للمسلمين ارتكبه ، فانت بصيرة نفسك وبصيرة المسلمين . فانظر لهم بالنظر الذى ينجيك مع الله ومع عباده . ولاشك فى انك انما ثانى مافيه الخير ، وما تحمد عاقبته . وفقك الله واصلحك آمين . "
ويتضح جليا من تاريخ هذه الرسالة ، ومما ورد فيها من الاحداث والاسماء ، انها كتبت جوابا عن مكتوب وجه به الامير عبد القادر الى السلطان يبشره بالفوز الذى احرزه بعد فتح مدينة المدية ، فى المعركة الهائلة المعروفة بمعركة " المقطع " . وهى واقعة كان صداها عظيما جدا فى عامة البلاد الجزائرية ؛ حيث الحقت هزيمة شنعاء بالقوات الفرنسية ( 1 ) التى كانت تحت قيادة الجنرال تريزل . ورجع بعدها الامير لام عسكر ، فاسترجعها ، ودخلها فى مشهد ، من مشاهد النصر عظيم .
وكانت معركة المقطع فى صيف عام 1835 ، واستقرار الامير فى ام عسكر فى سبتمبر سنة 1835 ( جمادى الثانية 1252 ) فيكون كتابه الموجه الى سلطان المغرب صدر فى رجب او شعبان 1252 وبلغ السلطان فى حدود شهر رمضان . ويكون صدوره ، لا محالة ، بعد ان وضعت الحرب اوزارها ، وابتدات بين الامير وبين الوالى الفرنسى على الجزائر ، الجنرال دروى ديرلون ، مخابرات لاقرار حالة الهدنة ، من جديد ، بين الطرفين . وكان الجنرال دروى ديرلون عظيم الرغبة فى اقرار السلم ، وكان الواسطة فى ابلاغ المراسلات ، الدائرة فى
ذلك الغرض بين الطرفين ، يهوذا ابن درن ، وهو يهودى من يهود الجزائر ، كان ابوه من اتباع عائلة الامير عبد القادر ، وعاش هو فى فرنسا ، واتقن اللغة الفرنسية ؛ وكان الامبر عبد القادر قد جعله نائبا عنه فى مدينة الجزائر ، وكيلا سياسيا لدى الوالى الفرنسى ، منذ امضاء المعاهدة الاولى : معاهدة ديشيل سنة 1249-1834
وبهذا يظهر ان ما اشار اليه المكتوب السلطانى ، من لزوم جعل الصلح عاما على جميع بلاد المسلمين ، هو امر منظور فيه الى عمالة قسنطينه ، التى كانت تقاوم الاحتلال الفرنسى تحت راية واليها الحاج احمد باى ، واستطاعت فرنسا ان تضيق عليها لما تهادنت في الجهات الغربية مع الامير عبد القادر . فاراد السلطان تنبيه الامير الى اخذ الحيطة من ذلك ، فى صورة ما اذا انعقدت هدنة جديدة ، وان كان رايه غير مائل الى قبول الهدنة اصلا .
رسالة 15 صفر 1255 هى اطول الرسائل ؛ واكثرها اعظاما لشان الامير عبد القادر ، وتنويها بفضله
وقد صدرت جوابا عن كتاب طويل ، عديد الاغراض ! شرح فيه الامير للسلطان حالة الحرب من جميع نواحيها : العسكرية ، والسياسية ، والمالية .
وقد افتتحت الرسالة بالتحلية الآتية : " محل ولدنا البار ، الساعى فى جلب المصالح والمسار . الحميد السير والآثار ، الراوى لاحاديث الجهاد لحسان موصولة الاخبار ، المرابط المجاهد ، المحمود المواقف والمشاهد ، السيد عبد القادر بن محيى الدين ، جعلنا الله واياه من المهتدين ، ووفقنا لما يرضيا اجمعين . "
ثم تناولت الجواب عن الاغراض على الترتيب الاتى :
1 ) ان ما اشتكى منه : من خداع العدو ، هو امر مشهور طبيعى عند اهل الكفر ، جاءت الآيات القرآنية بالتحذير منه .
2 ) استحسان امتناعه من التنازل عن طريق من الجزائر الى قسنطينة والحث على الثبات على موقف الامتناع
3 ) الابتهاج بانتشار الدعوة واتحاد الكلمة وتخليص الجباية
4) التسلية عما ورد فى الكتاب من الشكاية من قلة المال وفراغ الخزائن بالامل فى الله وصدق التوكيل عليه
5 ) الاطمئنان الى ما آل اليه امر " ولد التجانى " والنعى عليه بما ساق اليه نفسه بمخالفته اشارة السلطان بالانتقال الى فاس ، وتنظير حاله بحال اخيه الثائر من قبله ، مع ان والدهما كان عظيم القدر فى العلم والصلاح
6 ) تبرئة الشيخ " ابن الطيب " من التشيع لولد التجانى وبيان ان اقصى ما عمله من ذلك كونه بلغ الى السلطان مكتوب استشفاع وارد من قبله ، وسعى فى الصلح بينه وبين الامير عبد القادر
7 ) تأكيد الثقة بالامير ، والاعلام بدوام الدعاء له بالعز والنصر وانه انتقل عند السلطان " عن مقام الولد البار ، الى مقام الاخوة فى الله التى يعقدها الابرار . " والمحاشاة عن قبول الوشايات فيه
8 ) الاعتذار عن تحقيق الامنية فى حضور الجهاد ، بما كان يعانى من " مشاق اهل الفساد . "
9 ) الاخبار بوصول الهدية المؤلفة مما اهداه العدو الى الامير وما اضافه هو الى ذلك
10) الاحالة على الحديث الشفهى الذى جرى مع رئيس الوفد
11 ) توجيه ستة من الخيل الجياد اعانة على الجهاد ورغبة فى الاجر
12 ) طلب الدعاء " فى مواقف الخير ومشاهده ، وجعل الغائب عن الجهاد كشاهده "
وهذه الرسالة ، كما يتضح من نصها ، تتعلق بوفد سفارة ، ارسله الامير عبد القادر الى المولى عبد الرحمان ، وعلى راسه العلامة الشهير الشيخ محمد ابن عبدالله المشرفى من اهل ام عسكر . وهو من اكابر العلماء ورجال الحديث فى البلاد الجزائرية . وقد اثبت مترجموه انه تردد على المغرب الاقصى فى سفارات عن الامير عبد القادر ، وكان ينال فيها حظوة عظيمة عند السلطان عبد الرحمان ( فهرس الفهارس للاستاذ الكتانى ج 2 ص 96 ، واتحاف اعلام الناس للمولى ابن زيدان ج 5 ص 61 )
واورد الجنرال آزان فى كتابه ( ص 153 ) ذكر الوفد الذى ارسله الامير الى سلطان والكتاب الذى وجهه معه والهدية التى بعضها مما اهداه ملك فرنسا الى الامير
ويظهر من تاريخ هذه المراسلة ، ومن الاغراض التى دارت حولها ، انها كانت فى نهاية الفترة التى تقدم الكلام عليها فى الرسالة أ ، وهى فترة الهدنة المتقررة بمعاهدة طفنة ، ) 30 ماى 1837 - نوفمبر 1839 ) لان تاريخ الجواب السلطانى ، 10 صفر 1255 ، يوافق 25 افريق سنة 1839
فيكون صدور الوفد والمكتوب فى اوائل سنة 1839 . وذلك هو تاريخ اشتداد ازمة الخلاف بشان تطبيق معاهدة طفنة ، وافتضاح المخادعة التى كان يراد ترويجها ، للاستيلاء على الطريق الواصلة بين الجزائر وقسنطينة . وذلك هو متعلق العنصر الثانى من الجواب السلطانى . وتلك الحالة الحرجة هى التى
دعت الامير الى ان يتوجه الى السلطان ببسط الحالة من عموم نواحيها . فبين له توفر القوة الادبية ، وذلك هو متعلق العنصر الثالث من الجواب السلطانى , وبين له نقص القوة المالية ، وذلك هو متعلق العنصر الرابع .
اما العنصر الخامس ، فهو يرتبط بما كان بين الامير وبين شيخ الزاوية التجانية ببلدة عين ماضى . وذلك ما تقدم بيان طرف منه فى التعليق على الرسالة أ
وكذلك العنصر السادس يرتبط بذلك الموضوع وينزل منه منزلة الذيل والتتمة
وبيان ما يتعلق به هذان العنصران : هو ان الابن الاصغر للشيخ احمد التجانى ، واسمه محمد الحبيب ، كان فى تلك الفترة مقيما فى زاوية والده ، ببلدة عين ماضى ، وكان اخوه الاكبر ، واسمه محمد ، قد قتل فى حركة ثورية هجم فيها على بلدة ام عسكر ، اواخر العهد التركى ، قبيل الهجمة الفرنسية سنة 1242-1827
ولما دخلت العلاقات ، بين الامير وبين الشيخ محمد الحبيب التجانى ، دور الفساد ، بسبب حادثة الابل سنة 1254-1838 ، وعزم الامير على مهاجمة عين ماضى ، كان بلغه ان لسلطان المغرب رايا فى هذه المسألة ، وان الشيخ العربى الوزانى ، حفيد مولاى الطيب بن التهامى صاحب الزاوية المشهورة بوزان ، ربما كان عونا لدى السلطان على مناصرة ابن الشيخ التجانى . فجوابا عن ذلك بين السلطان رضاه على ما سلط على ابن الشيخ التجانى من طرف الامير عبد القادر ، وذكره بسابق حال اخيه المقتول فى الثورة فى العهد التركى . وبين ان غاية ما كان من السلطان : هو انه اشار على ابن الشيخ التجانى ، مقاوم الامير عبد القادر ، " بالانتقال باهله وولده والانضواء لضريح والده - اى بحاضرة فاس - واتباع سبيل رشده " وان الشيخ العربى ابن الطيب لم يكن منه الا انه اتى الى السلطان ساعيا فى الصلح بين الامير عبد القادر وبين الشيخ التجانى ، وبلغ كتابا من الشيخ التجانى الى السلطان , فلم يكن من السلطان الا ان عاتبه على عدم امتثال التجانى لاشارته لما اشار عليه بالخروج من البلاد الجزائرية ، والاقامة بزاوية والده بفاس
وفى ذلك تبرئة للسلطان ، ولو كان سبب الاتصال بينه وبين الشيخ التجانى ، من امر لم يكن توقعه خاليا عن اصل ما
وكان ما اشتمل عليه المكتوب السلطانى من تنويه بمقام الشيخ احمد التجانى ، واجلال قدره ، احتراسا عما عسى ان يكون قد حصل من هضم لحقه لما ذكر به ولداه من سوء ، ولا يخلو ذلك من توجيه لما اظهره من اهتمام بامر الشيخ محمد الحبيب التجانى قد يكون منتقدا من طرف الامير عبد القادر
وبهذا يتضح موقع العنصر السابع حيث يظهر انه دفع لما توقعه الامير واشار الى توقعه : من كلام اوعز به صدر السلطان عليه بسبب ما وقع بينه وبين ابن الشيخ التجانى ، وما عسى ان يكون قد علق به موقف السلطان من تلك القضية
اما ما ورد فى العناصر الثلاثة الاخيرة ، فهو مرتبط بما اتصل بالمكتوب المجاب عنه : من ذيول حالية ومقالية ، ترجع الى رغبة الامير فى ان يظهر السلطان عملا يقتضى تاييده ونصره على اضداده . فانه قد كان يشعر بضرورة الاعانة التى تعطيه الصبغة الشرعية للامارة ؛ لا سيما لما نشأ الخلاف بينه وبين هيأة لها اعتبارها الدينى الواسع الانتشار فى الاقطار الجزائرية ، وهى هيأة الزاوية التجانية بعين ماضى
ولعل مما حمله الوفد ، من الحديث الشفهى رغبة فى زيارة السلطان اياه ، هى الرغبة التى يشير المكتوب السلطانى الى الاعتذار عن تحقيقها ، بما هو فيه من المشاغل ، الراجعة الى توطيد الامن وقمع الحركات التمردية ، التى بدا بعضها قبل تاريخ هذه الرسالة ، مثل ثورة زاوية الشراردة ، وثورة الودايا ، وبدا بعضها الآخر بعد تاريخ الرسالة مثل ثورة زمور الشلح ( الاستقصاء ج 4 ص 179 الى 195 واتحاف اعلام الناس ج 5 ص 25 الى 50 ) وسيأتى فى التعليق على الرسالة الموالية ما يقوى هذا الاحتمال
وزيادة على ذلك يشير السلطان الى اعتبار الاعانة بالخيل قائمة مقام حضوره ، ويصرح فى غضون ذلك بكون الوفد قد حمل حديثا شفهيا لم تتعرض الى تفصيله المكاتبة
ويذكر الجنرال آزان فى كتابه ان الوفد كان محملا بوصايا سرية , وانه كان مكلفا بان يطلب من السلطان اعلان تسمية الامير خليفة له فى البلاد الجزائرية ، وان يوجه اليه بقفطان ، يكون شعار الخلعة بالولاية
ويدعى آزان ايضا ان ذلك القفطان قد وجه بالفعل ولكنا لا نجد ما يؤيد فى الكتب العربية المرجوع اليها فى هذا الصدد . فلعل الجنرال آزان قد اخذ ذلك عن الاخبار الماثورة عند آل الامير عبد القادر . فانه قد عد ذلك من جملة مصادره وخصوصا ما كان تلقاه مشافهة عن الامير خالد حفيد الامير . وقد رايت انا فى دمشق عند عميد البيت ، الامير سعيد ، قفطانا من الجوخ يتبرك به ويذكر انه هدية المولى عبد الرحمان بن هشام الى الجد العظيم
والرسالة تشعر - على كل حال - بان المشاركة ، الواقعة من السلطان ، نحقق شيئا من التاييد المرغوب فيه .
( البقية فى اعدادنا المقبلة )
