البحر هائج مائج . تتسابق أمواجه وتتراكب لتنحط على الرمل . يمشى (كليون) على السيف حافى القدمين فى جلبابه الفضفاض ويرفع من حين لآخر ذراعيه موليا وجهه الى البحر . قيل له انه هكذا يخاطب الجمهور . وما من أحد على مرمى البصر فى هذه الناحية من ساحل اليونان.
- يا مواطني أثينا ! اطردوا من مدينتكم العلماء والمفكرين والفلاسفة . انهم حشرات سامة . يبعثون الحيرة فى النفوس . نحن نرفض الشك والحيرة طريقنا واضحة لا يغشيها غبار . شعبنا طيب . وديع متحضر . احذف كلمة متحضر . سيهزؤون بي ويتعالى صراخهم . أين أنا من الحضارة . أنا الدباغ النتن .
- شعبنا طيب ووديع . ولكنه عنيف مخيف . حذار من الخروف اذا تنمر ... كان ينظر الى البحر محملقا رافعا رأسه يصيح بأعلى صوته مغالبا صخب الامواج . نصحوه بذلك التمرين حتى يصبح له صوت جهورى صادح قيل له : إن الزعامة فى ان يعلو صوتك اصوات الآخرين.
ولذلك خرج من أثينا فى تلك الامسية قاصدا ذلك المكان النائى الخالى من شاطئ يونان ليقوم بأول تمرين له . كان يمشى بخطى بطيئة رافعا رأسه ملوحا بكم ثوبه . قيل له ان سر التأثير على الجمهور يكمن فى طريقة المثول لديه . ينبغى أن يقترب من المنصة بخطى بطيئة ثابتة تنم عن ثقل المسؤوليات التى يتحملها فى ثقة وصفاء نفس وينبغى أن ينتصب على المنصة وكأنه غرس فيها غرسا .
وتعالى زئير البحر عندما تدلت الشمس الى المغيب مداعبة معالم أثينا التى كانت ترى - بعيدا - على خط الافق . ورمى بنظرة الى مدينته وتنهد.
وجال فى مخيلته مشهد المدينة يوم اجتماع مجلس الشعب . انتشر الاعلاج فى ارجائها يحثون الناس على التوجه الى ساحة المجلس دفعا بالقسى. ثم مدوا الحبال محاصرين الساحة وقد لوثوها بمسحوق أحمر يلصق في الثياب حتى لا يخطر ببال أحد حصل فى الساحة ان يتسلل منها.
وأحاط الجمهور بالمنصة الحجرية كالبحر المزبد . وتخيل ( كليون) انه يتقدم فى اتجاه المنصة ويصعد عليها وينتصب.
- يا مواطنى اثينا ! اطردوا من مدينتكم العلماء والفلاسفة . انهم حشرات سامة يبعثون الحيرة فى النقوس . فتبا للحيرة وسحقا . طريقنا واضحة لا غبار عليها . لان الشعب هو الذي خطها وعبدها . فالمشورة لكم ولا حكم الا للشعب .
وتحول زئير البحر الى دمدمة رعد واصبح لا يسمع (كليون) صوته المهم ان يعلو صوت الخطيب اصوات الجماهير . المهم ان يرجع صداه الى أذنيه . انه لا يسمع شيئا . وتخيل اناسا يصيحون ويحتجون ويقولون : اسكتوه ! الى المدبغة ! ودقت فى اذنه ضحكات عالية ترن كالاجراس تلك ساعة عصيبة قاتلة . لا ينبغي ان يغادر المنصة . لا سبيل إلى التزحزح ما دام لم يبلغ المقالة الى الجمهور
يا مواطني أثينا ! اطردوا من مدينتكم العلماء والمفكرين والفلاسفة . انهم حشرات سامة يبعثون الحيرة فى النفوس ويفضلون الشك على اليقين ويدعون لاعادة النظر فى الامور وتغيير الاوضاع . يفسدون شباب اثينا بتعاليمهم وينتهكون مقدسات المدينة وينالون من مكاسبها . يريدون ان يسوس الشعب أذكى الناس وأوسعهم اطلاعا واغزرهم خبرة واكثرهم تعلقا بالقيم الفكرية تبا لهم من مارقين ! هم فى عزلة عنكم يتوهون في ضباب النظريات العامة ويعجزون عن فض مشاكلكم الحياتية اليومية . يدعون الحكمة وهم عن الحكمة بعيدون . لأن الحكمة فى الشعب ولا يجمع الشعب على ضلال
أمروا من بينكم أحدا منكم ليطهر المدينة من هؤلاء الرهط ويوكل للسهر على شؤونكم ذوى السواعد المفتولة والعزائم الصادقة . فارادة الشعوب اقوى من عقول المفكرين لانها مقتطعة من ارادة الالهة.
ولا يغرنكم منهم من تشبه بكم وآثر حياة الكفاف على الرخاء مثل سقراط يخاطبكم فرادى ويلاحقكم ويلح عليكم باسئلته حتى يبعث فيكم الشك فى سلامة سلوككم وصلاح اعمالكم . هل تجرأ يوما فخاطبكم جماعة . لم يجرؤ - وحق الآلهة - لانه يعلم ان الجماهير اذا تجمعت افرزت الفكر والحكمة والقدرة على تخطيط المصير .
وقطع الظلام خطابه وأحس بالوحشة فرجع ادراجه متجها الى المدينة البعيدة البعيدة وهو يقول : الى أثينا !

