قال لى صاحبى وهو رجل اعترف له بالفطنة وسداد الراى انى لاعجب : قلت : ولم تعجب يا اخى ؟ قال من امر استرعى انتباهى وملك على كل نفسى ذلك انى نظرت فى تاريخ هذه البلاد العربية المتشتتة شرقا وغربا من الخليج الى المحيط اذا شئت ان نستعمل هذا التحديد الجامع ، نظرت الى تاريخ هذه البلاد التى تعرضت فى القديم والحديث الى الوان من العذاب والهوان واصناف من البلاء والمحن فلم يأت عليها الهوان ولا اخمدت جذوتها المحن . كيف وقد تكالبت عليها فى احقاب من الدهر متوالية متلاحقة جحافل الكفر والعدوان والاستفزاز والاستئصال متمثلة فى استعمار عنيد ثقيل مفضوح تارة ومقنع تارة اخرى ومع ذلك . . . كله وقفت هذه الدول تحميها شعوب تابى الضيم ولا تنام على هزيمة فلم ينل الاعداء ما ارادوا من كيد ووالله لم نسمع فى التاريخ ان امة قدمت رقبتها للسيف المسلول خاضعة صاغرة ووالله لم نسمع ان جماعة او فردا ترك هذه الروح الثورية وتلك القوى الروحية طائعا غير مكره . بل اننا نلاحظ انه كلما اشتد البلاء واشتدت القسوة اشتدت صلابة العرب فى الحق وازدادوا ايمانا بانفسهم وبالقوى الروحية الكامنة فيهم وقربت الشقة بينهم على بعد الديار وناى الاصقاع فاذا هم واحد كالبنيان المرصوص واذا استعصامهم بقوميتهم وبدينهم ولغتهم وبتاريخهم يزيد فى تلك اللحمة ويطغى على الاحقاد العارضة والشكوك الدفينة والدعايات المغرضة والفوارق الوهمية فيتم النصر بعد ذلك وتهدا العواصف نتيجة حتمية لهذا التقارب المبنى على اسس الحق والتاريخ حق لاريب فيه . وليس ادل على ما اقول مما نشاهده الآن فى ارض من اراضى العروبة الشاسعة الفيحاء عند ما نزل الوعيد وحلت النكبة . نحن اقوياء على ضعفنا اغنياء على ضيق ما فى اليد . اقوياء بوحدتنا فى الشدة اغنياء بما فى صدورنا من صدق وفى اهدافنا من نبل . . قال الشابى رحمه الله
النور فى قلبى وبين جوانحى
فعلام اخشى السير فى الظلماء ؟
وقد صدق الشابى فى هذه ايضا واستجاب القدر . هنا السر يا اخي . السر فى قوة العزائم التى تحدونا فى كل قطر وفى كل شعب من بلاد العرب على حدة وان كانوا موحدين بطبيعة الحال لانهم عرب قبل اى شئ آخر فالعربى قوى فى روحه قوى فى نفسه قوى فى خلقه قوى فى بدنه
ومثل هذا الرجل لا ينال من عزيمته وعد ولا اغراء ولا وعيد ولا تشديد . فهو كجبال بنزرت . شامخ فى حقه لا تنزل منه الرياح العارضة العابرة وان عتت واستحالت الى اعاصير . خذ مثلا لهذه القوى الروحية ولهذه القيم فى شعبك يا اخى فى اخوانك الميامين الذين ساروا الى بنزرت جماعات ووحدانا وصوت واحد ينبعث من حناجرهم " الجلاء " او الفناء . او تعتقد انهم كانوا يشكون فى النصر وان خلت اليد من السلاح والسماء من ممطرات الموت . انهم لم يشكوا ولآخر لحظة لم يشكوا انهم ماتوا واليقين فى القلب والحلق والساعد الكريم يقين فى النجاح ، فى مستقبل تونس ارض اجدادهم وابنائهم ارض بها قبور الاولين وان اذرت الرياح تربتها وارض سيسكنها الاخرون احرارا اعزاء فى وطن كريم
ان هذه القوى الروحية يا اخى هى التى صنعت هذه الاعاجيب ، هى التى صنعت بطولات بنزرت وسجلت اسماء شهدائنا فى سجل الشرف وهى نفس الروح التى جعلت بلال بن رباح المملوك الحبشى يهزا بكل ما كان ينزله به الطاغية امية بن خلف من تعذيب وايذاء . فبلال كان هو ايضا يستعذب العذاب فى سبيل دينه وعقيدته كما نحن نستعذب اليوم طغيان المستعمر فى سبيل عزة الوطن وكرامة هذا الشعب العتيد فكما كان بلال المؤمن بالدعوة الحنيفة يردد ترنيمته الخالدة تحت السياط " احد احد " كان ابناء بنزرت يرددون صيحتهم الخالدة تحت نيران المدافع زارعة الموت " الجلاء . . . الجلاء . . . "
وقال صاحبى وفى صوته يقين قلما عودنا به : لن نغلب على امرنا يا اخى فى هذه المرة فى لرجل يأخذ حقه قسرا ، مجاهرة اذا امكن واحتيالا اذا لم يكن بد من الاحتيال . وقد احتلنا وجاهرنا حسب الظروف والملابسات وها هى ساعة الخلاص تبشرنا بالنصر وتنذرهم شرا . فلن نرد الى الحافرة ولن نقهر .
قلت وما صرخة اليقين هذه منك ولما تنقشع السحب ولم تبد بادرة خير تبرر جزمك القاطع هذا بانا لن نقهر فى هذه المرة ؟ او لم يبلغك انهم ملأوا الارض خرابا ويبابا وايموا النسوان وايتموا الولدان ؟ انهم مصممون .
قال ونحن ايضا مصممون . سمعت انهم اقاموا السدود ونكثوا العهود وعلمت من امرهم ما علمت انت ولكنى مسبشر . او سمعت انت بثورة الاحرار ؟ فمن يوقف السيل اذا هدر وسيلنا يا اخي هادر الى الجلاء مبتز كل الانقال مقتحم كل الاقفال لن يحول دونه حائل . سنقهر الاعداء لاننا مؤمنون ومن آمن بحقه فى العزة والحياة الكريمة فى كنف الحرية والعدالة والنظام لن يغلب . الم تتجل هذه القوة الروحية وهذا الايمان المطلق بالنصر فى ليلة من ليالينا الخالدة عندما تجمع مواطنونا امام الاسلاك الشائكة ووقفوا في وجه العدوان كالرجل الواحد بنادون بالجلاء لتسلم هذه الارض الحبيبة وتطهر تربتها . لقد كتب اخواننا بحماسهم واستعدادهم للتضحية فى ليلة واحدة صفحات لن يمحوها العابثون الا بالدم الغزير وما اظنهم يقدمون على مثل هذه التضحية وقد فقدوا معنوياتهم
وكانما صدئت بنادقهم فى ليلة واحدة . سمعت احدهم يقول : خسارتنا فادحة وان لم ترق منا الدماء واظنه لم يقلها هازئا ولا مازحا وانما شعر كما شعر رفقاؤه فى تلك الليلة الليلاء بان هزيمة الجيوش كثيرا ما تتأتى عن ضعف فى المعنويات وقد ضعفت معنوياتهم رغم غلظ الاجساد وتوحش الطباع رغم النار التى بين ايديهم ورغم العدد والعدة . "
ولم احول ان اوقف صديقى عند هذا الحد فكانما كنت انتظر منه خاتمة لهذا الحديث المسترسل الذى كان يخرج من فمه قلائد وعناقيد كلها بشرى وكلها امل وكلها ايمان بالنصر . وسكت لحظة ثم اردف فى نفس اللهجة سندخلها كما كان يدخل النبى الكريم الكعبة ويصلى بها والاوثان تحفه من كل جانب وكما دخلها وصلى بها صلاة الاسلام مع الفين من المسلمين . فما كان لمحمد والذين اتبعوه الا يصلوا بمكان فيه اصنام وتماثيل ، والاسلام ايمان بالله والشكليات فيه اعراض لا تقعده ولا تثنيه . سندخلها يا اخى كما دخل عمر الكنائس وصلى بها مقتديا بالرسول العربى الكريم ومصدقا بالحكمة السائدة فى الاسلام : من صدق ايمانه وخلص لله وجهه فاينما ولى فثمة وجه الله .
وعن قريب . . . عن قريب لا محالة نحطم الاسلاك ونكسر القيود كما حطم محمد الاوثان والاصنام حول الكعبة وفى جوفها يوم فتح مكة حتى تكون بنزرت حراما على كل مغتصب دخيل كما اصبحت الكعبة حراما على كل دين الا على الدين الذى اوحاه الله الى نبيه الكريم .
