ان الوظيفة الادارية التى شغلتها طوال سنوات متتالية - وقد اشغلها لمدة طويلة اخرى - لم تمثل فى حياتى - ككاتب ومفكر - سوى قوسين وهى بالتالى لا يمكن أن تضع حدا لمشاغلى الرئيسية أو توقف باية حال من الاحوال التيار الذى بدفعنى الى التعبير عن ذاتى . فالكتابة بالنسبة إلي حاجة وتكاد تكون هي الجوهر وليس ما دونها سوى العرض والعبور السريع او إذا شئت محطة الانتقال من نقطة الى نقطة اخرى اى بين المبتدأ والمنتهى او المنطلق والمقصد .
وما دامت قواى المادية والروحية والفكرية تسمح لى بتخصيص بعض ساعات الليل للكتابة او لمجرد التفكير والتأمل والتخطيط لما قد أكتب فى العاجل او الآجل فانا لا ارى ما يمنعنى من ممارسة هواية التاليف . اقول هواية لانك تعلم ان الكاتب عندنا وفى كثير من البلدان المتخلفة لا يمكنه فى الظرف الراهن ان ينصرف الى الكتابة والتأليف انصرافا كليا فيتفرغ لذلك ويحترف مهنة الكاتب ويعيش من موارد حقوق التاليف . فنحن ابعد ما تكون من الاحتراف لكننا رغم ذلك نكتب وفى ظروف عصيبة فى كثير من الحالات .
وبالعودة الى موضوع الوظيف اقول : لا حق لاى كان ان يحدد للمرء بصفة قسرية وبالتالى اعتباطية ما يجدر به ان يفعل او لا يفعل . وما دامت المسؤوليات الادارية لا يلحقها اى ضرر من تعاطى هواية يمارس فى غير ساعات العمل فالقضية لا تستحق ان نطيل فيها الحديث .
وقد يتبادر الى الذهن ان ما اكتبه وانا اتحمل مسؤولية ادارية او حتى سياسيه وبالتالى ما أنشره من كتب أو مقالات من شأنه ان يلزم عملى ويصبغ
عليه بعضا أو كلا من مواقفى ونزعاتى وافكارى ذاك تساؤل له ما يبرره ولاشك . لكنى أجيب عنه بما لا يدع فى نفس السائل مجالا للشك او اللبس . أنا اتحمل مسؤولية لكنى لا أمسك بين يدى بأى هدب من اهداب السلطة .
القرار بيد من قلدنى مسؤولية ادارية ولا أعدو أن أكون سوى مجرد منفذ السياسة يمسك بخيوطها المسؤول الاول عن الادارة التى تشغلنى . أو قل انى بمثابة المستشار الذي قد يلجأ الى مشورته من حين الى آخر فى ميدان يعرف عنه الكثير ومارس فيه اكثر من مسؤولية طوال سنوات عديدة وقد ألزم من يستشيرينى فعلا لكنى الزمه بما أعتقد أنه مؤمن به مسلم بنجاعته إذ أن أفكارى ما انفكت تدعو لنفس الاغراض وهى بالتالي فى ميدان الثقافة بالذات تندرج فى المشروع الثقافى الوطنى الذى نحلم جميعا فى تونس ببعثه وتحقيق رؤاه الاستقبالية رغم فوارق طفيفة لا تمس الجوهر الذى يبدو أننا جميعا متفقون عليه ومقرون العزم على بلورته وادخاله حيز الواقع فى الحياة اليومية .
فالخلط بين المسؤول بالوزارة وبين المنتج فى بعض الميادين الثقافية لا يمكن أن يحرجنى أو يحرج من أسند إلى المسؤولية ذاك أمر مفروغ منه بالنسبة الى على الاقل . فانا اشعر بأنى أفيد فى كلتا الحالتين اذ اتقبل فى نفس السياق وبنفس التلقائية ونفس التحمس ما يدخل فى نطاق الحقيقة وما هو من مشمولات اليقين ما يتميز بالفردية وما هو فى اتجاه المجموعة .
وقد يختلف الامر وتصبح القضية المطروحة معضلا بحق لو كنت أشغل منصبا بوزارة الفلاحة أو وزارة المالية . لكنى اليوم أعمل فى نطاق الفكر والادب والفن ويتسم عملى بالشمول والحركة والتخطيط للمستقبل . لذلك لا أرى من حاجة الى وضع نقطة استفهام حول ما يتصل بهوايتى ككاتب وبهويتى كمسؤول . نظرتى للكون وللحرية فى الحالتين ما انفكت تعتمد مبادئ راسخة
فى الذات تدفعنى الى الافضل والامنع والامتع وما من قوة فى الدنيا يمكن أن نقصينى عن التمسك بها والذود عنها . الانسان بالنسبة الى هو كبد الارض وقلب الكون النابض ابدا . فهو المبتدأ والمنتهى وكل عمل لا يتجه الى خدمته ولا يدفعه الى تبديل احواله من حسن الى أحسن هو فى نظرى اجرام لا مثيل له والحاد بالتطور وبسنن الكون جميعها . ويتعين الوقوف فى وجه المجرمين بالمساعد والفكر والقلم واللسان معا . وذاك جوهر الثقافة ومسؤولياتها الدائمة عبر كل العصور . اذ الثقافة انسانية أو لا تكون وذاك بالذات ما خولها فى ماضى البشر ويخولها حاليا وسيخولها فى المستقبل وعلى الدوام حق
التدخل فى مصير الناس لا بصورة هامشية أو عرضية أو ظرفية لكن بالفعل الفاعل المبنى على الوعى .
لقد ناهضت وما زلت أناهض من يحصرون تطور البشرية فى التكنولوجيا المعاصرة وينسون أو يتناسون تدرج الانسان فى ماضيه الطويل نحو الاكتشافات العجيبة والاختراعات العبقرية وكلما قطع الانسان شوطا من الطريق خيل له أنه بلغ الغاية وحصل على المقصد . ولولا الثقافة التى ما انفكت تعمر صدره لدفعه الغرور الى اكثر من هاوية ولانتحر فى النهاية انتحارا لا رجعة فيه . لكن الانسان استمر وفي استمراره سر عبقريته واعجاز خلقه .
ونعلم ان الدول دالت وان الحضارات اندثرت وان الكوارث التى مرت بها البشرية لم تكن سوى حافز لها للخلق والابتكار والبعث الجديد المتجدد . فمن غير الانسان يستطيع أن يخلق من ضعفه قوة ؟ وما غير الثقافة يدلل على عظمة هذه المسيرة الدائبة نحو مواطن القوة ؟
ان تاريخ البشرية حافل بفترات التحرر وفترات الاستعباد وما من مجتمع بشرى امكنه أن يصمد أمام النائبات والماحقات دون الاعتبار بالتاريخ الذى هو فى الواقع تسلسل زمنى ومواقيت للناس يتعين التحكم فيها والسيطرة على اعنتها . فالساعة التى تضبط هذه المواقيت بصرف النظر عن شكلها - وقد اتخذت عبر التاريخ اشكالا عديدة لا حصر لها - هي صنو النظام الاجتماعى الذي انشأ دولابها ودبر استعمالها لا لشئ سوى لتنظيم أحوال البشر على أساس يجعلها تتحكم فى مصيرها من الدقيق الى الادق من مجرد تعداد السنوات والفصول والأشهر والايام الى تعداد الساعات والدقائق والثوانى .
ومن ابسط الساعات الشمسية الى ساعة " الكواتز " التى تطوق معصم الكثير فى أيامنا وتشير الى كسور الثوانى من أيامهم ولياليهم مرت المجتمعات البشرية بأطوار من الزمن كانوا فيها عبيدا أو سادة لكنهم كانوا قبل كل شئ متفاعلين مع الزمان سواء منه زمان الآلهة أو زمان الاجرام أو زمان الآلة أو زمان الطاقة او زمان الاصطلاحات الذى نحياه الآن مع التكنولوجيا القاهرة المسيطرة على كل شئ والتى كادت تحيل الانسان نفسه الى ساعة اصطناعية متنقلة على رجلين .
نحن يا سيدى فى أعجب عصور السرعة مما يفسر الكثير من أحوالنا نهافت بعضنا على الكسب العاجل أو اقبال بعضنا الآخر على العنف أو ادمان الكثيرين شتى مواد التخدير والتيه والغثيان . فهل من منقذ للبشرية من هذه
الكوابيس؟ وهل من مخرج له مما تردى فيه من انواع الانحلال والانحطاط والتهور ؟
لابد للانسان من وقفة تأمل يعدل خلالها ساعته ويحزم أمره ثم ينطلق من جديد وهو على بينة مما ينتظره فى غده . هكذا يكون السعى والا كان خبط عشواء فى حلكة الزمن المجهول . ونعلم أن من بيننا من سيعدل ساعته على توقيت موسكو أو على توقيت نيويورك ونعلم ايضا أن البعض منا سيدفعه التشاؤم الى القنوط المطلق فيترك الساعة لشأنها فاذا هو يعيش فى لا زمان وبالتالى فى لامكان عملا بقولة من قال :
(( فز بنفسك ان كنت ضيما وخل الدار لمن بناها )) .
لكننا نعلم ان الواعين منا بقضاياهم وقضايا أمتهم وقضايا البشرية فى عصرنا سوف يعدلون ساعتهم حسب توقيتهم هم لانهم بشر أيضا ولان لهم فى الحياة مطمحا ومنزعا ومذهبا . يكفى أن يكون الوعى ليكون البقاء والاستمرار
المهم أن نعرف من نحن واين موضعنا فى الكيان فى الزمان فى غمر الناس لنتخذ الموقف الموقف من أنفسنا ومن غيرنا ولننصرح برأينا ونعبر عن ذواتنا فى طلاقة ودون خوف أو وجل لاننا - مبدئيا على الاقل - كغيرنا من البشر لنا رأى فى الحياة وقول فى مصير البشرية .
ولسنا فى الواقع بين قطبين متنافرين أو بين (( اما واما )) كما يحلو لى أن أقول فالقضية اكثر تشعبا مما يتصور الكثيرون منا ويمكن تفريعها الى ثلاثة مواقف تفرض الآن نفسها على البشرية وتمثل اختيارات لا مناص من التوقف عندها .
فاما محافظة محنطة جامدة على كل ما هو قديم مناهض للمعاصرة يرتجف من فرط الذعر اذا لامسته انسام الاصباح الجديدة وهو بالتالى محكوم عليه مسبقا بالركود الاقتصادى والثقافى والاجتماعي معا .
واما حداثة عمياء مغربة فى الثقة بكل ما هو موعود وما يحمله عصر الطلاسم والخوارق والاصطلاحات والتكهنات من ضروب القيود المقبولة اليوم عن طيب خاطر والتى لن تلبث أن تلقى بالبشرية قاطبة فى هوة اليأس والوحدة الخانقة وظلمة العبث .
أما ما كان يسمى عندنا بالمنزلة بين المنزلتين زمان المعتزلين ويتمثل الموقف فى الاقبال على التكنولوجيا المعاصرة والكرع من جميع مناهلها والتسلح بكل وسائلها مع ضرورة المسك بزمامها مسكا يجعل الانسان هو سيدها والمتحكم فى نتائجها العاجلة والآجلة أى فى أثرها على حياة الناس حاضرا ومستقبلا .
الاختيار الثالث هو فى نظرنا عين الصواب لانه يفتح أمام الانسان أبواب الحضارة الجديدة التى نريد والتى تفسح له ارجاء التحرر والانعتاق بما فيها من سعة ومن رفاه . وبمعنى آخر يمكن أن يعلق الانسان همته بأمل ان ليس كل ما هو آت هو بالضرورة ممحق للبشرية مناهض للقيم متسبب حتما فى نهاية الدنيا وانتحار الانسان . فقد يكون الافق محملا بآيات من الابداعات والابتكارات واكتشافات هى بمثابة انعتاق جديد للبشرية لا سابق له فى تاريخها الطويل وعمرها المديد منذ ان قذف بآدم على وجه البسيطة .
ذلك اننا اذا كنا على بينة من الماضى الذى هو بطبيعته محتوم لانه عيش ومرت أطواره فعلا على البشرية بحلوه ومره ويمكن القول بانه من قبيل الضرورات فان المستقبل هو على نقيض الماضى من قبيل الممكنات . وقد يخرج الصالح من الطالح كما نقول وما بعد العسر الا اليسر كما نعلم . فلو لم يكن ذلك جائزا ومحتملا لما كان الامل ولانقطع فى جسد الانسان شريان الحياة .
انظر الى الذين ضحوا بأرواحهم فى معاركنا المشرفة ضد الاعداء على اختلاف اجناسهم فى الماضى البعيد والحاضر القريب ماتوا لنحيا نحن ولتورق أشجار الحرية . تلك سنة الكون فالليل يتبعه النهار والحرية يسبقها دائما القهر والرق والويل والدمار وكل يأس رغم فداحته وفظاعته يحمل في طياته نطفة من أمل وفسحة من رجاء . من اجل البقاء من اجل الاستمرار . هكذا . . . حتى قيام (( الساعة )) .

