تقف بالمحطة وبيدك الحقيبة . نظراتك زائغة وركبتاك ترتعشان . . تحول ببصرك من حواليك فتلفى نفسك محاطا باسوار المبانى الشاهقة .. وخلف هذه المبانى مبان اخرى .. فى مكان ما من هذا الحشد من العمارات يوجد مأوى ما يقيم به ابنك .. لكنك لا تعرفه .. فقد يكون على بعد بضعة خطوات منك وقد يكون على بعد بضعة كيلومترات وقد يكون أبعد وقد يكون أقرب .. وقد لا يكون موجودا بالمرة .
تحتار فى أى اتجاه تأخذ .. ذراعك تنوء بحمل الحقيبة .. تضعها على الارض تجلس عليها.. يثقل رأسك .. تضعه بين يديك .. تأخذ فى التفكير.. ما الحل .. لقد غادر ابنك البيت منذ بضعة أشهر لا تعرف عددها بالضبط ، اثر خصام نشب بينه وبين زوجتك وانحزت فيه اليها انحيازا أعمى كما جرت العادة ورميته بألذع أنواع السباب وأطردته من منزلك .. فخرج ومن يومها لم يعد . . لم يصلك عنه بعد ذلك أى خبر .. شكرتك زوجتك الشابة لانك لم تخيب ظنها فيك وتصرفت كما يجب على الأب أن يتصرف في مثل هذه الحالات مع ابن عائق يضايق زوجة أبيه .. قالت لك : إنه يعمل ويكسب الكثير ولا يصرف شيئا على البيت والأسرة .. قلت لها مصححا : إنه كثيرا ما يبتاع الملابس واللعب لاخوته ، قالت لك : ذاك لا يكفي .. قلت لها : إنه لا يتردد اطلاقا على مساعدتك كلما احتجت وطلبت منه ذلك . قالت : اني أريد أن يضع كل ما يكسبه بين يدى لأصرفه على لوازم البيت ، قلت لها : ان ذلك غير معقول وانه شاب وحاجياته كثيرة وهو بصدد بناء مستقبله ، قالت لك : انك تبالغ فى تدليله وانها لم تعد تطيق بقاءه فى المنزل وانه يدخن كثيرا .. وانه .. وانه .. وانه .. وانها بحاجة ماسة الى الغرفة التى يقيم بها لتستعملها فى أغراض أخرى .. قلت لها .. قالت لك .. قلت .. قالت .. حتى كان ذلك اليوم الذى فاض فيه الكأس وأطردته .
ولم تشعر فيما تلا من الايام بأى ضيق .. لكن ما ان مضى اسبوع حتى بدأ شئ في صدرك يتحرك .. وبدأت تفتقد حضوره وتفتقد صوته .. ثم بدأت تحن اليه .. صرت تكثر من الدخول الى غرفته وتتأمل بألم ما ادخلته عليها زوجتك من تحويرات كانها أقرت العزم على الغائه تماما وكأنها اطمأنت الى انك استسلمت للامر الواقع . ظهر عليك نوع من الاضطراب وبدأت تلوم نفسك سرا ثم علانية وتفطنت زوجتك الى ذلك فسارعت الى تعنيفك بشدة ورمتك مرة أخرى بالضعف ، ووصفته بالعقوق .. لكنك غضبت كما لم تغضب فى حياتك ، وقررت أن تسافر للبحث عنه .. وقبل أن تفلح زوجتك فى اثنائك عن عزمك اخذت حقيبتك وقصدت العاصمة .
ترفع رأسك .. ويعود بك الوعى بمكانك فى المحطة .. تحس بالدمع يبلل رموشك وبالغصة تسد حلقك وتتساءل عن وجهتك .. أمامك ست ساعات من النهار .. وبعدها يأتي الليل وتصبح مهمتك أكثر صعوبة .. أقدام المارة تقرع الرصيف بجانبك .. أطفال صغار لم يهملهم آباؤهم يلعبون ويتصايحون ، سيارات وعربات مجرورة تمر عن كثب منك .. كلهم يعرفون وجهتهم الا أنت .. تقف وتقرر ان تسير الى حيث تقودك الصدفة لعل القدر يهئ لك لقاء .
قدماك تنتقلان بوهن والحقيبة تزداد ثقلا .. هممت أن توقف تكسى لكن بماذا تشير على السائق . . أين أنت يا هادى يا ابنى لماذا تعذبنى بالبحث عنك .. قد يكون فى السجن وقد يكون فى المستشفى من يدرى ؟ تنقم على زوجتك في تلك اللحظة لانها هى السبب .. بل أنت .. بل هي .. ماذا يفيد هذا الآن المهم ان تجد ابنك .. ها هو ذا .. كلا انه فتى يشبهه .. لا يمكن ان يكون القدر متسامحا لهذا الحد.. تواصل السير وقدماك بدأتا تؤلمانك .. تمر بحديقة وتلجها تجلس على بنك وتضع الحقيبة بجانبك .. تعود الى التفكير فى المكان الذي ينبغى ان تقصده .. النزل .. ذاك افضل مكان .. تعجبك الفكرة فتسارع الى تنفيذها .. تقوم وتخرج مهرولا وترمى بنفسك في الشوارع عيناك معلقان الى فوق تتطلعان الى جباه الابواب .. وكالة السعادة ، هذا هو مبتغاك تجتاز العتبة تفضى بك الى دهليز.. تشاهد عجوزا يجلس على دكانه .
تسلم عليه فلا يرد ، تسأله عم إذا كان لديه غرفة شاغرة ، يهز رأسه بالايجاب ويقودك الى غرفة بها خمسة أسرة يشير عليك باحتلال واحد منها ، تضع حقيبتك تتمدد على سريرك تعود الى التفكير فى المهمة التى جئت من أجلها تنظر الى ساعتك ، بينك وبين المغرب ثلاث ساعات بامكانك أن تقطع
خلالها ما شاء الله من الكيلومترات وتتصفح مئات الوجوه ، تقوم على عجل وتغادر الغرفة ، يتلقفك الشارع .. تتجه حيثما اتفق تاركا للصدفة أن تقودك حيث ربما يوجد ابنك ، تحس بالنشاط رغم التعب ، تأخذ عيناك تنتقلان من وجه الى آخر تكاد تصاب بالدوار ، وجوه متعددة الاشكال والالوان . . وفى كل مرة تتوقع ان تقع عيناك عليه ، تشعر بالتعب تجلس على أول كرسى يصادفك ، لم تطلب شيئا ، يتجاهلك النادل ، بقيت أمامك ساعة واحدة ، تتذكر المسافة التى تفصلك عن الوكالة تقرر العودة ، تقوم وتعود أدراجك ، تواصل السير بلا هوادة .. تتنقل من شارع الى آخر .. وفجأة .. تدرك انك تسير فى طريق لا يقودك الى مبتغاك .. انك تتوه فى المدينة ولا مخرج لك .. تعتصر دماغك لتذكر اسم الوكالة التى نزلت فيها دون جدوى . تستعرض عدة تسميات تصلح لأمثال هذه المحلات فلا تجد واحدة منها تنطبق على وكالتك ومع ذلك تواصل السير محدقا فى اسماء الشوارع لعلك تتذكر انك مررت منها سابقا .. انك تبتعد بدون شك .. ما أسهل الضياع فى مدينة لا تعرفها .
تقفر الشوارع شيئا فشيئا من المارة .. لم تعد تتبين الوجوه القليلة التى تصادفك .. يهبط الليل وتضاء الانوار وتخرج القطط تبحث لها فى صناديق القمامة عما تقتات . تحس لأول مرة بالجوع يقرص امعاءك . انك لم تأكل شيئا منذ الصباح .. لم تأبه لذلك تواصل السير بلا هوادة .
تصادف حديقة فتدخلها وتقرر ان تقضى الليل بها تتكئ على البنك وتضع ذراعك تحت رأسك وسرعان ما تنام .. يوقظك حارس الحديقة ويقول لك : ليس الحديقة محلا للنوم ، أتظنها وكالة السعادة ؟ .. وكالة ... وكالة السعادة ! لقد انفجر الاسم فى رأسك .. وكالة السعادة .. لقد قبضت على طرف الخبط .. وكالة السعادة .. ولكن من سيهديك اليها .. تغادر الحديقة بسرعة تقصد أول مركز للشرطة تسأل وتسأل لا أحد يعرف وكالة بهذا الاسم ها هى صيدلية تدخلها .. تسأل عن وكالة السعادة فلا يجيبك أحد .. لا أحد يرغب في مساعدتك .. تجد نفسك وحيدا فى مدينة واسعة الكل بسببها لا يدرى الآن ما أنت فيه من غم ..
وتعود بك الذاكرة الى الماضى يوم كان الهادى صبيا يدرس ، كان ولدا ذكيا .. وكنت ساعتها تتردد على المدرسة لتسأل عنه المعلم فيطمئنك عليه ويقول لك : انه طفل نجيب حقا . وكانت بطاقته الثلاثية ترد عليك فتقرأ فيها ملاحظات طيبة واعدادا مشجعة فيملؤك الفخر به وتتنبأ له بمستقبل بسام ... وتموت والدته .. ويدخل هذا الحدث الاضطراب
عليه بيد انه استطاع مع ذلك استعادة توازنه بسرعة وابراز تفوقه من جديد لكن الى حين . فما أن تزوجت حتى بدأت تظهر على الولد اعراض اخرى لا تبشر بخير .. ولم تول انت ذلك اهتماما فقد تفرغت لعروسك الشابة كليا ، ونسيت .. نسيت ابنك .
وذات يوم اطرد الولد .. اطرد من المعهد لضعف نتائجه ولكنك لم تشعر بما يشعر به الآباء عادة فى مثل هذه الحالات لأنلك كنت غارقا يومها فى السعادة . حتى أذنيك ولم تأل زوجتك جهدا فى التهوين من شأن الحدث مشيرة عليك بتعليم ابنك حرفة لان ارباب الحرف يكسبون أكثر من الموظفين وقصت لك حكايات عديدة لناس تعرفهم حققوا مكاسب كبيرة فى حياتهم واشتروا الحلى لزوجاتهم واستحسنت الفكرة ورحت تبحث لابنك عمن يقبل تلقينه صنعة فلم تجد الا حلاقا مسنا يملك دكانا قريبا من منزلك قبل تعليمه الحلاقة فأودعته عنده وانت راض عن نفسك لتتفرغ الى عروسك .
لكن الولد سرعان ما قلق من العمل بالدكان فصار يكثر من الهروب ووضعك امام مسؤوليتك مرة ثانية تجاهه فتبرمت من ذلك ولم تترك زوجتك الفرصة تمر دون ان تدين هذه العملية شر ادانة وأشارت عليك بالحاقه بعمل مهما كان لتستريح منه .. ففعلت وصار الولد يعمل مساعدا لاحد البنائين وذقت انت أولى نقوده .. ولم تمض بضعة أشهر حتى حذق صناعة البناء فالتحق بحضيرة احدى الشركات فتحسين حالته المادية ..
انك تتذكر كل هذا الآن .. وتعجب كيف حدث هذا دون ان تتدخل لتساعد الولد وتنقذ حياته .. كانك كنت غائبا طيلة هذه المدة عن الوعى .. تنظر الى ساعتك ، كانت تشير الى الواحدة ليلا وانت لم تيأس من العثور على ابنك . اتراه كان حاقدا عليك لانك قصرت في القيام بواجبك نحوه .. تشعر بالتعب والضياع لكنك تشمت فى نفسك .. ها هو ذا مركز شرطة تدخل تسأل ، فيجيبك الشرطى نعم اعرفها ويرسم امامك على الورقة الطريق الموصلة للوكالة .. تنطلق مسرعا حتى تصل الى محل اقامتك وهناك تلقى بجسمك على السرير وتنام .. كما لم تنم فى حياتك قط ..
تحس بيد تهز كتفك وصوت اليف يدعوك ، تفتح عينيك لقد طلع النهار .. تحدق فى الرجل المنتصب لصق سريرك . كان عارى الصدر وعلى وجهه ابتسامة .. ابتسامة عريضة تعرفها جيدا وتحبها جيدا وتراها دائما مرتسمة على وجهه عندما كان صبيا . وتلقى بنفسك في احضانه .
