الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

من وحي القانون العام

Share

الاعلان الاول لحقوق الانسان

يمر الفنان وخمسمائة عام على تأسيس امبراطورية من اعظم الامبراطوريات التى عرفها العالم منذ فجر التاريخ ، وكان تأسيسها على يد احد ابنائها الذين أطردوا العابرين الغاصبين ، الا وهي أمة الفرس العتيدة التى أتيح لها بفضل اخلاص ابنائها ان امتد سلطانها على أوسع رقعة من العالم فكانت المنافسة لدولة الروم التى يمتد سلطانها من البحر الاحمر الى المحيط الاطلنطي . وقد انتشرت حضارتها فى البلاد الداخلة تحت نفوذها والخارجة عنه مما بقيت آثاره خالدة الى اليوم فى لغات الامم المتحضرة وعاداتها .

واذا كان مجال القول فى هذا الشأن فسيحا فى ميادين الادب والفنون والتاريخ ، فمن المفيد طرق جانب آخر لم يسبق التبسط فيه لقلة مصادره وله مساس من قريب بالقانون العام وتسيير شؤون الدولة لم يعدم حظه من الانتشار الى هذا اليوم ، وسنتتناوله على اساس ما عثر عليه من وثائق ثابتة كانت دفينة فى خزائن الزمان القرون الطويلة الى ان اكتشفها علماء البحث عن الآثار ، وكان فى مقدمتها نقيشة اسطوانية الشكل صادرة عن مؤسس هذه الامبراطورية قورش الثاني المعروف بقورش الاكبر ، فقد حدث التاريخ عن هذا القائد الكبير الحديث الكثير ، ونسب له من الكرامات بمناسبة فتوحاته وانتصاراته ، ما جعل روايات التاريخ حول حياته موضوع تضارب وخرافات ، حتى قال عنه المؤرخ اليونانى الكبير " هيرودوتس " ان الاحداث التاريخية الثابتة فى شأنه هى التى روتها بدقة الوثائق المسمارية الرسمية المحفوظة في الخزانة البابلية ، اما غيرها فلا بد من التحقق منه .

وعلى كل فقد كونت هذه الروايات مجالات فسيحة امام الرسامين وناسجى الزرابى منذ القرن السادس عشر م . فرسموه ونسجوه فى الجداريات بمتاحف بوستن وكرينال فرومة وجنوة وفلورانسا ، وزرابي قصر فرساي

وجداريات اقبيته بفرنسا وكلها تمثل حياة قورش الخيالية ، ولا غرابة فى ذلك فقد كانت الاعمال الملهمة التى قام بها الابطال فى العهد القديم موضوع قصص وروايات نادرة .

وقد بقيت حقائق تاريخ هذا البطل مجهولة الى سنة 1879 م . حيث قام اكابر الاخصائيين من علماء الآثار البريطانيين بحفريات بالشرق الاوسط بمنطقة " أور " مدينة الكلدانيين القدماء فيما بين النهرين وعثروا على الوثائق التى كان أشار اليها المؤرخ اليونانى " هيرودوتس " وهى اسطوانية الشكل مكتوبة بمختلف اللغات الاشورية والارامية ففتحت مجالا للكشف عن الحضارات الفارسية المختلفة وسياسة ملوكها وكان من بينها تلك النقيشة الهامة من الطين المطبوخ المحفوظة الى اليوم بالمتحف البريطانى بلندن فقد ثبت انها مكتوبة بالاحرف المسمارية وباللغة الارامية السامية المنتشرة الاستعمال ببابل وتولى اولئك العلماء نقل عباراتها الى اللغة الانقليزية ، فانارت السبيل امام الباحثين مما كان له الاثر الاكبر فى ابراز مجد الامة الفارسية وعظمة تاريخها وفضلها على العالم حتى فى القانون العام ، وحق لجلالة الشاهنشاه آريامهر الحالى ان يصف محتوى تلك النقيشة بانه أول دستور لحقوق الانسان .

ولم نقف بالنشريات العربية التى لدينا على نقل نص تلك الوثيقة الى اللغة العربيه ، فتفضل الدكتور على الشابى - مشكورا - وهو احد رجال أسرة " الفكر " - بترجمتها الى اللغة العربية بالنص التالي :

" أنا قورش ملك العالم الملك الكبير ، الملك القوى ، ملك بابل ، ملك سومر واكد ، ملك الاطراف الاربعة للعالم ، ابن قمبيز الملك الكبير ، ملك انشان ، حفيد قورش ملك انشان الكبير ، من اعقاب جيش يش ، الملك الكبير ، ملك انشان ، دوحة السلطنة الابدية ، موئل عناية " بعل ونبو " ومحل رعايتهما، دخلت " تين تير = بابل " بلا حرب ولا مقاومة فاستبشر الناس بي وجلست فى قصور السلاطين ، " فمردوك" الاله الكبير ، ربط قلوب الناس بي لاني كنت منشغلا دائما بالثناء عليه ، دخل جيشى العظيم ( بابل ) بكل سهولة ، ولم اسمح لاى شخص ان ينشر الخوف والرعب في ارض " سومر ، واكد " ، تألمت للأوضاع الداخلية ببابل وامكنتها المقدسة فعمدت الى اصلاح الاوضاع ، وقد لقى اهلها فى ظلى ما أملوا ، وتخلصوا من رق الملحدين ، كما وضعت حدا لتخريب بيوتهم ، كذلك لم أترك مواردهم المادية تذهب هباء .

فرح " مردوك " الاله الكبير بأعمالى ، وحيث اننى اثنيت عليه بسرور

بالغ ، غمرني عن طريق العناية الالهية أنا قورش الذى أعبده وابنى قمبيز وجميع جيشى ببركاته ، فملوك العالم الجالسون فى قصورهم من البحر الأعلى حتى البحر الاسفل ، وملوك المغرب الذين يعيشون فى خيامهم قدموا لى الخراج والهدايا الكثيرة وقبلوا قدمى فى بابل ...... من " اشور " و " سوس" و " أكادة " و " اشنوناك " و " زامبان " و " متورنو " حتى نواحى ارض كيوتيون " ومدن ما وراء دجلة المقدسة ؛ استرجعت الالهة التى نقلت اليها الى مواطنها ، جمعت الناس ، وبنيت مساكنهم من جديد ، واعدت الى سومر وأكد آلهتها التى حملت الى بابل ، ووضعتها فى قصورها التى تسمى " شادى دل " وبذلك انهيت غضب إله الآلهة بأمر من " مردوك " الاله الكبير " .

ولتوضيح الظروف التى احاطت باعلان هذه الوثيقة الهامة والغايات الانسانية العالية التى تلوح من سطورها وجب عرض المامة خاطفة على التاريخ المعاصر لها ليدرك رجل القانون مدى اهميتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

لقد حدث التاريخ القديم عن رقعة فسيحة من أرض القارة الاسيوية يحدها شرقا وجنوبا الاقيانوس الهندى وخليج العجم ، وشمالا بحر قزوين والبحر الاسود ، وغربا البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر ، معظمها جبال فى الشمال وصحارى فى الجنوب ، فكان الوطن الاول للانسان واقعا بين هذه الصحارى وتلك الجبال فى ارض هلالية الشكل ، صالحة للزراعة ، عرفت بالهلال الخصيب ، قدم فيها الانسان اجل ما بلغت اليه قريحته فى ذلك العصر - الذى يرجع الى 3.000 سنة (ق . م .) - من ضروب الاكتشافات ، وبناء المدن ، واقامة الحصون المنيعة ، وادار فيها اهم الوقائع والحروب بين الامم ، فدالت دول ، وسقطت اخرى ، وتدمرت المدن ، وأقيمت مدن اخرى ، وتفنن الانسان فى الغارات والاستيلاءات وانظمة الحكم فى الدولة وطرق اخضاع الشعوب بالقهر والتعذيب والحرق والتقتيل والتشريد ، وانحدرت القبائل من اواسط آسيا ، فريق الى المشرق والجنوب ، وفريق الى الشمال والغرب فتكونت الامم والحضارات وظهر علم الفلك والتنجيم وانتشرت انواع المعتقدات والعبادات .

وكانت ايران منذ اقدم العصور ممرا للجماعات البشرية ، وملتقى لاجناس مختلفة ، وتيارات فكرية متباينة ، كما انها كانت عرضة لغارات الغزاة من القبائل الرحل الذين كان همهم النهب والسلب وتخريب المدن العامرة غير

ان القوة الكامنة فى الشعب الايرانى وفي الحضارة الايرانية كانت دائما أقوى من هذه الجحافل فبعد ان تخف حدة الغزو تعود الحياة الى مجراها مرة اخرى ، فالدول التى تداولت على اجزاء الرقعة الفسيحة التى اشرنا اليها سابقا كان لها صداها الكبير فى التاريخ ، فهذه سومر مركز الامبراطورية الاولى فى التاريخ واهلها من السكان الجبليين ، تغلب عليهم فريق من الساميين الرحل ، ثم عاشوا جنبا الى جنب ، ودام ملكهم ثلاثة قرون الى ان ضعف امرهم واستولى عليهم " حامورابى " جامع اول قانون كتابى .

وهذه دولة اشور التى عاصمتها " نينوى " الواقعة بجزيرة دجلة والفرات كانت دولة عظيمة اتحد ضدها الميديون والفرس والكلدان الساميون واستولوا عليها واسسوا دولة كلدانية جديدة ببابل .

وهذه دولة الماديين الذين حكموا الفرس ، وعاصمتهم همذان اشتهروا بالشجاعة وحسن السياسة ، وفى سنة 625 ( ق . م . ) اتحدوا مع الكلدانيين واستولوا على " نينوى " عاصمة الاشوريين ودمروها وانتشوا بنخوة هذا الفتح فأخلدوا الى اللذات وتقهقر نفوذهم وصار الامر والنهى بيد الكهنة من المجوس ، وآخر ملوكهم " اسياج " جد قورش للأم .

وهذه امبراطورية الكلدانيين وعاصمتها بابل الشهيرة ، آخر ملوكها " نابونيدس " ( بختنصر ) اشتهر بعلو التربية ، وحب العمران ، والشغف بالحروب وتغلب على مصر والشام ، وخرب بيت المقدس ، وأسر اليهود ونقلهم الى بابل ، واعتنى بهذه العاصمة ، ونشر فيها اللغة الارامية ، وراجت التجارة رواجا عظيما ، وبنى القصور الفخمة ذات الاجنة المعلقة مما عد من عجائب الدنيا . الا انه كان واسع الخيال واراد ان يركز الديانة بعاصمتة فنقل عددا من الارباب المحلية لذلك العهد بالبلاد الخاضعة اليه الى معبد " بعل مردوك " إله الآلهة بباب فأثار تجديده هذا شكوك كهنة بعل ، واضمروا له العداء .

وهذه " أكد " الواقعة على السكة الكبرى التى تصل النهرين بالجبال الشرقية حكمتها قبيلة سامية من القبائل الرحل المعروفين بالأكاديين من ذوى الزعامة ، كثيرا ما جرت الحروب بينهم وبين السومرين الذين هم من القبائل الجبليين فغلب هؤلاء السومريون على أمرهم بالجملة التى قام بها " سرجون الأكدى " سنه 2750 ( ق . م . ) وكسر ملوكهم ، فكان أول ملك

أنشأ أمة عظيمة فى آسيا الغربية تمتد بلادها من عيلام الى البحر المتوسط ، ومن ثم شمالا الى محاذاة الرافدين ، واصبح افراد الامة قارين غير رحالين ، وانتقلوا من الخيام الى البناء .

وبالرغم عن عظمة هذه الدول وما احدثته من حضارات لم يتوصل حكامها الى الابقاء على الحكم بحسن المعاملة ، ومراعاة كرامة الانسان ، والمساواة في الحقوق والواجبات بين الافراد والكف عن انواع التعسف والإستبعاد ، فكان الحاكم ينعم بالصيد والرسم وسكنى بديع الفراديس وكل انواع الترف والملاهى على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها ، فيعاملها بأشد القساوة وسفك الدماء ، ومحاربة المعتقدات ، وتدمير معابدها ، وتحطيم اصنامها لاحلال معتقدات اخرى وضعية محلها .

وقد اثبتت بعض النقاش المعثور عليها ما يدل على ان اساس الحكم الى ذلك الوقت انما هو الاعتماد على القوة العسكرية واستغلال الانتصارات بدون اية رحمة ولا انسانية بل يفتخر الملوك المنتصرون بما قاموا به من انواع الظلم على الأمة المغلوبة ويسجلون اعمالهم كتابة على النقائش وتحفظ بالخزانة الرسمية بهذه نقيشة " أسيرنا سربال " سنة 884 ق . م . نقلها من الانقليزية الى اللغة العربية الاستاذ كمال العنابي :

"تطبيقا لامر آشور واشتار الالهين الكبيرين ، وبتأييد منهما ، هاجمت مدينة جينايو ، ومن أول وهلة قطعت رؤوس ستمائة نفر من جيوش العدو، وقتلت ثلاثة آلاف سجين حرقا ، ولم اترك ولو شخصا واحدا يمكن اخذه كرهينة ، وقد سلخت جلد والى المدينة بيدى ، وعلقت جلده على سور المدينة ، ، هكذا سقطت مدينة الذهب بين يدى ، لقد قتل ثلاثة آلاف شخص ، وحرق الكثير ، وقطعت ايدى الكثير من المساجين وارجلهم ، وقطعت الكثير من الاصابع والانوف والآذان ، وفقئت العيون ، وقطعت آلاف الالسن ، فكانت هنالك اكوام من الجثث ، وعلقت الرؤوس فوق اشجار العنب خارج اسوار المدينة " .

وهذه نقيشة " سنشيريب " سنة 689 ق . م . نقلها من اللغة الانقليزية الى اللغة العربية الاستاذ المشار اليه .

" لقد حاصرت واسقطت اربعة وثلاثين حصنا ، والمدن العديدة التابعة لها ، وقد اسرت سكانها ، ودمرت بيوتهم ، وجعلت من الكل رمادا ، واحرقتهم

كلهم ، حتى ان الدخان بقى لمدة ايام عديدة يتعالى فوق الرماد وكان دخان نقربان كبير ، وعندما اسقطت بابل واحرقتها غيرت مجرى الفرات فتدفق على المدينة وعلى اطلالها حتى تنمحى كل الآثار بما فيها آثار الاطلال " .

ولكن مادرى هؤلاء الحاكمون الجائرون ان ما ينزل بالمجتمع من مصائب وشقاء وفساد انما يرجع الى سبب واحد هو جهل كرامة الانسان وحقوقه والعبث بها او تجاهلها ، وعلى الباغى تدور الدوائر.

وهكذا كان ففي خضم هذه العبر من سوء سيرة الملوك مع الشعوب المولى عليها كانت توجد الاسرة الاخمينية وهى احدى القبائل التى تسكن جنوب غربى ايران ، وقد اسست دولة صغيرة بأنشان تعاقبت عليها عدة ملوك من العائلة القورشية ذات الاصالة فى الرأى والحنكة السياسية ، فكانت ترقب الامور عن كثب ، وتتقد حماسا ضد ما هو جار من سوء تدبير فى الحكم من القبائل الرحل الغاصبين . فتوفق قورش الاكبر الذى كان ملكا على انشان تلك الدولة الصغيرة واستلهم من احساسه الوطني وشعوره الفياض وعقيدته الروحانية ان يثور لكن لا للظلم والشهوات وانما لتطهير الامة الايرانية من الغاصب وابعاد الظلم عنها فى العاجل والآجل ، واهتدى الى ضم اشتات القبائل التى كانت تجمعه واياهم لحمة النسب وادخلهم تحت لوائه وفعل منهم أمة ايرانية يطربون لماضيهم الاصيل ، واغتنم ضعف نفوذ الماديين الذين صار الامر والنهى فيهم بيد الكهنة من المجوس فطالب باستقلال أمة الفرس وحارب في ثبات وثار على الماديين فى حرب دامت ثلاث سنوات تمت بانتصاره عليهم ودخل عاصمه ملكهم " همذان " سنة 547 ق . م . وأسر ملكها " الستياج" الذى ثارت عليه جيوشه وسلموه الى منقذ فارس واستحق بذلك لقبا اعظم من لقبه السابق فأصبح "شاه ايران " .

فاندهشت ممالك الغرب - بابل ، مصر ، ليديا - لهذه الانتصارات ورأوا ان الخطر يهددهم من قريب فسعى قارون " كريسس " صاحب " ليديا " في ايجاد حلف بينه وبين مصر وبابل لابعاد الخطر لكن قورش الانساني الثائر على الظلم وحب البذخ هاجمه واستولى على عاصمة ليديا " صاردس " سنة 546 ق . م . واعتقله اسيرا ثم حول مجرى نهر الفرات وجعل مجراه القديم طريقا للوصول الى بابل فوصلها بدون حرب ولا قتال اذ كان اهلها على أحر من الجمر فى انتظار من يحررهم من نير الاستعباد نتيجة السياسية القاسية الذي كان يتبعها نابونيدس ( بختنصر ) فثار احدهم الذى يدعى " كابورو البابلى " والى

الزاب وديالة بمساعدة الكهنة المحافظين الذين اغضبهم نابونيدس عندما اراد توحيد المعتقدات بجعل بابل مركزا لها ومهدوا لقورش الدخول اليها فى نخوة مبهرة بدون اراقة دماء وبدون تهديد او اى عسف وكان ذلك سنة 539 ، وما ان دخلها حتى عم البشر والسرور اهلها ، وكانت باكورة اعمال هذا الفاتح منع السبى وحماية المعابد وارجاع صور الآلهة الى امكنتها المنقولة منها وارجع لليهود اوانى الذهب والفضة التى اخذت من معبد سليمان ووجدت في خزينة بابونيدس وسمح لهم بالرجوع الى ارض فلسطين وان يعيدوا بناء المعبد المهدوم ، وما ان تم هذا الانتصار حتى اصدع فى السنة الاولى من جلوسه بالمبادىء التى يركز عليها سياسة دولته والتى طبقها تطبيقا حسنا واصدر الوثيقة المعلنة لاحترام الكرامة البشرية على الاسطوانة المكتوية بالاحرف المسمارية وبلغة اهل بابل ، وانتهج سياسة المجاملة ، وحسن المعاملة حتى مع اشد اعدائه من الملوك الذين دخلوا تحت أسره حتى ادعى الاشوريون انه رسول الاله مردوك فهو لم يجر الاسرى على الارض والحصا وراء عربة انتصاره ولم يقهرهم قهرا ، ولم يدس كرامتهم .

ومات قورش سنة 529 ق . م . فى احدى المعارك التى نشبت بينه وبين بعض القبائل الرحل الضاربين فى الشمال الشرقى من ايران بعد ان دام ملكه تسعا وعشرين عاما ، وقبره معروف الى اليوم على أصح الروايات .

لقد بان من العجالة السالفة ما اثبته التاريخ من الاسباب التى حركت الشعب الفارسي للمطالبة باستقلاله ثم بتوسعاته وقيامه امبراطوريته العظمى ، واتضح ايضا من الوثيقة ان الغاية من تأسيس هذه الامبراطورية تحرير الفرد من العبودية وصيانة الكرامة البشرية فاعلان ذلك كتابة هو طريقة جديدة ما زالت متبعة إلى الآن بين الدول من صدور الاعلان الذي يسبق الدستور ويشير الى السياسة التى تعتزم الدولة انتهاجها .

وفعلا لقد تباشر اهل بابل لما يعلمونه من نزاهة محررهم فاستحق ان يتبوأ عرش سلاطينهم والجلوس فى قصورهم بدون مثال بعد ان كان لهذا العرش وهذه القصور من المناعة ما لا يستطيع معها أحد ان يقترب منها او يهدد سلامتها .

لقد امتاز هذا الاعلان باسلوب سياسي حكيم اذ افتتحه قورش بلقبه الجديد الذى استحقه بموجب اعظم انتصار حققه ( أنا قورش ، ملك العالم ، الملك الكبير ، الملك القوى ، ملك بابل ، ملك سومر واكد ، ملك الاطراف الاربعة للعالم ) ( وطريقة خلع اللقب على صاحب الدولة ما زال معمولا بها الى اليوم

من طرف اصحاب الدول لكن لا تعترف به الدول الاخرى الا اذا كان ملائما للوضع الحقيقى للدولة من حيث الاهمية واتساع النفوذ والابتعاد عما يشتم منه تهديد سلامة الدول الاخرى ) . ثم بالتعريف بنفسه ( ابن قمبيز الملك الكبير ملك أنشان الخ . ) ولم يستطع ان يفسر اهمية نجاحه فى هذا الانتصار الكبير الا بفضل تدينه وابتهالاته الى معبوده مردوك الذي اختاره لهذه الغاية وسخر له الناس بان ربط قلوبهم به فأعانوه على دخول بابل بدون حرب ولا مقاومة وذلك فضل عظيم يقوى فى عبادته ، ويزيد فى اقامة شعائره ، وتمنى ان يمتد ذلك الى ابنه قمبيز ليحكم الامبراطورية بعده ولكل من يتزايد من ذريته ولحفوده ، ثم هو يضبط اركان سياسته العامة ويركزها على ضمان حقوق الانسان علما منه ان اكتمال هذه الحقوق هو اكتمال لمناعة الدولة واستقرارها .

وبالتأمل من نص الاعلان نستخلص منه المبادئ الآتية : اولا - ان هذا الاعلان يعتبر التصريح السياسى الاول من نوعه اذ لم يعثر لحد اليوم على تصريح مثله اسبق تاريخا ، وهذا الاعلان ولئن لم يعثر على نصه الكتابى الا منذ ما يقرب من تسعين عاما لكن دخول مبادئه فى حيز التطبيق نالت شهرة اصبحت معها معلومة من الخاص والعام وتناقلتها الاجيال فالتصاريح الصادرة فى العصور الموالية إلى اليوم ما هي الا توسع واكمال وإيضاح لما سبق حسبما اقتضته الظروف الزمانية والمكانية واحوال كل أمة . ثانيا - افاد هذا الاعلان امتياز قورش بالذهنية التأملية فهو يمتاز بالشعور بالدولة وانه خادمها وحاميها والساهر على مصالحها والمتفانى في الدفاع عنها والقائم على قسطاس الحق فيها ، كما يمتاز بالحس بالنظام الاجتماعى وبالشعور بالحس الانسانى ، فبعد ان كان اسم " سنحاريب " بن " سرجون الثاني " يلقي الرهبه فى قلوب الناس فى دانى البلاد وقاصيها صار قورش يغرس فى نفوس الايرانيين تدعيم القيم الانسانية العليا التى ترتكز على هدم الطبقية والعنصرية ، وعدم التفرقة بين الاجناس ، وضمن للانسان افضل الصفات الملتصقه به من حين وجوده ، فلا اعتداء عليها ولا خوف ولا رعب في المستقبل ، وان بناءه لهذه الامبراطورية الجديدة لم يكن لخصوص بلاد الايرانيين ، ولكن لخارجها ايضا فى بلاد الاشوريين والبابليين والعيلاميين الذين هم شعوب ساميون ، فهو بذلك قد ضم افضل حضارية آرية الى افضل حضارية سامية فاخرج منها حضارة مشتركة كبرى عادت آثارها على العهود المتعاقبه بعده وهو بذلك قد بلغ به الحس الانساني ما جعل منه الرجل المتحرر من الاوهام العنصرية والعقائدية الضيقة .

ثالثا - تحقيق الامن على ذلك ( لم اسمح لاى شخص بان ينشر الخوف والرعب بارض سومر واكد ) .

رابعا - تحقيق الامن على المكاسب ( وضعت حدا لتخريب بيوتهم كذلك لم أترك مواردهم المادية تذهب هباء ) .

خامسا - ضمان حرية الفكر والعقيدة وظروف آداء طقوسها (تألمت للأوضاع الداخلية ببابل وامكنتها القدسه فعمدت الى اصلاح الاوضاع وقد لقى اهلها فى ظلى ما املوا تخلصوا من رق الملحدين ) (ارجعت الآلهة الى مواطنها واعدت الى سومر واكد آلهتها التى حملت الى بابل ووضعتها فى قصورها وبذلك انهيت غضب إله الآلهة ) .

سادسا - ضمان حرية الاجتماع ( جمعت الناس وبنيت مساكنهم ) .

سابعا - ضمن هذا الاعلان الوضع الجديد للدولة فى الحال والاستقبال ( فرح مردوك باعمالى وحيث اننى اثنيت عليه غمرنى عن طريق العناية الآلهية انا قورش الذى اعبده وابنى قمبيز ، وجميع جيشى ببركاته فاخضع لى جميع ملوك العالم ، وقدموا لى الخراج ، والهدايا الكثيرة ، وقبلوا قدمى فى بابل من اشور الى نواحي ارض " كيوتوم " وما وراء دجلة المقدسة) .

ثامنا - ان هذا الاعلان يعتبر بالنسبة لعصرنا الحاضر اول تصريح رسمى بالاعتراف بحقوق الانسان ويعبر عما كانت تحتاج اليه انسانية ذلك العصر من الحقوق بما ورد بعدها من تصاريح فى العصور الموالية ما هو فى الحقيقة الا امتداد لما حصل من احداث سياسية فى العلاقة بين الحاكم والمحكوم ادى - فى تطور بطئ - الى زيادة الايضاح فى الحقوق الاساسية للانسان التى يجب على الحكومات احترامها على نحو ما فرضه الزمان .

تاسعا - امتاز هذا الاعلان بصدوره عن رئيس الدولة تلقائيا ، اما ما تلاه من الاعلانات الاخرى التى سيأتى بيانها فهى نتيجة مطالبة الشعوب بها ولم يبلغ اليها الا تحت سيل من الدماء المراقة .

عاشرا - ان المبادىء الانسانية التى شملتها هذه الوثيقة دلت على ان هذا الاعلان هو اول من نادى بها فى التاريخ ودليل ذلك انها بمقارنتها بما تلاها من التصاريح يظهر ان لا فرق فى مراميها الا فى الغموض والوضوح ، والاجمال والتوسع ، وفعلا فان ثانى اعلان لحقوق الانسان كان نتيجة الحكم الفردى الذى حير فلاسفة القرن الثالث عشر م . بانقلتيرا وحملهم على دراسة

فلسفة الحكم ، واثبتوا ان استبداد الحاكم الفردى يعد نكبة على الشعوب وان الحد من سلطته ضرورة قومية ذلك ان انقلتيرا عرفت فساد الحكم الفردى في شخص ملكها الطاغية " جوهن " الذي كرهه الشعب بجميع طبقاته وآل بهم الامر الى الاجتماع سرا وحرروا الوثيقة المعروفة باسم " الوثيقة الكبرى " باللغة اللاتينية Magna Carta وجابهوا بها الملك فلم يجد من يناصره ونزل عند ارادة الشعب وامضى عليها يوم 15 جوان 1215 ، واعترافا منه بما جاء فيها من قيود من سلطته لفائدة المحكومين وحمله على احترام القانون وعدم مس حرية الفرد الا بالقانون على طريق القضاء واعتبار الحرية الشخصية مأمونة ، وحق الملكية ثابتا .

ثم بعد اربعة قرون اى فى عام 1689 حصلت ثورة جديدة فى انقلتيرا ضد حكم الملك (جيمس الثاني) فصدرت عن البرلمان الانقليزى وثيقة جديدة سميت (وثيقة الحقوق) اعطت حقوقا جديدة للشعب فرضها بالزمان وهي تتمثل في خضوع الملك للقانون ، وجعله مسؤولا امام البرلمان وان البرلمان هو الذي يقضى فيمن يكون ملكا ، فاصبح بذلك صوت الشعب فوق صوت الملك ، واستقر هذا النظام قائما الى اليوم لشعور الحاكم والمحكوم بان مصلحة الشعب قبل كل شئ .

وقد تلا تلك الوثيقة وثيقة اخرى جديدة تعرف بـــــ " وثيقة الحقوق الاميريكية " التى حررت عند الاعلان عن استقلال اميريكا الشمال عام 1776 وقبل تحرير الدستور ، فقد تضمنت مبادئ العدالة ، والانسانية ، ووصفت بانها المبادىء التى تقوى الضعيف لينتصر ، وتضمنت " ان الناس خلقوا متساوين ومنحهم خالقهم بعض الحقوق التى لا تبديل او تعديل لها ومن جملتها حق الحياة والحرية والبحث عن السعادة ، لكى يتمتع الانسان بهذه الحكومات ، واستمدت سلطتها من المحكومين ، ومتى جارت حكومة حق للشعب ان يزيلها ، او ان يستبدلها بحكومة اخرى يرسى اسسها على تلك المبادئ والنظم الكفيلة بتأمين سلامة المحكوم وسعادته " .

فكل من الوثيقتين الانقليزية والاميريكية تضمنت من المبادئ مالا يبعد عما تضمنتة الوثيقه الفارسية الا فى كون التطورين الاخيرين كانا نتيجة الاستبداد بالحكم او الاستعمار ، وكانت المطالبة بالحقوق صادرة عن الشعب تذكر صراحة وجوب التحديد من سلطة الحاكم الفردى واخضاعها الى القانون وحمل صاحب الدوله على الاعتراف بحقوق الانسان التى لم يحترمها بموجب سلطته المطلقة .

ثم يحدثنا التاريخ عن اعظم وثيقة اخرى بلغت من الشهرة حدا بعيدا لانها كانت نتيجة ثورة عظيمة عرفها التاريخ هي ثورة الشعب الفرنسى سنة 1789 ، ومطالبته باحترام حقوق الانسان والمواطن بوثيقة صنعت فى ظرف مدة وجيزة وصادقت عليها " الجمعية الدستورية " فى 26 أوت 1784 ، فكانت هذه الوثيقة مقدمة للدستور الفرنسي لسنة 1791 ، واشتملت على سبعة عشر فصلا نصت بصراحة تامة على كل ما يتطلبه انسان ذلك العصر من الحقوق التى يجب ان يتمتع بها حيثما كان ، وهى بالخصوص الاعتراف بان الناس ولدوا احرارا وسيببقون احرارا وهم متساوون فى الحقوق ولا تمييز فى المجتمع الا على اسس المصلحة العامة ، ولا غرض للهيئات السياسية الا صيانة الحقوق الطبيعية للانسان ، المتمثلة فى الحرية ، والملكية ، والطمأنينة ومقاومة الاضطهاد ، وان السلطة مصدرها الشعب وحده ، ولا بحق للفرد او اية جماعة ان يمارسوا السلطة الا اذا استمدوها من الشعب ، وحددت بقية فصول الوثيقة درجة الحرية ، والحدود التى يمكن ان يتداخل فيها القانون ازاء الفرد ومنح الهيئة الاجتماعية حق محاسبة الموظف العام ومراقبة اعماله .

اما آخر وثائق حقوق الانسان التى عرفت الى اليوم وستبقى قائمة لهذه الغاية ، فهو التى اصدرتها هيئة الامم المتحدة ، فبعد الحرب العالمية الثانية ، تولدت فكرة مقاومة الحروب ، وتوطيد مبادىء السلم للجميع ، وتأسست جمعية الامم المتحدة سنة 1945 ، وانضم تحت لوائها اغلبية الدول ، فكان من نتائج اعمالها تأسيس تسع لجان لمختلف الاغراض منها لجنة حقوق الانسان شعورا منها بان توطيد هذه الحقوق اصبح موضوع مسؤولية عالمية ، فاكملت هذه اللجنة دراستها لهذه الحقوق ، وعرضتها على الهيئة العامة للجمعية التى وافقت عليها ، واعلنتها يوم 10 ديسمبر سنة 1948 ، واصبح هذا اليوم يوم عيد سنوى لحقوق الانسان تحتفل به الامم للتذكير بها ، وتعداد مزاياها ، للمحافظة على السلم عامة .

وكان هذا الاعلان محللا لكل انواع الحقوق التى يتطلبها جنس الانسان مهما كان الزمان والمكان ، جامعا ما جاء فى الوثائق السابقة او ما اقرته التقاليد الدولية ، واضافت اليه ما اقتضته الظروف الاممية لحفظ الامن والنظام العام ، وصاغته فى ثلاثين فصلا موجهة لجميع الامم لتعتمد عليها فى اقامة دساتيرها ، وفي سلوكها السياسى الداخلى والخارجى فكانت هذه الوثيقة الاخيرة اكثر تحديدا للمعانى ، واصرح لفظا ، واشمل موضوعا ، وفعلا بعد التأمل من اعلان سنة 539 (ق . م .) ، واعلان 15 جوان 1215 م . ، واعلان سنة 1689 م . ، واعلان 1776 م . ، واعلان 26 أوت 1789 م . ، واعلان 10

ديسمبر 1948 م . ، يتضح ان العبارات الواردة فيها تهدف اولا وبالذات الى ابراز حقوق الانسان التى لا يمكنه ان يتنازل عنها مختارا لانها لصيقة بالشخصية البشرية ، ومن الواجب ان تحترم فى كل زمان ومكان ، وان يكون لها من الضمانات ما يحميها من كافة انواع الظلم السياسى والاجتماعى لتضمن السعادة للجميع ، ثم هي تتطور بالتنصيص على اساليب الحكم وربطه بسلطة الشعوب ، اما اعلان قورش فعباراته موجزة وعامة لكنها تحمل بين سطورها أدق المعانى التى عبرت عنها الوثائق التالية لها ، فالتعبير القورشي المتعلق بالامن على الذات ( لم اسمح لاى شخص بان ينشر الخوف والرعب في ارض سومر واكد ) هو التزام من الدولة بان لا ترتكب اى اضطهاد او تعسف فى استعمال حقها الا فى نطاق النظام ، وعدم المس بحرية الفرد وحقه فى الحياة ، ولا يناله عقاب لا يستوجبه ولا يعتدى الافراد على بعضهم بعضا او على النظام ومن يخالف كل ذلك جزاؤه العقاب .

اما عبارة ( وضعت حدا لتخريب بيوتهم ولم اترك مواردهم المادية تذهب سدى ) فهى التزام بحرمة الملكية الفردية وحمايتها فلكل فرد الحق فى ان يملك البيوت بكل حرية ، ولا حق لاى كان من رجال السلطة او غيرهم ان يهدد سلامة تلك الملكية ، فقد وضع حد لتخريب البيوت او اغتصابها ، ولكل فرد الحق فى ان يملك ما شاء من موارد العيش له ولافراد أسرته تجارية كانت تلك الموارد ، او صناعية ، او فلاحية ، وحرية ملكية الموارد تبيح لكل فرد التمتع بلذائذها ، واستغلال خيراتها لا فرق بين الحاكم والمحكوم .

واما حرية الاجتماع فهى مضمونة ( جمعت الناس وبنيت مساكنهم ) فاجتماع الناس يتكيف بالسكنى فى المدينة وتقارب بعضهم من بعض ، وبالملاقاة وتجاذب اطراف الحديث ، تبادل الرأى ، والجهرية بدون خوف و لا تهديد ، وبناء البيوت يفيد حرمتها وعدم التدخل فى الاحوال الداخلية للفرد فى بيته .

واما الضرائب فهى قدر مباح ، استوى فيه الناس جميعا ، حاكم ومحكوم ممن خضعوا للامبراطورية الجديدة فقاموا بواجبهم للتعبير عن رضاهم بالنظام الجديد ، ومده بالموارد لتسيير شؤون الدولة ، فدفعوا الخراج مع الهدايا المعبرة عن السرور والارتياح فلا عبث ولا استباحة لثروات الفرد مهما كان الحال .

وأما حرية الفكر والجهر بها ، وحرية ممارسة العقائد فهي مضمونة ، وتحميها الدولة لانها كانت من أهم الاسباب التى رعت انتباه مؤسس هذه

الامبراطورية ، وتألم للأوضاع الداخلية ببابل وامكنتها المقدسة ، فأصلح الاوضاع ، واعاد الآلهة الى امكنتها الاولى ولقى بذلك اهل البلاد ما كانوا يأملونه لانهم فى اشد الحاجة لمن يحررهم من الملحدين بعد ان نكبوا فى آلهتهم وعقيدتهم لجبرهم على تغييرها .

وهكذا يتجلى ان النظام الذى سن لهذه الامبراطورية الجديدة هو نظام أمن وسلام تعلن عنه الدولة ، ولم تتعود الشعوب به رسميا بل كانت رفاهية الشعب وهناؤه مرتبطين بسيرة الحاكم وعدالته الفردية بدون وازع ولا رقيب . اما الامبراطورية الجديدة فنظرتها للحكم نظرة مشبعة بروح تجميع الشعوب المختلفة الاجناس واللغات والحضارات تحت صولجان واحد لها عين الحقوق وعين الواجبات باحترام المعتقدات والعبادات وسائر الحريات وان لكل جنس من الاجناس المتساكنة ضمن نطاق الامبراطورية من الحقوق والواجبات لما لغيرها من بقية الشعوب التى تسكنها ، فكل يمارس دينه كما يريد ، ويعيش ضمن عاداته وتقاليده كما يريد ، ويحظى من رعاية صاحب الدولة بكل عطف واحترام ، فهو يعامل الساميين مثلما يعامل الآريين والحاميين بنظرة انسانية عليا فيها مراعاة الاحساس الانسانى من سراء وضراء ، وسرور وحزن ، وشبع وجوع ، ولذة وألم ، وهي مشاعة عامة لدى الجميع .

تلك هى وثيقة الاعلان الاول لحقوق الانسان التى كان لها الاثر الفعال فى تركيز الامبراطورية الايرانية وخلود تاريخها الى اليوم ، والتى افصحت عما كانت تجرى عليه المجموعة البشرية من ذلك العهد قصد تحقيق كرامة الانسان ، والذود عن حريته فى رأيه ومعتقده وأمنه ومساواته مع أخيه الانسان ، برهنت الوثيقة بكل وضوح ان لا سبيل للامن والاستقرار الا باحترام تلك الحقوق فى نطاق القانون العادل ، وهو ما ادركه الامة الايرانية منذ ألفين وخمسمائة سنة وحق لها اليوم ان تحتفل به ، وحق للامم المحبة للحرية والسلام ان تشاركها فى احياء هذه الذكرى المجيدة ، وان تستخلص منها العبر حيث كان لها الفضل فى انشاء مبدأ احترام حقوق الانسان وادخاله ضمن مبادئ القانون العام واعتمدته دساير الامم الشرقية والغربية الى اليوم .

وسيبقى اسم قورش الاكبر مقترنا به ، وستبقى الامة الايرانية حية مهابة بما حققه لها هذا البطل من تاريخ حافل ، ومزايا على الانسانية ، وعلى الحضارة وتقدم العلم ، وعسى ان تكون ذكراه يوم ذكرى فى كل عام .

اشترك في نشرتنا البريدية