أول يناير الساعة الان الحادية عشرة صباحا ولم نتناول اي طعام بعد لا اقول الافطار ، ولا اقول الغذاء ولا العشاء ، فما عرفنا قط هذا التقسيم لوجبات الطعام
انما ناكل متى وحيث وجدنا طعاما ، وقلما نجد واليوم السعيد فى حياتنا هو الذي نصيب فيه من القوت ما يملا بطوننا مرة واحدة . . يومئذ لانبطر فنطمع فى أكلة اخرى ، فما تعودنا تعدد الوجبات فى اليوم الواحد !
يقول الناس من حولنا ان اليوم هو " رأس السنة " وقد امضو الليلة الماضية فرحين وهم يتبادلون معا اطيب التحيات لمقدم العام الجديد اما نحن فهذه هي تحية العام الجديد لنا ، يتركنا بلاطعام إلى الان وقد انتصف النهار ، وقد شغل سلفه فى يومه الاخير عنا بتصفية حسابه ، فلم نذق فيه طعم الادام !
يخيل الى ان العام الذاهب قد أوصى صاحبه الجديد بنا سوءا . . وها هو ذا يعمل بالتوصية ، فاتساءل : ترى ما الذى فعلناه حتى تتواصى هكذا علينا الايام والأعوام ، كأننا قد فعلنا أمرا إدا خطيرا فهي تنتقم منا بسبه كل هذا الانتقام
ها هى الساعات تمر اليوم ، ونحن ملقون الى الارض نتلوى من فرط الجوع ومن فرط الألم ، والناس والسنون يمرون بنا جميعا دون ان يشعروا بوجودنا .
وها هى الشمس تغيب على أول يوم فى العام الجديد ومازلنا على الطوى . . نطوى صفحة جديدة من كتاب جوعنا الطويل . . ها هو الليل يقبل . . ويقال ان ثلاثة من الناس لا تغمض اعينهم مطلقا ، هم الجائع والمقرور والخائف .
ونحن جائعون ! . من يومين ، ولا أغطية كافية لدينا تقينا زمهرير البرد القارس ، وخائفون من هذا العام الجديد فكيف ننام
اننا مقبلون على ليلة حالكة من ليالي الألم الطويلة التى طالما قاسينا مثلها ولكننا لن نشكو ولن نبكى ، فقد طالما شكونا وبكينا فلم نجن شيئا ، وتعلمنا
جيدا ان نوفر شكاتنا وان نطوى نفوسنا على الالم ، مثلما نطوي بطوننا على الجوع ! . .
٢ يناير - طلع علينا الصباح الثاني من العام الجديد قاتما مثل اخيه بالامس وقد اختلطت نفوسنا واجسامنا بالتراب الذي ننام عليه ، فلم نعد نقوى على ان نرتفع عنه . لقد خارت قوانيننا من فرط الجوع حتى تحطمنا ، وصارت على عيوننا غشاوة فلم نعد نرى أمامنا شيئا ، ولم يعد شىء مما امامنا يرانا . .
نحن ثلاثة ، صغيرتنا طفلة فى التاسعة ، ثم جدتها وهى عجوز فى الستين ، ثم انا جدها شيخ فى نحو السبعين . . لا يملك من الدنيا حطاما ولا نضع يدا على رزق ما ولويسيرا ، ولا يستطيع احد منا ان يسعى فى طلب العيش ، كما لا نعرف شخصا واحدا فى الدنيا العريضة التى من حولنا فنلتمس منه العون ، او نوصل صوتنا عن طريقه الى اهل الخير والرحمة !
وقد يتساءل من يجد هذه المذكرات كيف اكتبها انا الشيخ الفانى الجائع الجاهل الذى لا يقرأ ولا يكتب ؟ ! آلا فليعلم انني كتبتها ببؤسى ودمائى ودموعى على صفحة من الحق والواقع ، لعلها تمس جانب الخير من نفوس اهل هذا العالم فيلتفتون - لا إلى أنا وعائلتى - ولكن الى بقية البؤساء أمثالنا . فهم كثيرون لا يدركهم العد والحصر ولو أدركا مال البحار
يكاد النهار ينتصف وحالنا فيه مثل امس وما قبل امس . . جوع والم وحرمان والناس من حولنا يتصايحون ويتدافعون ويتكالبون على اكداس المال يدفنونها فى باطن الأرض ولا يدفنون رؤوسهم فى الرمال كالنعام من الخجل لانهم لا يدركون مغبة ما يفعلون ، بدافع الطمع والنهم ، ليثرى الواحد منهم على انقاض الألوف من المتشردين !
أتمنى لو استطيع النهوض والخروج الى الناس لأصيح فيهم صيحة المهضوم الذي مرغوه فى الرغام . وأواجههم بصورة من الانسانية البائسة التى رسموها باصابع اطماعهم لعلهم يحسون . . فان لم يحسوا فيرضينى اننى قمت بواجى حيال امثالى من نكرات البشرية ولكننى شيخ عاجز محطم جائع ، لا استطيع النهوض ، وان نهضت فلن استطيع الصياح !
اسمع طارقا على الباب
استغفر الله . ليس لنا باب بالمعنى المألوف فى بيوت الناس ، فاننا نقيم فى حجر محفور فى الارض كما تفعل الارانب الجبلية ، وعلى فتحة هذا الحجر الوحيدة قطعة متأكلة من " الحصير " كلها ثقوب معلقة عليها تؤدى عمل الباب . لذلك فان الطارق لم يستخدم يده إذ لم يكن هنالك شئ يقرعه بها ، ولكنه استخدم صوته . . ولابد انه نادى عدة مرات قبل ان نسمعه فان الجوع قد سد اذاننا كما فعل بسائر حواسنا !
لقد اردت الاجابة عليه فلم استطيع وحاولت النهوض فلم اتمكن فرجحت ان القادم ذئب جاء ليفترسنا ويريحنا مما نحن به ، وربما ايضا قد هم بالرجوع على اعقابه اذ لم يجد من الداخل رد لندائه ، بل لعل كل هذه اوهام صورها لى الجوع فلم يكن هنا زائر أو طارق !
ولكن حفيدتى الصغيرة كانت قد قاست من اهوال الالم ماجعل هذه البادرة : المفاحئة تكسبها قوة غير عادية فتشبث باقل نداء . . فقامت تلبى نداء الزائر كما يتعلق المشرف على الغرق بقطعة البوص . وخرجت وقلبى عليها خائف واجف - ولكنها لم تلبث بعدحين ان عادت وفى اثرها بضعة زهرات يانعات يرتدين الملابس البيضاء ، مافتئن ان رايننا حتى سالننا عن حالنا ومم نشكو وماذا نريد ؟ . . فظللت على صمتى لانه عندى كان أبلغ من أية اجابة !
وكتبت كبيرتهن شيئا فى اوراق لديها لابد انه كان وصفا صادقا لبؤسنا تقصد به اثارة النفوس للخير ، فلا يتخذه الناس الا مادة للتسلية . . ثم عالجت احداهن حقيبة معها واعطتنا منها " غذاء " يكفينا لوجبة طيبة مشبعه وشيئا من الصابون وبضعة دراهم
رأيت حفيدتى وزوجتى تكبان على الطعام تفرسانه وتزدرانه بشره . أما أنا فلم أكن بمثل لهفتهما عليه . . فانى كنت اعرف جيدا اننا سنشبع الى حين ثم نعود الى ساعات أخرى من الجوع قد تكون أطول وأمر من سابقاتها !
قالت لي كبيرة المواسيات إنها اعطتنا ما امكنهن اليوم ، ولكنهن سيزرننا ولاشك بعد اسبوع
يالله ! أسبوع كامل ? ?
اي والله . هذا ما قالته . لم تفهم زوجتى وحفيدتى شيئا أكثر مما أمامهما من الطعام وانا اعلم اننى ساجوع بعد اسبوعا ؟ . أفاخدع نفسي . . فليكن إذا جوعا مستمرا فاننى ماعشت الا للجوع المستمر
وقد كادت مطالب معدتى تغلبني فابكى عند اقدام الصغيرات واقول لهن إن مهلة الأسبوع التى قررنها ستكون كلها حرمانا بالنسبة لنا ، ولكنى لم افعل وصمت لا عن ارادة ولا عن عزة ولا عن كبرياء ، فما للبائس شئ من هذه جميعا ، ولكنى سكت لاننى توقعت ان الكلام والصمت يؤديان الى نتيجة واحدة .
أولعلنى قد لمست من الجوع فلسفة وحكمة فاردت أن امارسه اسبوعا اخر استطيع بعده ان اكتب للناس شيئا صادقا عن شعور المحروم وهو ينتظر طعاما فى علم الغيب قد يأتي اليه ولكن . . بعد اسبوع !
بعد قليل ، خرجت الزائرات الكريمات . . " الى هنا ينتهى ما كتبه الشيخ - اما الكلمات التالية فقد وجدت مكتوبة بخط حفيدته
٣ يناير - بعد خروج الزائرات اللاتى حضرت الينا بالامس بساعات قلائل ، توفى جدى ! لم يذق من الطعام الذى احضرته الينا شيئا ما . وقد الححت عليه انا وجدتى فلم يقبل وبعد لحظات من ذهابهن شرع يهذى بكلمات مختلفه محمومه ، وطعت عيناه بالبروق المخيفة . ثم مالبث ان خفت صوت هذيائه وخبا بريق عينيه ، وهبط تنفسه ثم ، ، مات ! وكانت آخر كلماته لنا إننى ذاهب إلى ربى اشكو اليه شيئا كثيرا خذا هذه الدراهم ولا تنفقاها مرة واحدة ، لتكفيكما طوال الاسبوع ،
لقد مات جدى جوعا !
٧ يناير - نفذت منا الدراهم صباح اليوم ، ، ٩ يناير - لم نصب طعاما منذ أمس الاول ، ، جدتى تحتضر
حضرت الزائرات انفسهن فى ختام الاسبوع تماما ، ولما رأين جدتي هكذا ، قررن للفور ان يعتنين بها - فارسلن فى استدعاء طبيب لان نقلها من مكانها متعسر ولكنها ارادت ألا تتعبهن فتوفيت وهن يتشاورون ،
وقد ماتت كما مات جدى ولاريب ، بالجوع !
قررت الزائرات ان يدفنها على نفقتهن وسمعتهن يقدرن التكاليف فاذا بها بضعة جنيهات !
يالهن من عاجزات في علمى الحساب والاقتصاد ! ما كان اغناهن عن كل هذا ! لو أن اطعمنا حتى شبعنا ، لما احتجن الا الى قروش قلائل ، وكن اقتصدن جنيهات الدفن بأكملها
ليتهن أحضرن الينا منذ اسبوع خبزا بدلا من قطع الصابون التى لا زالت الى الان كما هى لم تمسها يد ، فما بالبطون حاجة الى الصابون ، ولا بالجسوم حاجة قبل حاجة البطون .
لو فعلن ، لعاش جدى وجدتى .
لو . . ولكن هيهات ، فقد فات ما فات ومات من مات . .
والآن وقد صرت وحيدة فقد قررن بشأني ان يأخذنني إلى ملجأ لليتامي وهن يعتقدن انهن يفعلن بذلك ثوابا دونه كل ثواب ، ولكنى اعتقد ان ذلك نصف ثواب فقط .
" انتهت اليوميات طبق الاصل " مجلة الطالبة ببعض تصرف

