أيها السادة ،
اسمحوا لى ، فى مستهل هذه الكلمة ، ان اعبر لكم باسم الحكومة وباسمى الخاص ، عن عظيم اعتزازنا بانعقاد كل من مؤتمر الادباء العرب ، ومهرجان الشعر ، على ارض تونس العربية المؤمنة ، بما تتحمل من مسؤولية فى النهوض بالثقافة العربية الاسلامية ، بالاشتراك مع سائر اشقائها فى المشرق والمغرب .
ولئن كان من معنى لما نسميه بالامة العربية ، فانما هو متصل ، اولا واساسا ، بهذه الرابطة الثقافية الفريدة ، المتمثلة فى الاشتراك فى التراث الفكرى والادبى والحضارى ، وفى هذه اللغة الفذة التى طاولت الزمان ، وتحدث كل التقلبات ، صامدة ودوما فى تجدد ، ثابتة رغم انها متطورة بحسب الاوضاع والعصور
لذلك يحق لنا جميعا ان نعتز بهذه الرابطة التى قل ان يحظى بمثلها مجموعة شعوب موزعة على قارتين ، ويفصل بينها هذه المسافات الشاسعة مر المحيط الى الفرات .
وانتم ، معشر الادباء ، قد جسمتم هذه الرابطة العتيدة ، اذ أنشأتم هذا
الاتحاد ، وجريتم على سنة عقد الاجتماعات الدورية ، للتباحث فى شؤونكم ومعالجة المشاكل التى تعترضكم ، ايمانا بوحدة المصير بينكم ، وبوجوب التضامن وتضافر الجهود للنهوض بالادب العربى خاصة ، وبالثقافة العربية بوجه أعم .
لذلك نعتقد ان من انفس مكاسبنا فى المستوى الثقافي صيانة هذه المنظمة والعمل بكل جد لتنميتها وتعزيز قدرتها على القيام بدورها التاريخي ، فى تقريب الشقة ، وتكتيل الجهود ، وابراز معالم الادب العربى الحديث ، فى أنصع معانيه واشمل وجوهه واصدق صوره
والواقع الذى لا يمكن التغاضى عنه ، هو ان الادب العربى الحديث لم يبلغ بعد من الانصهار والائتلاف والشمول ما يجعله يتعدى حدود الاوطان السياسية ، فيؤلف وحدة عضوية متماسكة الاطراف ، مندمجة العناصر ومرجع ذلك الى قلة الاتصال بين الادباء ، وضعف الاصداء التى تلقاها آثارهم ومنشوراتهم فى مختلف البلاد العربية ، وعن ذلك نتج جهل فادح احيانا فى بعض هذه البلاد بما ينشر فى غيرها من الامصار ، رغم توفر الوسائل العصرية للاتصال والاطلاع .
ونحن نعتقد اننا مقصرون جميعا فى هذا الصدد ، اذ لم نستخدم بما فيه الكفاية ما لدينا اليوم من وسائل سمعية وبصرية للتغلب على بعد المسافات وعلى سائر الحواجز الموروثة عن عصور قديمة لم نهتد بعد الى اصلاح رواسبها الفاصلة بين الحركات الادبية ، لا سيما بين المشرق والمغرب
فمن دور اتحاد الدباء العرب أن يعالج هذه القضية وان يقترح على الحكومات ما يراه من تدابير كفيلة بتحقيق اللحمة الضرورية بين الادباء ولم شتاتهم وتوفير وسائل الاتصال بينهم عن طريق الوسائط السمعية البصرية وبتيسير تبادل البضائع الثقافية على اختلاف انواعها
ونعتقد انه كذلك من دور اتحادكم ان يسهر على حماية هذه المبادلات الثقافية وضمان استمرارها ، بمعزل عن الاغراض السياسية وتقلباتها التى لا ينبغي ان تمس فى شىء جوهر العلاقات الثقافية بين الشعوب
وذلك يكلف لا محالة جهدا شاقا ، إذ يجب ان نميز - حسب العبارة المأثورة عن الرئيس بورقيبة - بين المهم والاهم : فمهما كانت الاعتبارات السياسية
هامة ، فأهم منها صيانة هذا الكسب العظيم الذي يتمثل فى وحدة الفكر ووحدة الجهد من اجل النهوض بشعوبنا باعتبارها مجموعة ثقافية وحضارية متآلفة متضامنة .
لذلك نعتقد ان دوام الاتصال والتعارف والتعاون بين الادباء من أوكد الواجبات التى علينا جميعا نحو أمتنا ، باعتبار الكتاب والشعراء والمفكرين فى طليعة الشعوب من حيث التعبير عن احوالها والاهتداء إلى آفاق ليس ادراكها دوما فى متناول السواد الاعظم
وقد يختلف رجال الطليعة فى شؤون وقضايا ، من اجل مواقف ادبية او مذاهب فكرية او اتجاهات اجتماعية ، ولكن الاهم انما هو الحفاظ على امكان الحوار الدائم ، الذى به يتسنى النقاش المجدى والحجاج المقنع ، وليس بسواه امل فى تقارب وجهات النظر وتلاقح الافكار وتفاعل النزعات .
ذلك من شيم الطليعة الفكرية التى تتحمل أوفر قسط من مسؤولية النهوض بشعوبنا ، فى مستوى الامة العربية عامة ، وفي مستوى كل شعب بمفرده .
واسمحوا لى هنا ان اشير الى موقف آخر كثيرا ما يؤخذ به فى اوساط الادباء والمفكرين عندنا ، فى خصوص علاقاتهم بالمجتمع : وهو الرفض البات والانطواء على النفس ، واني لاعتقد ان شرف الاديب والمفكر في الرفض احيانا ، ولكنى اعتقد ايضا ان ذلك لا يحق له الا بعد ان يحاول الاصلاح بالاقناع يحاول والحوار الايجابى البناء .
ذلك ان شعوبنا فى طور من معركتها فى سبيل الخروج من التخلف والنهوض الاقتصادى والاجتماعى الشامل بحيث تحتاج الى كل طاقات ابنائها ولا يمكنها الاستغناء بحال عن جهود الطليعة المفكرة التى عليها الارتكاز فى كل اعمال الاصلاح والتنمية والتقدم .
لذلك فان من باب جهاد النفس ان تسعى هذه الطليعة الى الانصهار فى المجموعة القومية وان تباشر ما تراه من اصلاح من الداخل بالتي هي أحسن وانجع لمصلحة الشعب ولمصلحة الامة العربية جمعاء . وتلك طريقة شاقة كأداء ولكن لا سبيل الى التفصى منها ازاء الضمير والفكر
ذلك ان الادب لم يعد فى عصرنا هذا ترفا ذهنيا ولا يصح ان يكون اعتزالا وانطواء على النفس . بل كل اعمال الفكر - والادب فى مقدمتها - انما هي
مسؤولية سواء كانت بالفعل او بالقوة ، سواء اتصلت بمجال العمل المباشر او كانت فى مجال التوجيه وخلق التيارات الفكرية والاجتماعية الجديدة
حضرات الاخوان ، الى مثل هذه القضايا ينبغي ان يتجه اهتمام اتحاد الادباء العرب بالاضافة الى القضايا التى تهمه بالذات مثل مستقبل الثقافة العربية ، ومنزلة الادب لعربى من الآداب الانسانية المعاصرة واشعاع اللغة العربية فى العالم كلغة ثقافة وحضارة .
وهنا استأذنكم فى ان اتحدث اليكم حديث الزميل الى زملائه ، فى صراحة واخلاص
واول ما اود ملاحظته هو ما تتسم به الحركة الادبية والفكرية والفنية عندنا جميعا ، مشرقا ومغربا ، من فقدان الحوار بين مختلف قطاعات الانتاج ، رغم نوسع مفهوم الثقافة منذ أوائل هذا العصر وشموله لمجالات لم تكن تعتبر عندنا من اركان الثقافة .
فالثقافة فى عصرنا الحاضر اصبحت تشمل الى جانب الانتاج الادبي والذهنى كل الفنون التشكيلية والموسيقية والمسرح والسينما . ونحن نلاحظ ان الادب فى غير البلاد العربية على صلة وثيقة بسائر قطاعات الانتاج الثقافي بينه وبينها حوار مستمر فى منتهى الخصب لكل الاطراف المتحاورة . وعن هذا الحوار تنعقد اللحمة بين شتى الحركات القطاعية فيتألف من مجموعها ما يسمى بثقافة شعب من الشعوب او امة من الامم . اما إذا بقيت هذه القطاعات منفصلة بعضها عن بعض ، مبعثرة ، لا يؤلف بينها اتجاه ولا يجمع شتاتها عزم ، فان لفظ " ثقافة " ينطبق عليها مجازا لا حقيقة
ذلك ان الثقافة تيار جملى منبثق عن مجموعة بشرية باسرها ، معبر عن كل طاقاتها الفكرية والفنية منصهرة مندمجة متلاحمة .
ومن الجدير بالتأكيد ان كل قطاع ، سواء فى صلب انتاجه او فى علاقته بغيره ، يقوم بوظيفة الشاهد على سائر الانتاج الثقافي في ظرف ما . وتلك صلة لا غنى عنها ، فى انطلاق ثقافة متأصلة الجذور متماسكة الفروع .
والى معنى الشهادة هذا ترجع وظيفة النقد الادبى الذى انطلق عندنا بعض الانطلاق ولكنه خبت جذوته ولم يقو على التوسع فى مهمته حتى يشمل الفنون بسائر انواعها .
ولا نتردد ان نقول انه لا ادب ولا فنون ولا ثقافة ، ما لم تواكبها حركة نقدية راسخة القدم ، لها من الطاقات الذهنية ما يمكنها من استنباط مناهجها ووضع فلسفتها ، فى تطور دائم
فالاددب العربى المعاصر مثلا - والشعر بوجه اخص - ، لا نعرف عنه الا النزر القليل عن طريق الدراسات النقدية الشاملة ، لفقدان هذه الثلة من الادباء أو المفكرين الذين يتصدون للانتاج الشعرى بالنقد أى بالتقييم لما يعبر عنه من مشاعر ونظرات الى الوجود ، ولما يعتمد عليه فى ذلك التعبير من وسائل لغوية واساليب فنية .
وليس لدينا اليوم دراسات تفي بالحاجة عن هذا التحول الذي نشاهده فى الشعر العربى المعاصر من حيث الصياغة العروضية ومن حيث المضمون ومن النظرة الى الشعر
فالقصيد العربي الجديد يتعد شيئا فشيئا عما ألفناه من الشعر ويتجه الى محاولة انماط من التعبير والسبك والايقاع لا تمت الى الضوابط القديمة ؛ بصلات بعيدة متضائلة . وتأثير الشعر الغربى الحديث واضح فيما يتعاطاه الشعراء عندنا من تجارب تخص الشكل والمضمون
فنحن اذن نشهد فترة تقطع بين تقاليد عريقة فى القدم وبين ما يأخذ به اغلب شعراء النابتة الجديدة من اجتهادات تفضى الى التحرر من القيود المألوفة وابتكار وسائل لتوقيع النغم اللفظي وتصوير خوالج النفس هى الى الايحاء اقرب منها الى الافصاح .
والخصومة بين المتعلقين بالنظرة الفنية التقليدية وبين اصحاب المناهج المحدثة على أشدها ، سواء فى المشرق أو فى المغرب ، كل يعتبر ان الشعر عن النحو الذى يراه من الطراز ، او لا يكون .
وهي فى الحقيقة خصومة القديم والحديث ، التى لم يزل الادب العربى بواجهها منذ اقدم عصوره ، حين كان أبو نواس وجماعته يثورون على عمو القصيد الجاهلى ويدعون الشعراء إلى ان يعيشوا عصرهم فيصدقوا التعبير عنه وحين كان ابن قتيبة يجب أولئك وهؤلاء بان القديم كان حديثا اول ظهوره وان الجديد سيصبح قديما بعد جدته لا محالة .
ولعل هذه النظرة " التاريخية " التى ادخلها ابن قتيبة فى النقد الادبى من اهم ما ينبغى اعتباره فى هذه القضية .
فالشعر ، كعامة مظاهر الفكر البشرى ، لا قيمة له الا بقدر ما يرتبط
بجهد انسانى اصيل " أت - حسب عبارة المعرى - بما لم تستطعه الاوائل " .
ذلك ان الشعر مغامرة وجودية تتنافى مطلقا والتقليد والاحتذاء . هى مغامرة تخص علاقة الفرد بالواقع أو بغيره أو بالمجتمع ، وهي مفضية احيانا الى ابعاد روحية تخص مصير الانسان
لذلك فان اهم عنصر فى الشعر هذا الجهد الذى يعانيه الشاعر - وقد بضطلع به اضطلاعا - للتغلب على ما يجد فى نفسه تجاه هذه الضغوط الخارجية ، ولتجاوزها الى ابعاد شعرية او روحية قد تفتح فى وجهه سبل الغيب .
فالشعر اذن ضرب من تنزيل المستحيل منزلة العاجل ، للتغلب على ما يجد الشاعر فى الواقع من نقص وفى نفسه من عجز وفي الزمان من قهر
وهو بهذا الاعتبار تغلب على هذه الانقاص وتجاوز لهذه الضغوط ، بواسطة الخلق الفنى
ومن أجل هذا الارتباط المكين بين التجربة الشعرية والعبارة الفنية ، اصبحت قضية الشكل رهينة المضمون ، كل متوقف على الآخر ، مشير اليه ، مستوح منه .
لذلك لا يمكن بحال ان يعتد بالشكل فى حد ذاته ، وبمعزل عن هذه التجربة الوجودية التى منها المنطلق وهي التى تملى على الشاعر محاوالاته التعبيرية .
فالشعر ، اساسا واصالة ، مغامرة وجودية مقترنة بمغامرة تعبيرية .
ولا يصح بتاتا اعطاء الاولوية للثانية على الاولى ، لان ارادة التجديد تصبح اذ ذاك تقليدا جامدا واحتذاء كاذبا ، وعنوانا عن نضبوب المعين الحي الذي منه تنفجر الاريحية الشعرية .
هذه احدى قضايا الشعر المعاصر ، اردت ان ادلى فيها برأى بعيد عن التعصب للقديم باعتباره قديما ، او الانتصار للجديد ، لمجرد كونه جديدا وذلك ايمانا بان الشعر كل لا يتجزأ فيه التعبير عن المضمون ، واحتراما لحرية كل شاعر فى صياغة تجربته بالشكل الذي يلائم قريحته .
وأود ان اختم حديثي بالاشارة الى قضية لا ارى سبيلا الى السكوت عنها ، فى سياق الكلام عن الشعر المعاصر : وهي نظرة الشاعر الى شعره ، وما يحيط
بهذا المعنى من نظريات تحدو بالبعض الى القول بالالتزام وبالبعض الى منطقية قاتمة تلتبس عندهم بجوهر الشعر
ان كان المقصود بالالتزام ما تفرضه على كل شاعر او اديب منزلته الانسانية من تأثر باحداث عصره واهتمام بمشاغل معاصريه ، فليس ذلك محل نقاش . أما إن قصد من الالتزام وجوب الوقوف عند هذه الاغراض أو حتى تغليبها على ما سواها ، فليس ذلك من فروض الشعر - ولا الادب عامة - وانما هو من شروط النضال السياسي
ولعل هذا الغلو فى الزام الشاعر ما لا يلزم ، انما هو رد فعل على ما تطفح به اشعار الكثيرين عندنا من سلبية عاطفية ، يغلب عليها التصنع والافتعال وهما منهم ان الشعر مأساة او لا يكون
وليس أجمل من المأساة ، عندما تكون صادقة النبرات ، عميقة الجذور وحتما من احتام القدر
ولكن المأساة لا تكون على هذا النحو الا مع الصراع الدائم للتغلب عليها والتجاوز لحتميتها .
ومن الشعراء من يظفر بالانتصار على المأساة ويجد منفذا الى النجاة ، عن طريق التجاوز سواء الى فرحة الحياة وما توحى به من معان غزيرة منعشة أو الى طلب أبعاد روحية واستشعار لمغلقات وغيوب يقف العقل عندها صاغرا وللقريحة الشعرية فيها مجال غير محدود .
فى كلتا الحالتين ، فى حالة الاخفاق وقيام المأساة ، أو فى حالة الظفر والتغلب على الاعراض ، فان قيمة الشعر وشرفه وروعته ، فى هذا الجهد وفي هذا الصراع للتغلب على سلطان الزمان الموضع فى الانسان خلسة بالألم والفناء .
بهذا المعنى ، يمكن ان نقول ان الشعر لم يزل له مجال غزير فى عصرنا هذا الذى تكتنفه الحضارة المادية من كل جوانبه حتى ان الانسان ليشعر فيه احيانا بضيق الموجود ، لولا ألسنة الامل ، التى منها الشعر ، إذا زكت اريحيته واطلق عنانه واصبح قصدا مضطرما ، ووجها من وجوه الطلب الانسانى الوهاج .
لكن الشعر أيها السادة والسيدات يعسر عنه الكلام والافصاح بغير لغته فللشعراء فيه الكلمة الفصل اولا وآخرا .
