" البوساء في هذه الحياة كثيرون ، ولكن اشد انواع البؤساء بؤسا هم اولئك الذي تنفرج امامهم طريق النعمة فيأبون - لجهلهم وسوء تربيتهم الا سلوك طريق البؤس ، وفي هذه الا قصوصة تمثيل لبائس لاحت له اولى الطريقين فسلك الاخرى بدافع الجهل . . "
ر . س
الفصل الاول
نشأ فى بيئة فقيرة قضت حياتها فى بؤس ، مقرون بالجهل المركب كما يسميه بعض الفلاسفة فهذه البيئة لم تعرف للحياة معنى ولم تذق خلال الفترة التى مرت بها ، وقضتها فى عداد الاحياء شيئا من النعيم كما ينعم غيرها ان المشرف عليها رجل فقير بائس ولم يكن فى عداد الافراد الذين يستطيعون ترفيه اسرهم بقدر الحاجة حسبما تدعو اليه ظروف الحياة ولامن ذوى الاعمال الذين تأخذ بايديهم لكى تنشلهم من هذه الهوة التى يذوقون فيها الامرين . . كان صاحبنا يمتهن البناء فى الوقت الذى كان فيه لاقرانه شأن مرموق ، وكانت عائلته مكونة من بضعة اشخاص . . بادر عمله فى بادىء الامر حينما كلف فاقبل على صناعة البناء بنفس تواقة للعمل الذى يدر عليه بضع دريهمات كانت تؤمن معيشة اهله مع ادخار شئ زهيد من فائض الاجرة ، وكان اقرانه من
الشبان لا يقدمون على مثل هذه الاعمال الشاقة اللهم الا من كان فى حاجة قصوى قضت عليه ظروف الحياة بذلك ، وقد استمر صاحبنا ولنسمه " مهلهلا " على مواصلة عمله هذا حتى اصبح من مهرة البناة وظل يجاهد ليبتعد عن الذل والتسول . .
ولقد كان ارغم في بادئ الامر على العمل من قبل والده الهرم الذي يرى ان الغلام اذا لم يجبر على العمل يصبح عالة على غيره ، فكان من نصيب هذا الفتى البائس . . ان يتمرن على اعمال البناء الشاقة وما هى الا فترة من الزمن حتى اصبح من جنودها البواسل وغدا له اسم لامع بين اقرانه من البنائين واخذالناس يرددون اسمه
وفى ذات يوم فوجئ بتوقف حركة مهنته . . لقد اصبحت صناعة كاسدة لان حركة التعمير اصبحت ضئيلة . . وقد ظل صاحبنا يعاني آلاما شتى فى هذه الحياة وبالاخص بعد ان اتخذ له زوجة فقيرة مثله . .
واخذ يستعرض حياة الالم التى يعانيها كمن يشهد شريطا من اشرطة السينما . .
وكان ان ولدت زوجه طفلا ذكرا سماه سعيدا ، وقد استاء بادىء الامر ولكن سرعان ما خففت الزوج الرؤوم من لوعته وهونت عليه الامر وهدأت نفسه المضطربة وافهمته ان عليه الصبر وان لا ييأس من هذه الحياة وان دوام الحال من المحال . . فتارة يستقبل المرء من الحياة عبوسا وتارة ابتساما ، فتقبل ذلك منها وحاول القيام بعمل آخر يستطيع بوساطته تحصيل القوت اليومى لهذه العائلة وادخال السرور عليها وابعاد شبح الآلام والفقر عنها . .
ولذلك نراه يقصد نجارا ماهرا ليطلب منه ان يتخذه عاملا يعمل مع الخدم الذين يشتغلون فى متجره الواسع الكبير ، فرق النجار لحاله واضافه الى عماله الآخرين ، فبدأ يعمل معهم ومرت به فرصة من الوقت عرف فيها كيفية عمل بعض القطع كالمقاعد والمكاتب ، وقد ادخر الفائض من اجرته التى كان يتقاضاها من صاحب المصنع تلقاء عمله هذا ثم اصبح بالمران المتواصل فى عداد النجارين المهرة ، واستطاع ان يعمل منفردا بنفسه فاشترى ادوات النجارة واتخذ له دكانا في احدى المنعطفات . وكان تارة يذهب الى بعض الاماكن للعمل فيها حسب مقتضى الحاجة عندما يستدعي الامرحضور نجار مثله للعمل فى الدور وغيرها وظل على هذه المنوال ردحا من الزمن ثم تارة يقوم بعمل البناء تحت وطاة الحاجة وتارة
يقوم بعمل النجار كذلك محاولا بقدر المستطاع الحصول على كمية وافرة من المادة لتأمين معيشته ولو ارهقه ذلك فالبؤس اشد ارهاقا على كل حال .
الفصل الثاني
اجتاز الطفل سعيد دور الطفولة واخذ يتطلع الى هذه الحياة ، كما يتطلع غيره اليها ، ولم يعرف ما تضمر له الحياة بين طياتها هل هو سرور وهناء أو هو بؤس وشقاء ، ولم يعرف ما هي الخطة التى يسير عليها فى بادىء الامر وامامه الآن طريقان طريق " سعادة " وطريق " شقاء " وكلما كبر الغلام ازداد هم الوالد وعناؤه لانه لا يستطيع ان يوجه طفله الى الطريق الاقوم فترك لطفله المجال يتخبط . . والجاهل عدو نفسه فنشأ سعيد جاهلا مثل ابيه ناظرا للحياة بمنظار اسود ولن يعرف لها أى معنى جميل . . . ويحسبه ان ينال لقمة العيش من العمل . .
واشرف سعيد على دور الرجولة فاشترك مع والده فى اعمال النجارة والبناء اسوة بابناء هاتين الطائفتين اللتين ترغبان في اشتراك ابنائهما معها فى اعمالها . .
اثناء مزاولة الوالد الهرم لصناعة البناء ارتعش ذات يوم شديد الحرارة من فوق السقالة وسقط صريعا من ضربة الشمس والشيخوخة ففارق الحياة ولما يكتسب الابن منه عملا يجعله حائزا صناعة ابيه . فكان تارة يذهب للعمل وتارة يفضل الكسل والنوم وبالاخص وقد مات والده ولم
يخلف له من متاع الدنيا مايبل الصدى وقد اتجه اولا الى الاستجابة لرغبة والدته نحو كسب القوت ثم آثر النوم والكسل وصار يأكل من متاع البيت حتى كاد ينفد . . ثم اصبح فى عداد المتشردين ، وقد غدت والدته ارملة لا معين لها سوى ولدها هذا الذى اصبح عالة عليها . . وهكذا درات الحياة وبينما هو دائر فى استعراض شريطها السينمائى فوجئ بوفاة والدته ، فقضى على البقية الباقية من الاثاث وبددها فى الملاهى وما شاكل ذلك ، وهكذا اصبح اخيرا فى عداد المتسولين فاخذ يستجدى ذوى
اليسار والاحسان وعاش بائسا طريدا بدون مأوى حتى لقى يومه الموعود ، فكانت حياته تمثل درسا قاسيا من دروس البؤس والشقاء . .
ان امثال هذا فى الحياة كثير . . والجهل هو الجاني عليهم فى ذلك . . وهو الداء الذى يجب ان يستأصل من النفوس البريئة لئلات تذهب ضحيته فنكبات الحياة . . وشقاء المرء ناشئ من الجهل لا ريب ، ومنه ينشأ الفقر والبؤس للانسان ، فلولاه لعاش سعيدا فى ترف وهناء لامثيل لهما فتبا للجهل ثم تبا للجهل ..
مكة - ر - س

