كنت أنوى أن أرتجل كلمتى بمناسبة هذا الحفل الذى تقيمه دار الثقافة ابن خلدون لتكريم الاستاذ محمد مزالي بمناسبة صدور كتابه " مواقف " ثم قلت ان عشرة عشرين سنة فى ظل أخوة صادقة وعمل متواصل واخلاص للمبادىء طافح ، وحماس فياض من شأنها أن تلهب العواطف فتكون السيطرة على الفكر محنة ، ويكون الموقف امتحانا ، والحال أن " مواقف " رحمة .
التجأت الى قيد الكتابة واغلال العقل الذهبية ، ورضيت أن استعيض فيض الاحساس وتلقائية الخاطرة العابرة بالنظرة المتعامقة والتحليل المتأني وقلت لن اتحدث عن الكتاب الذي ان دل على الاستاذ محمد مزالى فهو يدل على جانب من جوانب تفكيره وانما الذى أعتزم الخوض فيه هو صاحب الكتاب ومواقفه من نفسه ، ومجتمعه ، وقضاياه ، ووطنه بصفة عامة ؛ وان كنت تطرقت الى ذلك فى لمسات رفيقة بمقدمة كتابه من وحي الفكر "
يلذ للاستاذ محمد مزالي أن يتواضع الى حد التصريح بأنه ليس شاعرا ولا كاتب قصة ولا مسرحية أى انه بعيد كل البعد عن الادب الانشائى ، هذا الادب الذي يعتمد الحدس والخيال والعاطفة ، بينما أغلب كتاباته لا تخلو من هذا كله مع وضوح التعبير ورشاقة الاسلوب ولكن الذى به يختلف كاتبنا عما ترجم عنه الادباء ، - وان هو شاركهم في أرضية واحدة من التفكير والاحساس ، هو اصداعه من دون تعمية ولا غموض بهذا الذى دفع ويدفع شعراء تونس وكتابها الى الخلق ، نجحوا أم لم ينجحوا ، أى كشفه فى شجاعة
تامة ونفاذ بصيرة فريدة عن هذه الارضية بمآسيها وأفراحها ، بقتامة الامل فيها وابتساماته ، ولم يغب عنه وجهها التاريخي وملامحها الفلسفية ، ومطاويها النفسانية ودروبها الحياتية ، وتعاريقها الاجتماعية . هو يرد من نفس العين الصادقة التى توحى للشاعر بتهويماته ، ويعب من الينبوع ذاته الذى يرتوى منه كاتب القصة والمسرحية ولكنه يشتد فى صدوره شدة الفكر وبأس العقل ، وهو الذى تدوى فى جنبات نفسه أصداء سنابك الخيل التى جابت هذه الارض طولا وعرضا ، بالفتح المبين تارة ، وبالغزو الضارى تارة أخرى ، ويتصادى فى أسماعه أزيز الرصاص ودوى آلات العصر الغادرة طورا والذادة عن الكيان طورا آخر وتتناغم فى أغوار أحاسيسه رفات طبيعة أرض وطنه الضحوك ببساتينه وأزهاره وثماره يخصبها النحل فى غدوه ورواحه
اسمحوا لى ، حضرات السادة والسيدات ، أن أتوقف عند النحل واعتبروا هذا ، ان شئتم ، من قبيل الاستطراد أو تهافت الحديث ، أو الانتقال من الديك الى الحمار ، كما يقال ، وهذا يتضارب بالضبط مع نسق التفكير عند الاستاذ مزالي ، ولكن بضدها تتميز الاشياء .
وحديث النحل غريب وخاصة فى تونس وقد درسه العلماء الاجانب بمثل الحرص الذى حللوا به سكان هذه الارض . ورأوا فيه مساوىء عديدة لا تتماشى مع الانتاج السليم ولكنهم سلموا بوجود بعض المحاسن . فنحلنا من جنس عريق فى القدم وله ملكة شديدة لمقاومة الآفات مع حيوية مفرطة وشدة بأس ، غير أنه مولع أشد الولوع باللدغ ميال الى نهب عسل الغير وبالطبع فالعمل عنده بطئ جدا وساعات الجد والاعتناء ، فى اليوم قليلة ، علاوة على تشتت جهوده فى بناء عدة خشارم وفساد انتاج الشمع عنده .
ونسى هؤلاء أن هذا النحل ترك وشأنه تعمل فيه الطبيعة عملها ، والطبيعة عندما تترك وشأنها لا تعطى الثمرة المرجوة . ولولا أصالة هذا الجنس لانقرض وذهب ريحه كما قالوا .
بنفس هذا المنطق حلل الاجانب سلوك سكان هذه الارض ورأوا فيهم عيوبا كثيرة عاقتهم عن بناء الحضارات فى زعمهم وهذه العيوب هى نفسها التى ضبطها علماء النحل ووجها العلماء الاستعماريون عن أهل البلاد دهرا طويلا ولم يعيروا أى انتباه لما قاساه هؤلاء من الويلات ، الاحقاب تلو الاحقاب ، ولم يلينوا ولم يستكينوا وهو الذي عطل سيرهم ولم يوفر لهم من حظوظ الخلق والبناء
الا الشئ القليل وفي الفترات المتباعدة . وبقيت هذه الظروف التى صنعتها الاحداث وصهرتها الويلات مخيمة ان حقا أو باطلا على مجالات الخلق مكبلة لانطلاق الخلاقين مشتتة للجهود مقوضة للتقاليد الحسنة . كل هذا يصور بالضبط الارضية التى انطلق منها كل الشعراء والكتاب فى تونس ليكتبوا ما كتبوا ، وهي التى تفسر شعر الشابى وأدب الدوعاجى والمسعدى وغيرهم وهي التى انبرى الاستاذ محمد مزالى لتحليلها التحليل الاوفى ونبذ الاباطيل المنسوجة حولها وقد مضى الى أبعد من ذلك فى محاولته لتغييرها وتحويل السنن التى درج عليها الانتاج الفكرى والادبى فى تونس
هذا الحرص هو الذي دفع محمد مزال الى تأسيس مجلة " الفكر " والاصرار منذ تسع عشرة سنة على اصدارها بنفس الحماس ونفس المواظبة وهو قطع لتلك السنة المعروفة فى تونس التى تجعل كل مجلة أو جريدة تتهافت تهافتا بعد ردح قليل من الزمن مما دعا بعضهم فى الثلاثينات الى اضفاء عنوان طريف على جريدته يتماشى مع السنة المعروفة وهو ردح من الزمن
وهذا الفهم العميق لهذه الارضية هو الذي جعل صاحب الفكر يفتح مجلته الى كل الاتجاهات ويشجع الناشئين ويأخذ بيدهم فى رحابة صدر وتقدير كبيرين وهو الذي أتاح له الفرصة لتجتمع على صفحات " الفكر " كل الاقلام حتى أصبحت المجلة هي مجلة تونس . وغايته القصوى فى كل هذا هو أن يقلب تلك السنة المشؤومة قلبا ، ويحدث حركية فى مجال الخلق الادبى والفكرى لن تتراجع الى الوراء أبدا ولن تنقطع دورتها على مر الدهور والمطمح الوحيد هو أن لا تظل تونس ناظرة على مسرح الادب والفكر الى الاشباح تتراءى ثم تختفى وعباقرة يلمع بريقها ثم يطويها عنت الدهر بل الامل الكبير الذي يحدوه هو أن تحتضن تونس أبناءها الافذاذ ، وترعاهم وتترك لهم سبيل الخلق والابتكار فى حرية واجلال .
وان نفاذ صاحب مواقف " الى سيرورة هذه الارضية وايمانه بازالة خللها والابقاء عل مقوماتها الاساسية هو اصداعه بان الادب صدق أولا وملحمة ثانيا صدق فى ولائه للذات الأمينة لا يتفسخ ولا ينحرف ولا يذوب ولا يتلاشى فى غيره ولا يقلد فينحدر ، وملحمة في ايمانه بقدرة الانسان على تغيير منزلته الدنيا ، والارتفاع الى مشارف الانسانية الحق
كل هذا جعل عمل محمد مزالي فى جميع المجالات ، السياسية منها
والأدبية ، والفكرية ، والرياضية ، والسلوكية خاصة ، يتجاوب بعضها مع بعض ولا يسب بعضها البعض كما يلذ له أن يقول .
وان هذا الحفل الذى أتاحته دار الثقافة ابن خلدون ليندرج في صلب هذا التحول الكبير الذى تعيشه تونس المستقلة وهو فرصة نادرة للتأكيد على أنه ليس من الهين النفاذ الى تحليل هذه الارضية التى أشرنا اليها وتخليص المجتمع التونسي من آفاتها من جهة والابقاء على مقوماتها الاساسية التى بدونها لن تكون تونس محتفظة بخصوصيتها متشبثة بتونستها بما في هذه الكلمة من شمول لمقوماتها الاساسية من عروبة واسلام وانصهار فى العالم المتقدم
هذا هو الرهان الذي وضعه الاستاذ محمد مزالي وهو على وشك أن يربحه ونعم هذا الوشك ، لانه يفرض عليه أن يسترسل فى جهوده وان يواصل أعماله لان أصدقاءه ومريديه ينتظرون منه الكثير فى هذا الباب .
ثم أليس من قبيل غلق أبواب المستقبل أن أستمر في هذا التقصى الذي امل ان اكون فيه مقصرا والحال أننا نتمنى جميعا أن تتعدد مثل هذه المناسبات وان يجد كل منا فى كل مرة الوطاب مليئا . فالى القريب العاجل وشكرا .

