الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

موت الظنون القديمة

Share

الى رجل الساحل فى اقتناعه بعد عناده . . . الى مواطن الجنوب فى اقترابه من الواقع بعد ابتعاده . الى انسان الشمال فى اعتقاده واجتهاده

كان لا يسمع من كل ما يدور حوله من ضجيج أو صراخ سوى أزيز المحركات المنطلق من وسط الغابة الصغيرة ، وكان يتجاهل تناثر الغبار المتطاير من هنا وهناك على اجزاء جسمه حتى غدا جزءا من هذه الارض المغبرة . . . ظل جامدا يسمع من حين لآخر هزات عنيفة يعقبها سقوط فلا يرفع رأسه لانه يعلم أن شجرة زيتون اخرى ذهبت ضحية - الغولة - كما كان يسميها . . . كانت الاشجار تتساقط الواحدة تلو الاخرى والضجيج يزداد شيئا فشيئا تحدثه العربات المترددة على قطع الغصون التى جزأها الحطابون تنقلها الى الضفة الاخرى من الغابة حيث تباع أو تحفظ . . .

وكانت عينا ابراهيم تبعث الى الارض من حين لحين دموعا كسيرة ترسم على الارض شكل دائرة مضطربة سرعان ما يدفنها الغبار المتراكم . . .

ومر به جاره سعيد والفرحة المرتسمة فى عمق عينيه تنطلق مع كلماته التى وجهها له قائلا . . .

- مالك واجما يا ابراهيم ، ألا تمضى معى لترى ما اذا كان بيعى لمجموعة من الاخشاب مناسبا . . . مالك صامتا . . .

فاكتفى بالنظر اليه مشيرا الى الغولة الهادرة . . .

- انها اشجار هرمت ولم تعد صالحة لكى تحتل كل هذه المساحة الكبرى من الارض . . . ألا تعلم انها ستعوض بأخرى مثمرة . . .

فنهض ابراهيم فجأة وضرب بيديه فى الفضاء وصاح :    - انت ايضا توافق على أن تعوض بالطرقات ٠٠٠ أو بشجيرات تافهة ٠٠ انها زياتين حدودنا الاصيلة العريقة ٠٠٠

فانسل سعيد متمتما : الامر ليس وقفا لرضائى وانما هو رهين المنطق ٠٠٠

ارتمى ابراهيم على حافة الفراش غير عابىء يزوحته التى انعزلت فى ركن من الغرفة .

والتفت الى زوجته صامتا ثم قال لها بصوت مبهم :

- لقد حلت مع حلولك هنا نكبة جديدة عوضت رفاهية حياتى القديمة ... - أما زلت تؤمن بخرافة كهذه ... ما أظنهم يريدون بنا سوءا ولا مضرة ..

فاجابها متضاحكا ٠٠٠

- نعم انهم يريدون بنا كل خير ٠٠٠ آوه اسكتى عنى ٠٠٠ انك امرآة تافهة ٠٠٠ ياه من جو ثقيل ، أكاد اختنق ، أو أخنق غيرى ٠٠٠ اننى لن أوافق . وليذهبوا الى الشيطان ٠٠٠

- ألا تتناول طعامك قبل الخروج ؟ ! - أمر يهمنى ، فلا تهتم بما يهمنى ٠٠٠

كان يسير مبعثر الخطوات مضطرب الخواطر حين بلغته هتافات غامضة من قاعة تفطن الى انه يمر أمامها ، فتردد فى الدخول ثم اندفع ليتطلع الى ما يدور هناك وما يبعث على هذا التصفيق والصراخ . . . وجمد فى مكانه حين التقى به منتصبا هناك . . . . نعم انه ذاك الذى مازال يعتبره مصدر نكبته . . . آمر الغولة الملعونة بالعبث وسط الزياتين . . . انه هو الباعث على هذا الهتاف وهو راسم هذه الفرحة الغريبة على وجوه الحاضرين ، وتجول بنظره فى صفوف المنتصبين فاذا به يعرفهم كلهم تقريبا ، كلهم ينتسبون الى خدمة الارض واكثرهم زغرد لضجيج الغولة وصفقق لمحاولاتها فى العبث كما كان يقول . . .

وتراجع الى الوراء وتسلل عائدا أدراجه من حيث أتى ، لكن نداء من هناك أوقفه أنت ايها الهارب ! كان فعلا هاربا لكنه التفت فاذا به يشير إليه بيده ليتقدم . . وتقدم نحو ذاك الذى دعاه ، ذاك الذى يعتبره مصدر نكبته بدعوه . . ومضى اليه فأمره بالجلوس والاستماع . . . فجلس حيث وجد مقعدا شاغرا فى الصف الامامى لا يعلم أطال به الوقت أم قصر ٠٠٠

وكانت فرصة للحوار المباشر بعد انتهاء الخطاب ، وكانت أسئلة وأجوبة وامثلة ٠٠٠ ثم كان تردد وامتناع من البعض وخوف واقتناع ثم اتفاق ورضى من الجميع وهو جزء من الجميع شاء هذا أم كره ٠٠٠

وخرج شاعرا بشئ فى افكاره يتحرك يعلن أن لا اعتراض يفيد ، وأحس بجمود ينقشع ويلعنة تتردد على لسانه ، ولكنه يستغفر ويمضى فى طريقه يحاسب نفسه ويفكر ٠٠٠

ومضت الايام وتكاثرت الاستدعاءات له ولغيره ، فتكررت فرص اللقاء بالمسؤولين فى دور الشعب وغيرها من القاعات رغم أن أوصال ابراهيم ظلت ترتجف من حين لآخر وتغرقه فى تأمل بعيد وتفكير قاص كلما فكر فى الخوف الذى قالوا له عنه انه بلا مبرر ولن تكون له نتيجة بارزة وقالوا له انهم منحوه التفكير فى سبيل ازدهار مستقبله فليمنحهم الثقة والاطمئنان وليست العبرة فى غير العمل المفيد ٠٠

وتحركت افكاره التى أراد لها الجمود فاذا بها تقبل على الواقع بواقعية مجردة ، ولم يجد بدا من الاقتناع يغمره أمل طفيف ٠٠٠ وصار يشرف بنفسه على نقل بقايا زياتينه الى السوق أو الى الضفة الاخرى من الغابة ٠٠٠ وما كان منه الا أن عاد بعد أيام الى أرضه مع زوجته وبغله وعزمه القديم ، عاد اليها كالآخرين ليروى تربتها بقطرات من عرقه التى اعتادت أن تروى ثراها خلال الحراثة والزراعة ٠٠٠

وفى غمرة من الابتهاج أعد الحفر الصالحة لغراسة الشجيرات الجديدة التى ستثمر عن قريب فى هذا الجو النزيه من العمل المتواصل المحفوف بامكانيات مادية ومعنوية واسعة مركزة ٠٠٠

ونفض التراب من يديه حينما انتهى من الزراعة ، ونظر الى زوجته مبتسما وهى تنتقل بانبوب الماء تسقى النبات الظامىء غير عابئة بطنين المحرك المنتصب الى جانب البئر الجديدة التى مكنتهم من وجودها ادارة الفلاحة

- هل ما زلت تعتقد فى أنى حملت لك الشقاء يا ابراهيم . - كلايا عزيزتى ، انها مجرد كلمات مخطئة املتها غباوة الغضب . - الم أقل لك انهم لا يريدون بنا سوءا ٠٠٠ - أوه ! ونحن ايضا برفضنا لا نقصد مضرة ٠٠٠

مرت المأساة من نفس ابراهيم ، وقضى اشهرا طويلة يتفقد حقله ويرعاه ينتظر الخريف بأمطاره والشتاء بغزير مياهه والربيع بابتساماته والصيف بضحكاته وثماره .

ولم يعش للانتظار فقط بل أقدم على زراعة الخضر فى ناحية من حقله الشاسع . وعاش للاعتناء المتواصل بها ليجنى ما تدره عليه مربعات الخضر المتنوعة فى فترات متفاوتة حسب الفصول . . .

وكان شتاء اشتهر بالزوابع المخيفة . . .

امتد ابراهيم على فراشه الى جانب زوجته الطيبة وبدأ الكرى يثقل اجفانه ليريح مقلتيه من تعب العمل وينتقل به الى عالم قدسى تنبت الافراح فيه وتثمر آمالا لذيذة هادئة تصنع حب الحياة ، والعمل من اجل الحياة . . . وفى لحظة وجد نفسه فى مدخل حقله واضعا يده على كتف زوجته الحالمة وهما يتأملان فى هيام وليد الشجيرات المثقلة بالثمار المزخرفة وألوان الخضر التائهة الراقصة والريح يداعبها فتتمايل فى نشوة سكرى هائمة . . .

وينتفض السكون على صوت أزيز مبهم فاذا كل شئ ينتهى : الثمار والحقول والخضر والاحلام الجميلة واذا الجفون التى اثقلها الكرى تخف تتسلل الى اليقظة وتصرف الحلم العذب . . . ويتكرر الازيز ٠٠٠ وتتسارع قطرات المياه على بلور النوافذ ، فيسرع اليها ابراهيم يفرك عينيه ٠٠٠ كان أزيز الرعد متصلا ولمعان البرق مشتبكا ، واشتد نزول المطر والريح تعصف بشدة ٠٠٠ لقد كانت عاصفة جامحة استمرت فترات من الزمن كانت كأشد ما تكون وقعا فى نفس ابراهيم . . .

وهدأت بعد لحظات زوبعة الطبيعة فعاد ابراهيم صامتا الى فراشه يتأمل وجه زوجته الحالمة على حافة السرير تبدو عليها علامات الفرح وهى تحمد الله على هذا الخير العميم ٠٠٠

أغمض عينيه محاولا ابعاد الهواجس التى انزوت فى خاطره الصغير . . . وعادت الى فكره لعلعة الرعود وزنير الرياح فأثارت كوامن شجونه وحركت مخاوفه وخشى الضياع وسط هذه اللحظات الصاخبة فقام يقطع الغرفة ذهابا وايابا مطلا من حين لآخر من زجاج النافذة فلا يرى غير اشلاء الظلام الكثيف ٠٠

ونكس رأسه على حافة الخزانة القديمة لكنه لم يدر حينما فتح عينيه هل كان فى اغماءة طويلة أم فى شرود ضائع أو تأمل يائس . . . ولاحت خيوط

الضياء وسط عتمة الظلام بعد انتظار طويل ، فذهب ابراهيم مسرعا الى ناحية من الغرفة يرتدى ملابسه ثم اخذ برنسه وتسلل خارج البيت تاركا زوجته فى اغفاءة طويلة ٠٠٠

وترك لبغله حرية السير فى الطريق التى اعتاد أن يشقها منذ سنوات بعيدة ٠٠٠ وانتابه عندما وقف البغل ورفع رأسه شبه دوار غريب حين عانقت عيناه وهى تتسع هياكل الشبجيرات الملقاة كما شاءت لها عاصفة الليلة الماضية ٠٠٠ ولفه ضباب كثف اغبر حتى نسي امره وأمر بغله الذى اندفع يقتطع ويأكل من ضحايا العاصفة ما شاء أن يأكل ٠٠٠

ظل جامدا وفى نظراته الظامئة لعنة وفى صمتة المبهم ثورة وعاد يتعقب فى ذاكرته اطوار حياته القديمة ويحتضن خيال - الغولة - والزياتين الراحلة ٠٠٠ وبعد برهة من الصمت والتفكير عرف أن لاشئ يجدى سوى التفكير فيما يجدى ٠٠٠٠

وكمن اصيب بجنون اندفع نحو الكوخ يرفع اشلاءه ليخرج من تحتها أدوات عمله التى اعتاد أن يتركها هناك وارتمى فى الاتلام المرتوية لا يتحكم فى حركاته الجنونية المبعثرة وهى تعيد حفر الحفر وتعالج أشلاء الشجيرات النائمة منها والمتكثة على اكداس من التراب المبلل ٠٠٠ تحركت فجأة عزائمه فى انفعال شديد فلم يشعر الا وهو ينفض التراب من يديه بعدما أتم عمله وأعاد الشجيرات الى الحياة . . .

ثم التفث - بعد استراحة قصيرة - يجمع الخضر المتناثرة هنا وهناك فى حين تهادى من بعيد خيال زوجته وهو يقترب شيئا فشيئا ٠٠٠ ووقفت حين وصلت على مقربة منه تتأمله فى خوف مزدوج بشئ من حب الاطلاع والتساؤل ٠٠٠ وبسطت له قفة الغذاء من بعيد فتقدم نحوها وأخذها ووضعها جانبا ثم فتح ذراعيه يحتضنها فى ضمة طويلة عنيفة بددت أوهامها مرة أخرى وفتحت لها آفاقا جديدة ٠٠٠

ومضت الى جانبه تجمع الخضر بينما كانت قطع من سحاب الليلة الماضية تعبر سماء الحقول لتترك المجال لأشعة الشمس الحبيبة ٠٠٠

اشترك في نشرتنا البريدية