الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

موت بطولي

Share

قصة : لشارل بودلير

(( فانسيول )) مضحك عجيب أوشك ان يكون صديق الأمير لكن الامور الجدية لها حتما جاذبية وخيمة للذين قدر لهم أن يثيروا الضحك ولو انه يبدو من العجيب ان تستبد فكرة الوطنية والحرية بعقل مضحك فان (( فانسيول )) شارك يوما فى مؤامرة دبرها بعض الأشراف الغاضبين .

وإن بجميع البلدان رجال خير يشون للحاكم باولائك الناس الأنكاد الذين يحاولون خلع الامراء وقلب أنظمة المجتمعات دون استشارتها بحيث اوقف اولائك الاشراف واوقف معهم (( فانسيول )) واعد لهم موت يقين .

وانى لأظن عن طيب خاطر ان الامير قد اغتاظ لوجود مضحكه المفضل بين الماردين لكنه لم يكن احسن من غيره من الأمراء أو أسوأ منهم الا ان احساسه المرهف جعله فى كثير من الاحيان اقسى واظلم من امثاله اجمعين ولغرامه المتلهف بالفنون الحميلة ومعرفته الجيدة بها ايضا كان حقا للملذات نهوما وبما انه فنان حق لا يعبأ كثيرا بالناس والأخلاق لم يكن يعرف من عدو خطير سوى الملل وان الجهود الغريبة التى كان يبذلها للهروب من ذلك الطاغية أو للتغلب عليه لكانت حثت يقينا مؤرخا قاسيا على نعته بالوحش لو كان من الجائز فى الميادين التى يتنقل فيها ان يكتب ما لا ينحصر فى اللذة وفى الانذهال الذي هو من انعم صور اللذة واكبر مصائب هذا الامير انه لم يجد له قط مسرحا حديرا بسعة عبقريته اذ ان هناك (( نيرونات )) احداثا تخنقهم حدود ضيقة وقد وهبت العناية هذا الامير مدارك اعظم من ممالكه .

وفجأة شاع خبر ارادة الامير العفو عن جميع المتآمرين وكان اصل تلك الاشاعة الاعلان عن رواية عظيمة يقوم فيها (( فانسيول )) بأهم الادوار واحسنها ويحضرها عل ما يقال حتى الاشراف المحكوم عليهم وذلك دليل فى رأى العقول السطحية على جنوح الامير المهان الى السماحة .

فمن رجل غريب طبعا وارادة كل شئ ممكن حتى الفضيلة حتى الحلم لا سيما إذا كان يرجو ان يجد فيهما ملذات غير منتظرة لكن الرأى عندى وعند امثالى ممن امكنهم الغوص فى اعماق تلك النفوس الغريبة المريضة انه من المحتمل جدا ان الامير كان يريد ان يقدر قيمة القريحة عند رجل محكوم عليه

بالاعدام فكان يريد اغتنام الفرصة لتجربة حيوانية (1) ذات اهمية رئيسية فيثبت الى اى حد قد تفسد المدارك العادية لفنان او تتغير اذا طرأت عليه حالة خارقة اما هل كان بنفسه نية سماحة معتزمة أو مقصودة فهذا أمر لم يمكن تبينه .

واخيرا فى اليوم العظيم اكتسى البلاط جميع مظاهر الأبهة ومن العسير ان يتصور من لم يشاهد ذلك كل ما يمكن للطبقة المحظوظة فى دولة صغيرة ذات امكانيات محدودة كل ما يمكنها ان تبدى من عجيب النعم فى حفل حقيقى وهذا الحفل حقيقى لسببين اولا فتنة وفرة النعم المعروضة وثانيا ما كان عالقا بالامر من اهتمام أخلاقى خفى .

وكان السيد (( فانسيول )) يتقن خاصة الادوار الصامتة أو التى تحتمل قليل الكلام وهى الرئيسية فى تلك المآسى الخيالية المقصود منها تمثيل سر الحياة تمثيلا رمزيا فدخل الركح فى كامل الخفة والرشاقة فقويت فى الجمهور فكرة اللين والعفو .

اذا قيل فى ممثل (( هذا ممثل بارع )) يستلزم استعمال هذا التعبير انه طى الدور ينكشف الممثل أعنى الفن والجهد والارادة ولو بلغ ممثل بالنسبة للدور الذى كف بتاديته ما قد تكون بالنسبة للمفهوم العام المبهم للجمال احسن تماثيل الاقدمين التى يجعلها نوع من المعجزة تتحرك وتحيا وتمشى وتبصر لكان يكون ذلك مثالا غريبا غير متوقع تماما ونقد كان (( فانسيول )) تلك الليلة صورة لكمال المثالية التى يستحيل عدم افتراضها حبة ممكنة واقعة كان ذلك المضحك يذهب ويحىء ويضحك ويبكى وترجف عضلاته وحول رأسه هالة ثابتة هالة لم يكن يراها احد سواى يقترن فيها فى خليط غريب اشعاع الفن ومجد الشهادة بحيث كان (( فانسيول )) بفضل منة خاصة لا ادرى ما هى يبعث نفحة إلاهية وفوق طبيعية حتى فى أبعد المضحكات عن المعقول وان قلمى ليرتجف والدموع لتترقرق فى عينى فى انفعال دائم الحضور حينما أحاول ان اصف لكم تلك الامسية التى لا تنسى فكان (( فانسيول )) يقيم لى دليلا قاطعا لا تفنيد له على ان سكرة الفن هى اولى من أية سكرة اخرى لاخفاء هلع الهاوىة وان العبقرية يمكنها وهى على حافة القبر ان تتقن مضحك الادوار فى فرح يمنعها من مشاهدة القبر اذ هى فى حالة هلاك فى جنة تتنافى وكل فكرة موت أو تلف .

وكل ذلك الجمهور مهما كان قاسى القلب مستهترا فقد خضع لسلطان

الفنان القاهر القادر على كل شئ ولم يعد احد يرتئى الموت ولا الحداد ولا التعذيب واستسلم كل فى غير حيرة الى متضاعف النعمى التى تمنحها مشاهدة صورة حية لكمال الفن وزلزلت مرارا انفجارات السرور والاعجاب قباب الهيكل فى عنف الرعد المتواصل وشارك الامير نفسه بطانته فى التصفيق وقد تملكته النشوة الا ان نشوته لم تكن خالصة فى نظر عين بصيرة فهل كان الامير يشعر بانه غلب فى سلطته الطاغية واهين فى تفننه فى ترويع القلوب وتخدير العقول وخابت آماله وأخطأت ظنونه فكل هذه الافتراضات وان لم تتحقق بالتدقيق مع انها ليست مستحيلة التحقيق قد خطرت لى بينما كنت اتأمل وجه الامير تعلوه صفرة جديدة تنضاف الى صفرته العادية كما يتراكم الثلج كل الثلج فكانت شفتاه تزدادان انقباضا وعيناه تلتهبان نارا باطنة كنار الحسد والحقد حتى حين كان تصفيقه يكبر علانية مناقب صديقه القديم المضحك الغريب الذى كان يجيد الضحك من الموت ورايت فى احدى اللحظات جلالته ينحنى على احد غلمانه الصغار كان خلفه فيهمس فى اذنه فتلمع بسمة وجه الطفل الجميل الكيس فيبارح منظرة (2) الامير كمن يسرع لقضاء امر اكيد مستعجل وبعد دقائق قطعت رنة صفارة حادة مديدة على (( فانسيول )) لحظة من احسن لحظاته ومزقت فى آن واحد الآذان والقلوب ومن المكان الذى انبعث منه ذلك الانكار غير المنتظر اندفع فى ممر طفل تتصاعد منه ضحكات مكبوتة فأغلق (( فانسيول )) عينيه مرتجفا وقد افاق من حلمه ثم فتحهما لساعته فاتسعا اتساعا مفرطا وفتح فاه كمن يتنفس فى تشنج وتمايل قليلا الى امام وقليلا الى خلف ثم خر ميتا على خشبة الركح .

فهل ان الصفارة فى سرعة السهم قد حرمت السياف حقه ام هل ان الامير قد توقع كل نجاعة حيلته القاتلة فان الشك فى ذلك لجائز .

اما هل انه تحسر على (( فانسيوله )) العزيز الذى لا مثيل له فظن ذلك يسير له مبرر .

وهكذا قد نعم الاشراف المجرمون آخر مرة بمشهد الملهاة (3) وفى الليلة  نفسها ابيدوا .

ومنذ ذلك الوقت اتى مضحكون كثيرون معتبرون حقا فى بلدان مختلفة فمثلوا امام بطانة الامير . . . لكن لم يقدر احد منهم على ان يعيد ذكرى مواهب (( فانسيول )) العجيبة ولم يسم احد منهم الى حظوته .

اشترك في نشرتنا البريدية