مع الدعوات بالخلف الصالح الى الصديق عبد الله سرور الصبان " .
خرجت امس أشيع طفلا يخوض فى اولى سنى حياته ، فهو لم يقض فى مهد الطفولة الا حولا . وبعض الحول . شهورا محسوبة عددا ، واياما قليلة ، لم يعرف فيها سوي ثدى أمه ، وعينى أبيه .
لم تكتحل عيناه فيها بسوي الحب والعطف ، ولم تطرق سمعه الا أناشيد المهد ، ولم تهضم معدته الا طعاما سائغا لانه من هذا الكوثر الانساني الذي وضعه الله فى صدور الأمهات .
ومات . وخلا العرش الصغير من الملك الصغير . ولكن عرشه لم يكن هذا المهد الجميل فحسب .
كان هناك عرشا آخر فى هذا القلب الذي ساهم فى سبيل تكوينه ذرة ، فنطفة فعلقة ، فمضغة ، فعظاما فخلقا ، عجيبا في الخلق ، صنع الله الذي اتقن كل شئ خلقه هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه ؟
ومات : في عمر الورد ؛ وفي جماله وسحره ، وفي نضارته وعطره ، لولا ان ما مات من الورد مات ومن مات من الاطفال حى فى قلوب الاباء والامهات .
ورأيت والد الطفل . وعلى وجهه طمانينة ما أنكرتها ، وان كان أنكرها من يقف تفكيره وعقله عند مظاهر الأشياء ، فلا يدخل في كتبها بقلبه وإيمانه وعقله
كان فى وجهه نور يترقرق في محياه كما تترقرق اولى خيوط الفجر في حنده الليل وكان هذا النور يشع من جبينه شعاعا رطيبا كانه الطل فوق اوراق الورد . او كانه الغصن المطلول يكشف عما فى جوفه من الرى والماء
او كانه مرآة صافية يعكس بورها كلما يعرض أمامها من ظلال . وكانت ترتسم على وجهه بسمة هادئة كالفرحة العميقة التى تأتى من داخل النفس لا من خارجها. المفسوحة التى وجدت مقرحا فى النفس فسكنت فيها ، ولم تجد سبيلها الى خارجها فاستقر صداها بسمة لا صوت لها وارتسمت فوق الشفاه لتنطبق عليها ) ١ (
وصلينا على الطفل . وكأن ما معنا طفلا فى السبعين من عمره . . ) ٢ ( ومامنا الا من تلبست الطفوله روحه حين ذاك لانا كنا جميعا فى معانيها
وحمل الطفل ، لا على آلة حدباء ولا على نعش ، ولا على اكتاف ، ولكن على اذرع رقيقة ، وصدور حانية
والأذرع والصدور هي عروش الاطفال وكان موكب الجنازة صغيرا ولكن الملائكة باركته فتكاثر ، وتكاثر حتى اذا ما وصلنا المقبرة كنا أصفافا اصفافا . .
ولم يكن الموكب موكب جنازة ولكنه كان موكب طفولة فرحة بهيجة . وكأنما لم نكن لنذهب بطفلنا الى القبر ولكنما نذهب به فى موكب ختان وتطهير وكان الوقت ضحى والشمس ساطعة منحرفة فساهمت السماء فى هذا الموكب الأرض وارسل الله سبحانة تظلل الموكب الصغير احتفالا بمقدم الطفل الى الجنة
وهذه الهدية السماوية التى يقدمها الرب الكريم احتفاءا بالميت الطفل ، هى مما يفهمه الاطفال ويفرحون به ، بل مما يفهمه الناس جميعا ويفرحون به فى البلاد
أليس الغيم دليل المطر ؟ والمطر فى بلادنا مما يهنأ به ويعبر عنه بالرحمة فهي دليل على رحمة الله
واذا جاء المطر صافح الحجازيون بعضهم بعضا . وانطلقت الالسن تقول آنست الرحمة وكان سرور الموكب بالسحاب كسرور الأطفال بالغيم .
والغيم زينة السماء فى بلاد الشمس والصحراء وورى الطفل فى قبره بين ترتيل المرتلين ، ودعاء القلوب ، كما توارية امه في مهده ، وتضع حوله الأغطية واللفائف لتمتع عنه البرد ، وتغنى له الاغاني لينام .
ونظرت الى ابيه فاذا الفرحة العميقة في نفسه استحالت الى ابتسامة كبيرة كمن ينفض يديه من مهمة حبيبه ، او كمن يودع وديعة عزيزة فى مأمن كريم وكانه اودع ابنه في روضة أطفال ، ولم يودعه فى قبر
وهو انما أودعه فى قبره ليصل الى روضة الاطفال . ولكن فى الجنة . . وهو مؤمن بانه سيلقاه يوم المحشر وبيده اكواب من ذهب فيها شراب الكوثر ليسقيه في يوم لا ينفع فيه حميم حميما ، ويشفع له باذن الله فى يوم لا تقبل فيه شفاعة الشافعين
هنالك الاطفال يلعبون فى الجنة وتربيهم الملئكة ، ويرعاهم الله ، فاذا جاءت القيامة وفدوا الى المحشر باكؤس واباريق من شراب سائغ تمير ليسقونه آباءهم. وأمهاتهم ثم يمسكون بثيابهم فيصلون بهم الى اترب ويدخلونهم معهم الى الجنة الجنة التى لا يدخلها الا الأطفال ولا يعيش فيها الا الاطفال .
ليست الطفولة نمطا واحدا فى الشكل وفنا واحد فى الروح ، فاذا تغيرت الروح او تغير الشكل كان هذا التغير شبابا او كهولة ، ولكن اهل الجنة فى عز واحد وفي شكل واحد ، وشباب واحد منهم اطفال في ضيافة الله . هم أطفال الجنه وكذلك يوصى الله الانسان بوالديه حسنا
فحسن الدنيا ما يعرفها اهل الدنيا ، أما هذا فهو حسن الآخرة ونعم دار المتقين وعدنا من الجنازة وليس فينا الا من يغبط والد الطفل على ما قدمه في دنياه ليشفع له فى اخرته
فالاطفال الموتى وديعة الاباء والامهات عندالله وهم رهائن ابائهم من العذاب والعقاب وان النفس لتجزع وان العين لتدمع ، وان القلب ليهلع ، ولكن رحمة الله قريب من المؤمنين
وما شهدته فى والد هذا الطفل حينما أودع فلذة من كبده فى قبر هو سحر الايمان الايمان الذي يحيل الحزن سرورا والذي يتغلغل في ثنايا النفس نورا وطهورا الطفل فلذة من الانسان ، وقطعة منه ، بل هو فلذة من اشرف واكرم وارق ما فى الانسان من القلب
فاذا انفصمت منه هذه الفلذة فكأنما انفصلت من القلب ، وهو موطن التاريخ والاحاسيس ومن ذا الذي تسكن نفسه ليضع فى التراب فلذة من نفسه ، وقلبه ، وتاريخة ، واماله ، واحلامه وجهاده ؟
الامن كان مؤمنا بانه يقدم الى الله بضعة من نفسه اختارها لتسبقه الى جنة المأوى وهذا الايمان فن القلوب المسلمة وطمانينتها وسكونها ، وهو كمال الاسلام ، وهو فضل الله الذي يقول ) اليوم أكملت لكم دينكم ، واتممت عليكم نعمتي ؛ ورضيت لكم الاسلام دينا (
فاللهم ارزقنا كمال الدين ، وتمام النعمة ورضاء الاسلام انك سميع الدعاء

