لا جدال فى ان الشعر هو تعبير فنى عن مشاعر معينة بواسطة اللغة . . .
الا ان المشكل يبقى دائما قائما حول نوعية هذه اللغة التى ينبغى ان يستعملها الشاعر .
يمكن للشاعر ان يعبر - مثلا - عن أحاسيسه بكلام مرسل الا انه لا يجد اذنا تستسيغ ما يقول لان لغة الشعر تصبح والحالة هذه شبيهة بلغة التخاطب او لغة النثر . . ولهذا السبب اضطر الشاعر الى ادخال عنصر الموسيقى فى صلب شعره حتى لا يقع الخلط بينه وبين النثر من ناحية وللتأثير على السامع من ناحية اخرى ...
ومن ثم فان الشعر أصبح بعد دخول عنصر الموسيقى فيه - تعبيرا عن شعور معين بكلام محمل نغمات موسيقية .
اما الشعور فهو ملازم للانسان أبد الدهر . . . والكلام وان تطور فلا يطوره الشاعر وحده وانما تطوره المجموعة البشرية كلها بالاستعمال . فلا يستطيع اى شاعر ان يضيف الى اللغة كلمات جديدة يخلقها بنفسه او يستعمل تراكيب لا وجود لها فى كيان اللغة التى يفهمها الناس . لان فى استعماله لالفاظ او تراكيب غير مفهومة خطرا على روح الشعر الذي يفقد من جراء ذلك أحد شروطه الاساسية : وهو الابلاغ ..
اما التطور الحقيقي للشعر فانه يقع على صعيد الموسيقى الشعرية . . .
اذا تأملنا فى موسيقى الشعر العربى القديم تبين لنا انها تنقسم الى قسمين مختلفين :
1 ) قسم فولكلورى : وهو ما نجده فى البحور الموحدة التفعلية كالهزج والرجز والرمل حيث تسير النغمة الموسيقية فى خطوط مستقيمة أو تكاد
2) قسم كلاسيكى : وهو خاص بسائر البحور الخليلية التى تدخل فى تركيبها تفعيلتان مختلفتان كالطويل والبسيط والمديد . . . والجدير بالذكر ان النغمة الموسيقية فى هذا النوع من البحور تتلوى وتصعد وتنزل وان كان ذلك في حدود معينة . ( انظر الصورة رقم 1 )
والشعر العربى القديم عبارة عن ترصيف لعبارات لها نفس الطول ونفس العرض تسير النغمة فى كل منها حسب شكل جامد لا سبيل الى تحريكه وهو نظام ناتج عن ترتيب معين للمقاطع الصوتية الطويلة والقصيرة بحيث يكون لمقياس الصوتى او الموسيقى الذى نستخدمه فى البيت الاول هو الذي نعتمده ايضا فى نظم سائر الابيات المتبقية من القصيدة وفي هذا ولا شك خطر يهدد ووح الشعر العربى اذ يصبح الشاعر عاجزا عن الملاءمة بين مضمون
قصيدته والموسيقى التى يختارها لها . فالنغمة هى هى لا تتغير سواء فى المواضيع الفكهة الطريفة أو الحزينة القاتمة ولا يخفى ان الموسيقى الشعر . اذا هي لم تشارك فى اعطاء أبعاد معينة للجو العام للقصيدة اى اذا هى لم تكن النغمة حزينة مثلا فى القصائد ذات المواضيع الحزينة او راقصة فى
القصائد التى يتحدث فيها الشاعر عن فرحه أو سعادته يكون تناقض لا مفر منه بين مضمون القصيدة وموسيقاها حيث يكون التصفيق محبذا فى حالات البؤس والشقاء ويصير الندب مرغوبا فيه فى مواقف تستدعي الانشراح والابتهاج هذا بالاضافة الى ضرورة تطوير الموسيقى بالاعتماد على ما يستسيغه الذوق البشرى فى كل عصر وفي كل مكان . اذ كيف نطلب من الشعر ان
تكون له وظيفة اجتماعية اذا كانت موسيقاه التى لا غرض من ورائها الا جلب انتباه السامع والتأثير عليه ، غير مرتبطة بذوق هذا السامع ومتصلة به أيما اتصال ؟ ...
ألا ان الموسيقى الشعرية كائن حى يتطور بتطور ذوق البشر ، ذلك الذوق الذي يمد يده الى كل المعطيات الحياتية فيؤثر فيها ويضفى عليها من روحه الوانا جديدة تزيدها روعة وقوة وبالتالى يخرجها فى صيغ طريقة لها أبعادها الخاصة وما ورائياتها التى لا سبيل الى فصلها عنها . . .
فتطوير موسيقى الشعر العربى القديم أصبح أمرا مقضيا لا مفر منه . وهذا التطوير مع ذلك لا يكون بأى حال من الاحوال فى استبدال القواعد العروضية القديمة بقواعد أخرى جديدة . . . لان الشاعر فى كلتا الحالتين يكون مكيلا بقيود معينة لا تمنحه تلك الحرية المطلقة الخلافة التى تمكنه من خلق كل نغمة وكل معنى وكل صورة من نغمات ومعاني وصور قصيده ، مع العلم ان عبقرية اللغة لا تسمح من جهة أخرى بخلق تفعيلات جديدة غير التفعيلات الثمانية التى وضعها الخليل بن أحمد . . .
فلا سبيل اذن الى تطوير الموسيقى الشعرية العربية بدون التخلى عن العروض وهى الطريقة الوحيدة فى نظرنا لايجاد أبنية موسيقية جديدة .
فهل هذا ممكن ؟ . . وكيف يتوصل الشاعر الى تجنب النثرية البسيطة ؟ .
للاجابة على هذين السؤالين المحرجين سنحاول تحليل بعض القصائد الجديدة التى أصبحت تنشر بمجلة الفكر وجريدة العمل التونسية تحت اسم « فى غير العمودى والحر» والتي لا تزال تجد معارضة كبيرة من طرف شعراء العمودى والحر . . .
سنقتصر فى هذه الدراسة على قصيدتين:
- الاولى لمحمد الحبيب الزناد وهي بعنوان " أرض الايام الآتية " . نشرت بمجلة الفكر ، السنة 14 ، عدد 9 ، جوان 1969 .
- والثانية لفضيلة الشابى عنوانها : " أتذكر " نشرت بمجلة الفكر السنة 15 . عدد أكتوبر 1969
قصيدة :« أرض الايام الآتية » :
لتحليل هذه القصيدة سنرسم شكلا بيانيا للنغمة الموجودة بالمقطعين : الاول والاخير . نأخذ أولا خطين متوازيين يتوسطهما محور أفقى Axe horizontal
ثم تضع الحروف المتحركة فى الخط الاعلى والحروف الساكنة او حروف المد فى الخط الاسفل لان هذه الحروف الاخيرة تنحصر وظيفتها فى تمطيط الصوت والنزول به الى أسفل بينما الحروف المتحركة ليست فى حقيقة الامر غير مقاطع صوتية قصيرة لا تمثل اى صعود أو نزول للنغمة سواء أكانت فى حالة النصب أو الضم أو الجر وعلى هذا الاساس فاننا نمثلها فى رسمنا البيانى بنقاط متتابع نضعها فى خط مستقيم . اما المقطع الطويل فهو يشتمل هنا على نقطة فى الخط الاعلى ونقطة ثانية فى الخط الاسفل يصل بينهما منحن قصير (انظر الصور رقم 1 ) ثم بعد وضعنا للنقاط الممثلة للحروف المختلفة التى يتضمنها القصير نربط بين كل هذه النقاط بخط وهكذا نتحصل على المنحنى الذى نشاهده فى الرسوم التى تصحب دراستنا هذه
ولننظر الآن فى الشكل البيانى الذى تحصلنا عليه بعد ضبطنا للمقاطع الصوتية التى يشتمل عليها المقطع الاول 1 ere strophe من قصيدة " أرض الايام الآتية "
فالنغمة الموسيقية كما يبدولنا من هذا الشكل تسير اولا فى تذبذب عادى لتتابع المقاطع الطويلة فى الابيات الثلاثة الاولى :
يا أرض الشمس المحروقه
يا أرضا مشقوقه
يا أرضا مخنوقه
( يا - أر - ضش - شم - سل - مح - رو - قه . . )
الا ان هذا التتابع للمقاطع الطويلة « يتكسر » فى البيت الرابع حيث نجد ثلاثة أحرف متحركة متتابعة :
يا أرضا تخرج من أعصاب الناس ( يا - أر - ضمن - تخ - رج - من - أع ... ) فالراء والجيم والميم فى الفعل المضارع - تخرج -
وحرف الجر - من - الذى يليه - نراها متتابعة لا يتخللها حرف ساكن وهي لذلك تمثل بقاء النغمة فى الخط الاعلى الذى لا تنزل منه الا فى الحرف الساكن ( النون ) من حرف الجر « من » .
ثم تأتي بعد ذلك سلسلة من المقاطع الطويلة: ( أع - صا - بن - ناس - تف . . )
مع الملاحظ ان في - ناس - تنزل النغمة نزولا نهانيا وهذا المقطع الطويل المغلق Syllabe longue fermee لا نجده بتاتا فى الشعر العربى القديم ولا فى اللغة العربية بصفة عامة وهو كما يبدو هنا مستنبط من الشعر العامى.
ثم يأتي « انكسار » جديد للنغمة فى البيت الخامس « تفلت من » وهذه الظاهرة نطلق عليها فى هذه الدراسة كلمة « صدمة » التى نجدها تتكرر داخل النغمة . لكنها تتخذ أشكالا مختلفة . فتارة تكون خفيفة ( كالصدمة الثنائية الناتجة على التقاء حرفين متحركين ) أو قوية ( كالصدمات الثلاثية (2) والرباعية (3) والخماسية ) .
واذا جمعنا صدمات المقطع الاول من قصيدة الزناد المذكورة وجدنا عددها قد بلغ ال 10 . منها 7 صدمات ثلاثية وصدمة رباعية وصدمتان ثنائيتان. فماذا نستنتج من هذا كله ؟...
لا نجد مثلما هو جلى فى رسمنا البيانى أية صدمه فى بداية القصيدة بل تسير النغمة فى تسلسل طبيعي للمقاطع الطويلة . وما الغرض من هذا الانسجام فى نظرنا الا تهيئة السامع الى استقبال التلونات الموسيقية التى ستتبعه فكاننا ازاء قطع سمفونية لبتهوفن Beethoven أو موزار Mozort اللذين لايفاجئان عادة السامع بصدمة موسيقية عنيفة فى بداية القطعة وانما يمهدان الى ذلك بنوتات خفيفة.
ونعود الآن الى نغمة قصيدتنا بعد ذلك الانسجام الظاهر فى أولها لنلتقى بسلسلة من الصدمات أغلبها ثلاثية ( 7 ) وهى صدمات قوية تدل على ان الاحساس لدى الشاعر قد بلغ أشده بعد ان كان معتدلا او فات فى بداية القصيدة ويتضح ذلك من قلة الصدمات الخفيفة الثنائية التى لا نجد منها الا صدمتين فحسب . وتلفت انتباهنا فى نهاية المقطع Strophe صدمة رباعية ( انظر الرسم البيانى ) وهى بمثابة الانفجار أو الدقة النهائية وهذه
الظاهرة نجدها بكثرة فى السمفونيات كسمفونية الافتتاح Overture لبيتهوفن فالموسيقى الشعرية تعبيرا صادقا عن الجو العام لهذا المقطع الذي هو جو غضب وعنف وثورة على هذه الارض :: « الجوع والغرباء والسوقة »
اما المقطع الاخير من القصيدة فيشتمل على 16 صدمة منها 14 صدمة ثنائية وصدمة واحدة ثلاثية وكذلك صدمة واحدة رباعية ( انظر الشكل البيانى بهذا المقطع ) . . . مما يدل على ان الشعور قد أصبح فى نهاية القصيدة معتد ثم فاترا بعد ان كان عنيفا فى المقطع الاول . فكأن شحنة الاحساس قد استوعبتها الابيات الاولى فلم يبق منها فى النهاية الا انفاس متقطعة محتضرة ولا أدل على ذلك من كثرة الصدمات الثنائية الخفيفة ( 14 ) وقلة الصدمات الثلاثية (1) والرباعية (1) وقد تلونت موسيقى هذا الجزء من القصيدة بمقاطع طويلة مغلقة ( عينيك - اليك - يديك - عليك - لبيك ) .
ولهذه الظاهرة الجديدة قيمة فنية كبيرة ذلك ان النغمة تنزل من جرائها نزولا نهائيا شبيها بالموت . فكانها تحتضر فى هذا المقطع الاخير وكأن الشعور يذوى فيه .
قصيد اتذكر لفضيلة الشابى :
يتركب المقطع الاول من هذه القصيدة من تسعة أبيات ويحتوى على 22 صدمة . منها 14 صدمة ثنائية و 6 صدمات ثلاثية وصدمة رباعية وأخرى خماسية .
اما المقطع الثاني فاننا نجد فيه 21 صدمة منها 13 صدمة ثنائية و 4 صدمات ثلاثية و 3 صدمات رباعية وصدمة واحدة خماسية .
وفى المقطع الاخير 8 صدمات ثنائية و 7 صدمات ثلاثية وهو يتميز عن بقية المقاطع السابقة بغياب الصدمات الرباعية والخماسية .
واعتماد على هذه الاحصائيات يتبين لنا ان عدد الصدمات القوية من ثلاثية ورباعية وخماية ضعيف جدا بالنسبة الى عدد الصدمات الثنائية . ومما لا شك فيه ان الشعور فى هذه القصيدة ليس شعور عنف او غضب كما هو السائد فى قصيدة " أرض الايام الآتية " للزناد . انما هو شعور هادىء متلائم مع موضوع القصيدة الذى يتمثل فى عودة الشاعرة إلى الماضى والاغفاء بين أحضانه فكاننا ازاء شخص جالس في مكان منعزل يلفه السكون يتذكر ماضيه .
غير ان الشعور يضطرب فى اخر المقطع فاذا بالشاعرة تفيق من أحلامها مذ عورة على « انفجار العالم » . فتكثر لذلك الصدمات القوية وخاصة منها الثلاثية (7) التى يكاد يكون عددها فى هذا المقطع الاخير مساويا لعدد الصدمات الثنائية (8) .
ولعل اهم ما نخرج به من هذه الملاحظات القليلة العاجلة عن القصيدتين اللتين حاولنا ان نحللهما فيما تقدم هو ان موسيقى « غير العمودى والحر» لا تخضع لمقاييس مضبوطة متحجرة بل هى تتبع من روح القصيدة ذاتها ونوع الاحساس الذي يحاول ان يصبه فيها الشاعر . وهى لذلك موسيقى حية تستمد حبوتها والوانها من كل تجربة شعرية وبهذا تكون لكل شاعر موسيقاه الخاصة به وتكون لكل قصيدة موسيقاها الخاصة بها ايضا وذلك حسب مزاج الشاعر والموضوع الذي يتناوله .
الحلقة القادمة : « بين غير العمودى والحر وموسيقى الجاز »

