كلما وقع نظر الشيخ أمين العاقل على خولة الصفدية وهى تدب متمهلة وسط الشارع الرئيسى أو فى أزقة الحى . بجسمها المكتنز ، تساءل بينه وبين نفسه كيف يتأتى لامرأة واحدة أن تجمع هذا القدر الهائل من الشحم واللحم ، ثم يغض من طرفه تعففا ويتابع سيره .
وكلما وصلت خولة الى دكان القصاب ((رفعت وازن )) لشراء حاجتها من اللحم ، يرتفع صوت رفعت وازن مرحبا ، ثم يضرب براحة يده فخذ البقرة المعلقة داخل دكانه ضربات متتالية وهو يقول :
- لحم يا لحم ، تبارك الخالق يا لحم !
وعندما يراها شرطى البلدية اسعد جبارة وهى تتاهب لاجتياز الشارع من رصيف الى رصيف ، ينفخ فى صفارته متظاهرا بايقاف السيارات من جهتى الشارع ، حتى دون أن يكون هناك سيارات .
وتواصل خولة سيرها البطئ غير عابئة بالتعليقات العابثة ، ولا بالنظرات الطافحة بالدهشة ، ولا بالحركات الساخرة لانها اعتادت على ذلك كله والفته وقد ترد أحيانا ببعض الاجوبة المرحة عندما تكون رائقة المزاج أو ببعض الشتائم الرادعة لتخرس الالسنة المتمادية وهى تهش تارة وتعبس أخرى وتضحك ثالثة ، ثم تسأل هذا عن صحة زوجه ، وتهنئ ذاك على نجاح ابنه فى المدرسة ، وتلوم آخر بسبب تقاعسه عن الزواج .
ويقسم الشيخ أمين العاقل اذا تناولها حديث المجتمعين أمام دكان أبو موسى ، بأن خولة كانت من أجمل صبايا البلدة وجها وارشقهن قواما وأعذبهن حديثا . وهى لا تزال تحتفظ ببعض الملامح الطفيفة من جمالها الذاهب على الرغم من اقترابها من سن الستين ومن هذه السمنة المفرطة التى ترهقها وتثقل حركاتها .
وبدأت حياتها تتغير تدريجيا منذ وفاة زوجها قبل عشر سنوات برصاصة طائشة أصابته اثناء احدى الحولات الانتخابية . وقد تزوج ابناؤها جميعهم باستثناء اصغرهم احمد لذلك تقضى وقتها بمساعدة جاراتها فى أعمالهن المنزلية او تتردد على زيارة بناتها المتزوجات ، مستعينة بما يرسله اليها ابنها البكر المهاجر فى افريقية من مساعدات مالية ، على قضاء حياة هادئة مستورة ، تشترى حوائج المنزل بنفسها وترعى شؤون ابنها احمد مطمئنة الى بقائه معها باعتباره الامل الوحيد الذى يضئ وحدتها ويؤنس وحشتها . وعندما التحق أحمد بصفوف الحركة الوطنية فى الجنوب لم تعترض خولة ، ارضاء له ، على الرغم من خوفها عليه وتعلقها الشديد به .
ومع اشتداد الاوضاع سوءا خلال الحرب الاهلية وتصاعد الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب اللبنانى ، اصبحت خولة قليلة الخروج من المنزل , وازداد قلقها على ابنها خاصة عندما يغيب عن المنزل ولكن دون ان تجرؤ على محادثته فتكتفى بالدعاء الحار ، والتضرع الى الله لازالة هذه الغمة وإعادة الامور الى سابق مسيرتها الهادئة المطمئنة .
ولكن الامور سارت على نحو مغاير لما كانت خولة تتمنناه ، فالاعتداءات الاسرائيلية تحولت الى هجوم شامل ثم الى احتلال مقيم ، وعندما بلغها نبأ القبض على ابنها واقتياده معصوب العينين الى فلسطين المحتلة اصيبت بالانهيار ، واستبد بها هلع قاتل ، تردد باستمرار المراثى الشعبية الحزينة و(( الندابيات )) الكربلائية الباكية ، ولم تغادر منزلها الا بعد ما علمت بأن ابنها ما زال حيا وبأنه نقل مع رفاقه الى معتقل (( أنصار )) على مقربة من البلدة , فحاولت مقابلته طوال الاسابيع الاولى من انشاء المعتقل ولكن بدون جدوى . وعندما سمحت سلطات الاحتلال بزيارة الاسرى ، لم تبال خولة وهى تحتضن ابنها من وراء الاسلاك الشائكة بالوخز الحاد الذى ادمى جسدها فى اكثر من موضع .
وأصبحت كلمة (( انصار )) صلاتها الوحيدة فى الليل وفى النهار ، تحمل (( حادى العيس )) شوقها ولهفتها وقلقها ، وتهيب بالازهار البرية ان تشد بعطرها عزيمة المعتقلين . وغدا خروجها الى سوق البلدة نادرا ، وتغير سلوك أهل السوق نحوها اذا ما رأوها ، فخولة لم تعد خولة ، كأنها استبدلت بامرأة أخرى . عندما يراها شرطى البلدية أسعد جبارة مقبلة يسرع اليها ليأخذ بذراعها ويساعدها على اجتياز الشارع وهو يسأل الله أن يزيل كربتها وكربة الجميع ، ويترك القصاب رفعت وازن زبائنه ليرحب بها ويقدم لها الكرسى الوحيد فى دكانه قبل ان يلبى طلبها ، ويصرخ بها عبود القاضى صاحب دكان البقالة الا تصعد الدرجات الثلاث نحو دكانه المرتفع قليلا عن الشارع ، ويقول لها بلهجة ودود :
- قولى ما حاجتك يا أم حسين .
ولدى عودتها الى المنزل ، وقبل ان تفتح الباب ، تنادى ابنة جيرانها سعاد ، فاذا كانت سعاد فى المنزل وردت على ندائها ، تبادرها خولة بسؤال وحيد لا يتغير :
- ماذا تقول الجرايد اليوم يا بنتى ؟
(( ماذا تقول الجرائد يا خالة ؟ لم يعد هناك جرائد تقول ، ولا اذاعات تثرثر ، القول عاد الى أصحابه الحقيقيين ، وهم وحدهم سيعيدون البسمة الى عيون اطفالنا ، والامل الى النفوس الظامئة . ليس ابنك وحده هو المعتقل يا خالة ، الوطن بأسره بين أنياب الغول ، فصبرا يا خالة ، أحمد اصبح يعد الآن بالمئات ، وقريبا سيعد بالالوف وعشرات الالوف ، انهم ينبتون كما ينبت الاقحوان البرى فى حقولنا وهضابنا دون عناية ولا رعاية ، لان الاقحوان البرى على موعد أبدى مع الربيع )) .
وبصوت مسموع اجابت سعاد على سؤال خولة :
- الفرج بات قريبا يا خالتى ام حسين ، توكلى على الله ولا تخافى . .
خولة متوكلة دائما على الله ، ولكن ابنها ورفاق ابنها ما زالوا من اشهر طويلة فى المعتقل الاسرائلى يعانون من حر الصيف ويرد الشتاء ويتحملون التعذيب والاذلال ، وبنادق العدو مصوبة الى صدورهم ، وهى أم . .
- ماذا تقول الجرايد اليوم يا حبيبتى ؟
(( ثلاثة قتلى من جنود العدو قرب بيروت ، وأربعة قتلى فى العباسية ، ودبابات وسيارات تنسف فى الجبل وفى صيدا ، وكمائن فى الزهرانى والنبطية . وراء كل حجر فى الجنوب مقاتل ، وفى كل منعطف كمين ، وفى نظرة كل يافع طلقة . . هذا ما تحاول الجرائد ان تقوله يا خالة ، ولكن الناس قلما يهتمون باقوال الجرائد ، بل اصبحوا ينصتون بشغف الى حديث البطولات ، ويتحملون بنشوة بطش العدو وانتقامه ، ويشاهدون الرعب الاسود فى عيون جنوده )) .
- لقد سمحوا للصليب الاحمر بزيارة الاسرى وتفقد احوالهم ، فاطمئنى يا أم حسين .
ما أطول الليل على خولة ، لا سبيل الى الاطمئنان أبدا ، تحاول الغفو فلا تستطيع ، وتنطلق الهواجس من راسها لتتحول الى اشباح تملأ بفحيحها جو الغرفة ، فتوقد النور وتبسمل ، وتستجير بالله وملائكته وانبيائه ، (( كيف ينام أحمد الآن ؟ )) . تلعن الشيطان وتطفئ النور ، وتحاول الغفو من جديد ، (( ولكن أحمد عنيد يابس الرأس ، وقد يحاول الهرب من المعتقل كما حاول غيره فتطلق عليه النار . . رحمتك يا رب )) , وتعود الى الجلوس فى فراشها وتوقد الضوء من جديد ، وتردد الادعية ، ولكن الهواجس السوداء تتكاثر , فتستسلم رغما عنها الى نشيج صامت . ويخيل اليها ان الباب يطرق , فترهف السمع ، ولكنها طرقات حقيقية ، فطارت أفكارها الى (( انصار )) , وانقبض صدرها ، فصرخت :
- مين ؟
- أنا يا خالتى أم حسين ، أنا سعاد ، افتحى الباب !
نسيت خولة سمنتها المفرطة واستعانت بيديها ورجليها على النهوض ، وعندما دخلت سعاد واغلقت الباب وراءها كانت تحمل كيسا من القماش يحتوى على شىء يبدو ثقيلا فسألتها خولة مرعوبة :
- عسى أن يكون الامر خيرا !
- لا شئ سوى الخير ، اقعدى وارتاحى .
فجلست خولة على كتبة قديمة وهى تقول:
- من أين الراحة يا بنتى ، لقد خفت كثيرا عندما سمعت الطرق على الباب فى هذا الوقت ، ولكن الحمد لله على مجيئك لانى كدت أن اجن وحدى .
- سامحينى لانى أزعجتك ، الامر مهم وضرورى يا أم حسين .
- قولى يا حبيبتى قولى ، هل حدث شئ فى انصار ؟
- لا أبدا . . أريد منك فقط أن تنقلى هذا الكيس غدا صباحا الى دكان
عبود القاضى .
- بعيونى يا بنتى بعيونى ، بكرة من أول الصبح يكون الكيس عند أبو على .
- هل تعرفين ماذا يحتوى ؟
- لا يهمنى معرفة ذلك ، المهم أن يصل الى دكان أبو على القاضى . .
وابتسمت خولة فتقدمت سعاد منها تعانقها وهى دامعة العينين ، ثم رفعت رأسها وقالت لها :
- لدى خبر آخر يا خالتى ام حسين . .
حدقت خوله في وجهها مستوضحة ، فمدت سعاد يدها اليمنى تريها خاتم الخطبة ، فتهلل وجه خوله وقالت :
- الى رفعت وازن بدون شك ؟
- بدون شك ، ان شاء الله تخطبين عن قريب لاحمد .
- الله يسمع منك يا بنتى ، مبروكة خطبتك ، رفعت وازن شاب طيب وابن عائلة كريمة ، تعالى لاقبلك تعالى . . وتعانقتا طويلا ، فلم تستطع خوله حبس دموعها ، فانسحبت سعاد من بين ذراعيها وهى تقول :
- يجب ان اذهب يا خالتى لان الفجر بات قريبا . . هل يجب ان اوصيك ثانية بالامانة يا ام حسين ؟
- طمن بالك يا حبيبتى ، الامانة ستصل غدا صباحا ولو كان هناك خمسون دبابة فى الشارع . . انا خولة الصفدية يا سعاد !
ابتسمت سعاد وشكرت خولة وانصرفت مودعة .
لم تستطع خولة نوما ، وبعد ان صلت الفجر والصبح ارتدت ثيابها وحملت الكيس وغادرت المنزل بخطواتها البطيئة ، وأمام الدرجات الثلاث الموصله الى دكان عبود القاضى وقفت لاهثة ، فوجدت عبود القاضى مشغولا مع شابين يرتديان زيا عسكريا تعرف هوية لابسيه جيدا ، فأسقط فى يدها وخافت على عمود القاضى اكثر من خوفها على نفسها . فكرت باستئناف سيرها البطئ قيل أن ينتبه الشابان او احدهما اليها . ولكن أين تذهب بالكيس ؟ وماذا ستقول لسعاد ؟ وماذا سيقول أحمد اذا عرف بأن أمه كانت السبب فى فشل امر هام ؟ وفجأة صاحت :
- صباح الخير يا أبو على . - صباح النور يا أم حسين ، تفضلى . . ما هى حاجتك اليوم ؟ كيلو صابون أخضر وخمس علب سردين بزيت أصلى .
- بأمرك يا أم حسين . - هل تصالحت مع زوجتك وعدت بها من بيت أهلها ؟ - لا والله يا ست أم حسين ، ولا أدرى ماذا أفعل بها ؟ - لا تدرى ماذا تفعل بها ؟ أهذا كلام رجال يا أبو على ؟
اذهب اليها وقبل يدها وأعدها الى المنزل باسرع وقت ، فاطمة جوهرة تساوى خمسين رجلا مثلك يا غشيم . .
وقبل ان يجيب عبود القاضى على ((تأنيب )) خولة ، التفت اليها أحد الشابين وهو يغادر الدكان مع صاحبه ، وقال لها مبتسما :
- (( اللى عند أهلو على مهلو )) يا أم حسين .
لقد عرفته خولة ، انه محمود ابن الحاج عبد الله الشامى ، لقد تخلى اللعين عن سربه والتحق بجماعة العدو . ثم صعدت الدرجات الثلاث متمهلة ووضعت الكيس فى احدى زوايا الدكان دون ان تنبس بكلمة ، ولكن دقات قلبها كانت مسموعة عبر طبقات الشحم واللحم . وغادرت الدكان متوجهة الى السوق الداخلية دون أن تنتبه الى ان اسعد جبارة يقف على مسافة بضعة عشر مترا يراقب تحركاتها . وعندما اطمأن الى سير الامور على نحو مرض غادر مكانه وهو يطلق صوت صفارته لان سيارة توقفت على جانب الشارع الرئيسى امام
فرن الحاح حسن ، وبعد اقلاع السيارة أطلق أسعد جبارة صوت صفارته ثانية دون سب ظاهر يستوجب ذلك ، ولكن ماجد طبال صاحب دكان (( النوقوتية )) غادر دكانه برفقة رجل يرتدى الزى القروى الجنوبى ، وتوقف عزيز الفهد عن اللعب بالنرد فوق رصيف مقهى ((أبو هاشم )) وأسرع معلم المدرسية أحمد رضوان الى سيارته الواقفة أمام مقر البلدية وابتعد بها شرقا , وارتفع صوت على النمرى ، بائع الخضار ، بنغمة معينة :
- ولت ايامك يا فجل . . الكيلو بليرة يا فجل .
وبعد أن كرر نداءه ثانية خرج من فرن الحاج حسن شابان وهما يتبادلان الشتائم بصوت مرتفع ثم التحما وسط الشارع فى عراك شرس لفت جميع انظار من فى الشارع نحوهما .
فى هذه الاثناء كانت خولة قد وصلت الى دكان رفعت وازن واستقرت فوق الكرسى الوحيد داخل الدكان وهى تمسح العرق عن وجهها بطرف غطاء رأسها الابيض ، ورفعت وازن منصرف الى زبائنه وهو لا ينفك ينظر الى ساعته بين لحظة وأخرى ، ثم قال لخولة دون ان ينظر اليها :
- أهلا وسهلا بأم حسين ، خمس دقائق فقط واكون بتصرفك .
- تكون بتصرفى يا (( ديوس )) ؟ كيف تخطب سعاد دون ان تخبرنى ؟ هل اصبحت خولة آخر من يعلم فى الحى ؟
- الخطبة لا قيمة لها يا أم حسين . . المهم العرس . . العرس يا أم حسين . . العرس . .
ثم بصوت مرتفع كأنه موجه الى جميع من فى السوق :
- . . . المهم العرس يا شباب . . عرس الجنوب يا شباب . . عرس الوطن يا . . . لحم ، اليوم (( أوكازيون )) يا لحم ، الكيلو بعشر ليرات يا لحم . .
. . يا تينة بالدار ناطورك أسد . . ))
ولم يكمل رفعت وازن مواله لان الانفجار دوى كانفلاق الرعد ، فمسحت خولة بطرف منديلها الابيض دمعة ساخنة تدبحرجت فوق خدها وهى تتحررق للعودة الى المنزل لتعانق سعاد وتسألها عن أخبار الجرائد .

