الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

موشح اندلسى، " على نغمة الفلامينكو "

Share

اشتد الرقص وماد المقهى الصغير بمن فيه . وتأمل ما حوله . مقهاه صغير كالتحفة ، حشائشه تتسلق الجدران فتكسوها . كل البنايات مسدلة الشعور خصلات خضراء تتهدل هامسة أغنية الخصب والرواء مقاعده قليلة مبثوثة فى الاركان المعتمة إلا من أشعة خافتة اندست بين النباتات المغفية الحالمة . . وتصاعدت فى فناء المجلس الصغير دقات كعاب أقدام الراقصة لولبية الحركة حادة لينة ، شديدة مترفقة ، مهتزة منسابة تملأ الفضاء وتلهب الأعين والأكف فى تخمر مجنون . . . ولهث بصعوبة الفلامينكو العربيد طرقات الكعاب فى رأسه ، تغوص فى وجدانه ، تنغرس طعنات يستعذبها . . .

وتخيل وقعها السريع دماءه سيالة متوهجة . . . وبلغته هتافات الاعجاب تراتيل تصاحب الحياة المحتضرة فى رقصة الطائر الذبيح يتهادى ويترنح . واستخفه الطرب وود لو حلق بعيدا ، لو تبين فى الفضاء دروبا يتسلقها نحو اللامحدود . وتحرك فى مكانه . . وخيل اليه أنه يسير . . . وأسلم أمره . سار . . . وانسابت حواليه الانغام . . سار تتلقفه الازقة الملتوية فى قرطبة العتيقة . لم يكن يلوى على شئ . يلفه الظلام وتغيبه المنعطفات الحلزونية . ما خشى الضياع فقرطبة العتيقة يحتضنها السور رفق صبا وعلامه تهدى . وطال سيره . كل الازقة منتشية جذلى انبثت فيها المقاهى الصغيرة وعمرها الفلامينكو " اللاهث نفس الشكل يعاود ناظر به . كل المنازل حبات عقد واحد . كل منزل تحفة . . . فناؤه صحو من السقف ووسطه يتضوع نافورة تصغر وتكبر وحيطانه صفحات فسيفساء مشعة وكله باقه عشب وزهر . . وتنهد . وواصل السير تلفه أزقة كالعقد تبتلع الصحو والضوع والفسيفساء والزهر . أزقة يحثم عليها الظلام ويدغدغها الفلامينكو . . ولهث . . . ولم يتبين فى نفسه مقصده . . ولكنه سار

فالسور علامة تهدئ . . ورنت فى أعماقه اصداء الموسيقى صاخبة مطاردة . . وعاد يريح جسمه المسافر فى ذكريات لا تنتهى فتغفو منه النظرات على الراقصة ٠٠

- " سيدى ، أنحجز لك الليلة مكانا فى السهرة الراقصة ة٠٠٠ " وأوما بالايجاب أيزور قرطبة ولا يشهد رقصة الفلامينكو . . كانت عينا الحسناء المواجهة له فى الطاولة المقابلة تتوهجان . . . وساد الظلام الطريق أمامه

وضاقت الازقة ولم يعد يرى سوى العينين الواسعتين يرقص الحور فيهما على نغمات الفلامينكو . كانت وحدها . وأحس بوحدته وهو يشق المجهول . . . ألم يدعها أحد للرقص ! وقوى ظلام الزقاق . . وفتح عينيه بغتة ، شاهدها تنهض للحلبة . وتابعها ثوبا فاحما طويلا وجسما بضا ناعما متموجا وتسمرت عيناه تعبدا ورواء السحر يملأ عليه أعطافه . وتهادى يسير فى اعياء المترنح . . . وضاق صدره والظلام لا يتبدد . . انها تبتسم . . وعبق الجو شعاعا يفتر عنه فم الفضاء المثخن أصداء وتوقيعات ترتج . ونهض اليها . كانت تبتسم . وجلس بجوارها . . واهتز . كاد يصطدم بحجارة السور وتبخر الزقاق الطويل وتوقف باحثا . . لم ينطق أفحمه حضورها قربه . صمتا الا من النظرات يشربانها فى امعان . وتلبد المقهى ودخانا ورقصا . . .

- " هل أعجبتك قرطبة ؟ " وارتسمت فى نهاية الزقاق فجوة منفرجة وأطل وتنهد منه الصدر . . وسار بلهفة . ووقف كالمطعون . وانغرس فى ناظريه صورة الصومعة يخلع فيها الصليب رنة الاذان . وسار من جديد بين سوارى الجامع المطرق . . . وجاشت نفسه . وجثا على الارض قرب المحراب تمثال العذراء وابتلع الصورة . . واستند الى الارض مرة أخرى

- " أراك شاردا " . لم ينظر اليها . هدهده صوتها المنغم . . . وأغمض جفنية تخدره نسمات أناملها المربتة فى سحر خبير على ظهر يده ملقاة فى استرخاء على وجه المنضدة . ولامسته شعرات متطايرة غنجا لعوبا فنفحه عبير مضواع وسرى اليه من رفيقته الزاحفة عليه قربا وئيدا دفء لذيذ . وازداد فى مقعده

استرخاء . المئذنة والصليب ، المحراب والعذراء . . ونهض وعاد يسير واعجبه العشب فى زاوية قصة من الفناء الخارجى يحيط بالجامع الميهب فجلس . . جمد فى مكانه يستملى سماء لا يحجبها ظلام او بناء . وطال جلوسه . وانتفض فجأة اذ رن امامه على الارض بريق . كانت قطعة نقود . ورفع حاجبيه دهشة . وابصر ظهرا يولى وادرك ان يدا حانية خالته بائسا متشردا . وتأمل قطعة النقود . وغامت عيناه . وتذكر الصليب يعلو الجامع ورنت قطعة النقود . . صدقة الصليب المسافر يصلى فى المحراب وضحك كالباكى

- " أأثارت قرطبة شجونك ؟ " وفتح عينيه المتفوحتين - " أترقص ؟ " واحتضنتهما الحلبة المزدحمة - " أمهموم ؟ " ولم ينبس . . وابتسمت حانية . . - " أراك تضغط على كثيرا . . . أهذه احضانك ؟ " وابتسم بمرارة وهو يجيب : - " تماما كما يحتضن الصليب المئذنة . . وتظاهرت بانها لم تفهم . . . . لم تعلق - " أتدرى اننا نشتم رائحتكم من ازقة قرطبة العتيقة وتذكر الازقة المظلمة الطويلة تفوح منها رائحة الفلامينكو اللاهث تحت دفع الاقدام المجنونة . . وألصق وجهه بشعرها الفاحم المنسدل وهمس - " أأصبحنا عندكم رائحة ؟ " وتمايلت عليه .

- " وأنا ؟ كيف ترانى ؟ " وارسل نظره فى الراقصين ، فألفاهم ينسابون وأحس انه يفتقد شيئا . وعادت قرقعة لطيفة لكعاب مجنحة تدق الارض وتحيلها سماء . . وعانقت اذنيه لمسات الفلامينكو يصدح مع الراقصة تملأ الحلبة وتطغى . . وأدرك ما . كان يبحث عنه .

- " أنت . أنت عطر " لوحت برأسها فى دلال وأنوثة - " هكذا انتم دوما . عبيد المجاز وتجار زخارف الالفاظ " واندهش مستفسرا .

- " أدرست لغتنا ! " واستندت الى صدره مسرة - " أزقتكم تنطق . . رائحتها أوضح من اللغة . . وتمتم فى حسرة - " أزقتنا . . . قرطبة العتيقة . . بل قول ازقتكم وصمت قليلا ليواصل فى ألم حالم

- " لقد سرت فيها طويلا . . مشيت حتى لفنى الظلام فلم أعد أستبين الطريق . . وصدمنى السور فأفقت . . سرت باحثا فضعت ، لم أتوقف والظلام يعمينى والفلامينكو يطاردنى وبحثت ولم يستوقفنى ما أنشده لانه ما كان موجودا . . سرت طويلا ثم وصلت . . ووجدت المئذنة صليبا وبكيت صلاة على العشب فى الفناء فنزلت على رحمتكم صدقة . . منة كبرى . . " وتأملته شفتين مرتعشتين وصوتا متهدجا وعينين حالمتين وهمست مازحة :

- " اتعبك السير فيما ارى . . ولكنك لم تبرح مكانك . . " ورد بترييث مدروس - " لو عرفت معنى السفر بعيدا . . وصمت وبان عليها الجد وهى تقول : - " معذرة . . منذ أبصرتك وحدك ادركت ما بك . عرفت انك تحلم بعينين مفتوحتين . . " وقاطعها منتشيا .

- " حلم قديم . . كقرطبة العتيقة . " ثم التفت اليها وغمز ممازحا كالجاد - " حلم عاودنى وأنا أنام فى حور عينيك واتلفع بسواد الليل فى خصلاتك . . " واهتزت .

- " أوه أووه . . . انت شاعر ولما لم يجب واصلت ممططة الحديث - " لماذا تحبون تشبيه المرأة بالطبيعة . . " وبلا وعى أجاب : - " لانها الطبيعة وشعرت بالرغبة فى معاكسته - " ولكنكم احيانا تسفون

ورفع عينيه دهشا . واتمت كلامها مندفعة - " يحيرنى مثلا انكم تشبهون المرأة بالقمر . . . " وتذكر الازقة الملتوية المظلمة . . . يطارده القلق ويقتفى خطاه الفلامينكو اللاهث . . . وعدم القمر وقتها . .

- " والغرابة ؛ - " القمر مذكر والمنطق يرى المرأة شمسا . . وهز رأسه . - " لا منطق فى حديث الروح . والتفتت اليه متحدية - " لو شئت أن أصفك وضحك ساخرا . - " شبهنى بالقمر . . ولست قمرا . " ومالت عليه فى اثارة - " وتشبهنى بالشمس ؟ " وتنسمها عبيرا يتضوع وهمس - " وأنت شمس . " وسرحت ببصرها بعيدا كمن شغله خاطر هام مفاجئ ثم انفجرت مزهوة .

- " وقتها يعشق القمر الشمس وضحكا . . واغفى بعينه فى شعرها المنسدل ، وتخيلها أشعة نورانية حانية وبزغ فى أعماقه حلم قديم وأتاه صوتها مخدرا مداعبا . - " أعدت تسافر . لماذا لا تستريح . . أراك رجعت شاردا . . " ورد بلا وعى ووقع أقدام الراقصة يحيل الدنيا نغما راقصا ودنيا متموجة .

- " من ذاق السفر عاش سندبادا . . " ورمت ذراعيها حوله . . - " وهذه السفرة . " وهمس حالما . - " هى رحلة موشح طويل فى أزقة قرطبة العتيقة ، موشح توقعه أنامل الفلامينكو لاهثا تحت أقدامك راقصة افعوانية . . . "

اشترك في نشرتنا البريدية