الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

مولد الميزان فى الشعر العربي

Share

لقد اتضح لى أثناء إقامتي بباريس أن الباحثين والدارسين والنقاد ، إزاء ظاهرة الشعر الحديث ، باتوا مورطين فى الحيرة معترضين للشبهة ، لا يعرفون كيف يعالجونه لاستجلاء موازينه . فالسلاح الوحيد الذى يملكونه لمعالجته به هو التفاعيل الخليلية والملاحظة البصرية . وهي وسائل قاصرة عن بلوغ الغاية فى هذا المجال لأن الموازين والايقاعات داخلة فى حيز الاصوات والمسموعات لا تدركها ولا يهيمن عليها إلا من تسلح لها بما يبغى من الحساسية والملاحظة السمعية والخبرة الفنية والمعرفة النظرية والتطبيقية بأمور الشعر والموسيقى لاستغلالها فى معرفة موازين الشعر قديمه وحديثه

والتفاعيل الخليلية عاجزة عن تصوير الايقاعات القديمة فكيف لها بأن تقدر على تصوير الموازين الحديثة مع اختلاف القوانين وتطور الاساليب ؟ فاذا عرض لهم بيتان كهذين اللذين نستخرجهما من قصيدة " شجرة الحنايا " من كتاب التحولات لأدونيس

" فى حقول الكآبة فى العشب أحفر ابارى اللولبية " " كاسرا صفحة المرايا " عالجوهما بالملاحظة البصرية والتفاعيل العروضية

فاسفر التقطيع عن نتائج محيرة ؛ إذ يجدون فيهما أربع تفعيلات ليس من شأنها أن تجتمع فى قصيد واحد . وهى ( فعلن ) و ( وفاعلن ) و ( فاعلاتن ) و ( فعولن) . فيفضى الامر بهم الى الحكم على هذا الشعر بأنه مخلوط فى وزنه اذ لا يخضع فى تأليفه الى قوانين علم العروض . ويرتكبون بذلك خطأ فاحشا لأن هذا الشعر إن خلا من وحدة تفعيلية فانه لا يخلو من وحدة إيقاعية والشعراء عند قرض الشعر ملتزمون بالايقاعات والموازين هى التى يعرفونها ويحتكون بها ويطلبون ما عندها من طاقات التعبير والتأثير لا بالتفاعل التى هى اشبه شئ بالقوالب النحوية والصيغ الصرفية وبعيدة كل البعد عن واقع الايقاع والميزان

ولئن كان لى من هدف من تأليف هذا الفصل فهو دعوة الطالبين والمختصين الى نبذ الوسائل الفاشلة والطرق البائدة وطلب الحقيقة بالوسائل الكفيلة ببلوغها . وأنا لا ادعى أنى فى هذا الفصل أحل قضية الشعر الحديث ، وليس بين يدى منه إلا ثلة قليلة من القصائد . فأى حكم أصدره فيه هو خاص بقصيدتين وقعتا بين يدى من شعر ادونيس . حتى إذا توفرت لدى المادة الضرورية للبحث ، أصدرت حكمي النهائى فى الشعر الحديث كالذى صنعته عندما تناولت إيقاع الشعر العربي القديم

إن من يختبر الموسيقى العربية ما هو قديم منها وهو الموشحات الشرقية بصفة خاصة وما هو حديث وهو الاغاني المعاصرة خاصة يلاحظ بينهما اختلافا كبيرا فى طريقة نظم الاصوات وتعمير الاوقات . فأما القديم فيلتزم الملحن فيه بمبدأ إيقاع وأما الحديث فيلتزم فيه بمبدإ الميزان

1 - الموسيقى التقليدية والشعر القديم والايقاع :

1 ) الموسيقى القديمة والايقاع . ومنها هذان النموذجان أ - الاقصاق : وترقيمه :

ومنه توشيح " ما احتيالي " من وصلة فى نغمة الحجاز              ما احتيالي يا رفاقى فى غزال

                    علم الغصن التثنى حين مال " وتوزع الكلمات على الايقاع كالآتي

ب - النوخت : وترقيمه

ومنه توشيح " عاطني بكر الدنان " من وصلة فى نغمة البياتى .

عاطني بكر الدنان     واسقنيها يا نديم

بين ندمان حسان      فى دجى الليل البهيم

وتوزع الكلمات على الايقاع كالآتي :

ونلاحظ أن الموشحين مؤلفان فى موسيقاهما طبق إيقاعين : - أولهما : الاقصاق . وقيمته الجملية تسعة عناصر لا تفريط فيها ويتألف من قيم جزئية : خفيفين مقصورين وثقيلين ممدودين وخفيف مقصور وثقيل ممدود ؛ لها نسب ثابتة وكميات من الوزن والوقت لازمة ونظام قار لا تفويت فيه فى جميع الدورات من أول الموشح الى آخرة

- والثانى : النوخت وقيمته الجملية سبعة عناصر لا تفريط فيها ويتألف من قيم جزئية : ثقيل ممدود وخفيف مقصور وثقيل ممدود وخفيف مقصورين ؛ لها نسب ثابتة وكميات من الوزن والوقت لازمة ونظام قار لا تفويت فيه فى جميع الدورات من أول الموشح الى آخره

فللايقاعين جميعا كميات جميلة وقيم نسبية جزئية وكيفات نظام لا تسامح فيها ومعاودة دورية . نستنتج من ذلك أن الايقاع هو الحركة فى نطاق الكمية الكيفية والمعاودة الدورية . ذلك الايقاع فى الموسيقى الشرقية الكلاسيكية

2 ) الشعر القديم والايقاع : وإذا نحن اعتبرنا نظم الشعر العربى القديم وجدناه قائما فى تأليفه على نفس المبدأ مبدأ الايقاع . ومنه هذان النموذجان أ - المقتضب : وترقيمه

ومنه هذه الأبيات

يا مليحة الدعج               هل لديك من فرج

أم أراك قاتلتى                بالدلال والغنج

عاذلى حسبكما              قد غرقت فى لجج

هل على ويحكما            إن عشقت من حرج

ويوزع فيه الكلام على الايقاع كالآتي

ب الكامل وترقيمه

وهو كالذى فى هذا البيت لعنترة :

ولقد شربت من المدامة بعد ما              ركد الهواجر بالمشوف المعلم

ويوزع الكلام فيه على الايقاع كالآتي :

واذا نحن لاحظنا ذينك النموذجين وجدنا فى تأليفهما كل الخصائص التى تكون للايقاع المستعمل فى الموسيقى العربية الكلاسيكية من قيم جملة ونسب جزئية من الوزن والوقت ونظام ثابت لا يتغير الا قليلا ومعاودة دورية فهما قائمان في تأليفهما على مبدأ الايقاع بالضبط كالذى تقوم عليه تلك الموسيقى . فيلتزم الشاعر والملحن فيهما بمبدا النظام لا يحيدان عنه ولا يفرطان فيه . فالايقاع فيهما متميز بالصبغة الكيفية . وهما من الفن الايقاعى الأصيل

ولقد ارسى الشعر على تلك القاعدة منذ أقدم عصور الجاهلية . وظل الشعر الفصيح على ذلك حتى الآن . ولكن الموسيقيين المحدثين ، رغبة منهم في التحرر من قيود الايقاع وطلبا للسهولة رأوا أن يهجروا الايقاع بصفة نهائيا ولم يلبث فريق من الشعراء المعاصرين أن اقتفوا آثارهم فى ذلك . فاثروا معالجة الشعر بالميزان بدلا من الايقاع

2 - الموسيقى العصرية والشعر الحديث والميزان :

والميزان فى عرف الموسيقيين هو الاستخفاف بكيفات الحركة والالتزام بكميات الوقت . ومعنى ذلك أن الميزان ، إذا كان ذا أربعة عناصر ، فان الملحن يكون حرا فى توزيع الحركة فيه بشرط أن يكون أول العناصر أو آخرها ثقيلا . وأما الثلاثة الباقية فيمكنه أن يعالجها بما يريد مدا وقصرا وسكوتا ونطقا

فاذا اعتبرنا ايقاع الخبب مثلا نرقمه كالآتي

ومعنى ذلك أن تلك القيم الحركية ثابتة فى كمياتها وكيفياتها تتكرر فى جميع الدورات .

واذا اعتبرنا ميزان أربعة مثلا فاننا لا نستطيع ترقيمه ولا نستطيع أن نزيد فيه على أن نشير الى عدد الاوقات وهو ربعة مشالات . فنرسم : 8 /4 فقط . ومعنى ذلك أن الحركة فى صلب الميزان حرة لا يتقيد فيها الملحن الا بعدد الاوقات وبتثقيل العنصر الاول ( عند الغربيين غالبا . ) أو العنصر الاخير ( عند الشرقيين غالبا) . وحتى هذا زبما تسامحوا فيه عند معاكسة الوقت فيمكن أن تتوالى الدورات فيه هكذا مثلا :

وغير ذلك هذا الميزان في الموسيقى ولا أعرف متى كان ظهوره فيها

وأما الشعر فقد ظهر فيه الميزان منه عقود قليلة . وهو ما سنحاول اثباته بالاعتماد على هاتين القصيدتين لأدونيس . وهما " شجرة الحنايا " صفحة 17 و " أيام الصقر " صفحة 27 من كتاب التحولات وهما من ميزان الخبب خلافا لايقاع الخبب التقليدى

1 ) شجرة الحنايا :

فى حقول الكآبة فى العشب أحفر ابارى اللولبية

كاسرا صفحة المرايا

بين شمس الظهيرة والماء فى البركة الآدمية .

سنواتي تهاجر كالجوع تنهار فى غاية الحنايا

سنوات

رأيت مناقيرها تتشابك

تنهار في غابة الحنايا

بين أعشاشها الأبدية

وهذا تقطيعها وترققيمها وتوزيع أوقات الميزان فيها :

2 ) ايام الصقر :

هدأت فوق وجهى بين الفريسة والفارس الرماح

جسدى يتدحرج والموت حوذيه والرياح

جثث تتدلى ومرثيه

وكأن النهار

حجر يثقف الحياه

وكأن النهار

عربات من الدمع

      غير رنينك يا صوت

      أسمع صوت الفرات

وهذا تقطيعها وترققيمها وتوزيع أوقات الميزان فيها :

واذا أنا تحسست هاتين القصيدتين بسمعى وجدت لهما ميزانا هو ميزان الخبب . وتظهر فيه الدورة على خمس صور أجدها فى القصيدين كليهما :

1 ) الصورة الاولى : وهي الاصل

وأجدها فى الدورات : ( 3-5-14-19-21-26-28-30-31 - 37 ) من قصيدة " شجرة الحنايا " وفى الدورات : ( 1-3-5-8-9-10 - 32-30-26-24-21-19-16-15 ) من قصيدة " أيام الصقر " . وأجدها بنسبة 24 من 71 دورة فى القصيدتين

واذا أنا تدبرت هذه الصورة وجدتها تجسم ايقاعا قديما ذا أربعة عناصر هو ايقاع الخبب المؤلف من منطقة خفة تشتمل على خفيفين مقصورين  ومنطقة ثقل تشتمل على ثقيل ممدود نحو : ( هدأت ) وهي خلافا لما ينص عليه علم العروض هي أصل الايقاع لانها هى ما يستغرق كل عنصر منه وحدة قيمة زمنية واحدة سواء كان خفيفا أو ثقيلا أو ساكنا . ويمكن ان نجسمها بقولنا ( فعلن )

2 ) الصورة الثانية : ويعتريها تسهيل الاهتضام

وأجدها فى الدورات : ( 1-2-4-6-7-9-12-13-15-16 - 17-20-22-27-23-27-29-32-3٥ -35) من قصيدة " شجرة الحنايا " وفى الدورات : ( 2-4-11-12-13-17-18-20-25 33-31-29-31-33 ) من قصيدة " أيام الصقر " . وأجدها بنسبة 33 من 71 دورة فى القصيدتين

واذا أنا تدبرت هذه الصورة وجدتها تجسم دورة من الخبب تساويه فى كمياته وكيفياته ولا تخالفه الا مخالفة جزئية ؛ وتتألف من منطقة خفة تشتمل على خفيفين : هاضم ومهضوم . ومنطقة ثقل تشتمل على ثقيل ممدود نحو ( فى حق ) . وهي صورة معالجة بتسهيل ( أى

زحاف ) الاهتضام . وهو مبدأ تسهيل قديم اقره القدماء . ويقوم على مد الخفيف المقصور الاول على حساب جاره الخفيف المقصور الثاني باهتضامه والاستئثار بنصف مدته ليتسع لمقطع ممدود

والنقطة تزيد العنصر الموالى لها نصف قيمته . وذات الشيلتين تساوى نصف ذات الشيلة ، فتسلم بذلك الكميات . وهي ما أخطأ فى شأنه الخليل عندما جعلها أصل الايقاع . وقد شرحنا علة ذلك منذ قليل ويمكنني أن أسمى هذه الصورة : ( فاعلن )

3 ) الصورة الثالثة : ويعتريها تسهيل المعاوضة

وأجدها فى الدورات : ( 11-25-34 ) من قصيدة " شجرة الحنايا " وفى الدورة السابعة من قصيدة " أيام الصقر " وأحدها بنسبة 4 من 71 دورة في القصيدتين

واذا أنا تدبرت هذه الصورة وجدتها تجسم دورة من الخبب تساويه في كمياته وكيفياته ولا تخالفه الا مخالفة جزئية وتتألف من منطقة خفة تشتمل على خفيف ممدود ومنطقة ثقل تشتمل على ثقيل ممدود نحو : ( رايا ) . وهي صورة معالجة بتسهيل المعاوضة . وهو مبدأ تسهيل قديم أقره القدماء ويقوم على إسكات الخفيف المقصور الثاني وإضافة مدته الى الخفيف المقصور الاول ليمتد به ويتسع على حسابه لمقطع ممدود ؛ وتسلم بذلك الكميات .

ويمكن ان نسمى هذه الصورة ( فعلن )

4 ) الصورة الرابعة . ويعتريها تلوين الاسكات

وأجدها فى الدورات ( 8-18-38 ) من قصيدة " شجرة الحنايا " وفى الدورتين ( 14-23 ) من قصيدة " أيام الصقر " . وأجدها بنسبة 5 من 71 دورة فى القصيدتين

واذا أنا تدبرت هذه الصورة وجدتها تجسم دورة من الخبب تساويه فى كمياته وكيفياته ولا تخالفه الا مخالفة جزئية ويتألف من منطقة خفة تشتمل على خفيف ممدود عملا بمبدأ المعاوضة ومنطقة ثقل ساكتة عملا بمبدأ الاسكات نحو : (يه آس) . وهى صورة معالجة بتسهيل المعاوضة فى منطقة الخفة وبمبدإسكات في منطقة الثقل فى صيغة يسميها أرباب الموسيقى معاكسة الوقت . وهو ايضا مبدأ قديم أقره القدماء فى فنهم وعجز عن إدراكه علم العروض

ونسمى هذه الصورة ( فع آس ) 5 ) الصورة الخامسة : ويعتريها التوليد

وأجدها فى الدورات : ( 10-24-33 ) من قصيدة " شجرة الحنايا " وفى الدورتين ( 6-22 ) من قصيدة " أيام الصقر " وأجدها بنسبة 5 من 71 دورة فى القصيدتين

واذا أنا تدبرت هذه الصورة وجدتها تجسم دورة من الخبب تساويه فى كمياته وكيفياته ولا تخالفه الا مخالفة جزئية . وتتألف من منطقة خفة تشتمل على خفيفين هاضم ومهضوم  ومنطقة ثقل تشتمل على ثقيل ممدود مقتطع منه خفيف مهضوم عملا بمبدأ التوليد . نحو ( صفحة 61 )

ونسمى هذه الصيغة ( فاعلات )

هذه الصور الخمس كلها متواجده فى كل واحد من القصيدين . وتواجدها فيهما أمر مقبول معقول لا يتضارب والفن ولا يتناقض ومبادئ الميزان وحتى الايقاع . والدليل على ذلك هو أنها لم تعالج إلا بما كان القدماء قد أقروه من . المبادىء فى معالجة الايقاع : وهي الاهتضام والمعاوضة والاسكات والتوليد وهى كلها مبادئ قديمة ، وهذا الفصل لا يتسع لشرح ذلك .

فاذا اتفقنا على ذلك لم يوجد فى هذا الشعر اى تجديد فى المبادئ . ومع ذلك فهنالك اختلاف عما ألفناه عند القدماء . فما هو ؟ هو اختلاف فى التصرف والاستعمال ليس الا . ويتمثل هذا الاختلاف في أن القدماء آثروا ،فى الاستعمال شيئا وآثر المعاصرون شيئا آخر

1) القدماء وإيقاع الخبب : وأما القدماء فانهم اثروا الا يسلطوا على الخبب الاصلى الا تسهيلا واحدا

أ - إما الاهتضام

ب - وإما المعاوضة

من غير أن يجمعوا بينهما فى القصيد الواحد . وآثروا ان يتقيدوا بذلك تحديا للصعوبة وحرصا على مبدأ الايقاع وسلامة كيفياته . لان الايقاع يتميز بصبغته الكيفية

2 ( المعاصرون وميزان الخبب : واما المعاصرون فانهم رأوا ان يتحرروا فى استعمال الخبب بتسليط كل جادىء المقرة للتسهيل عليه : الاهتضام والمعاوضة والاسكات والتوليد

مجتمعة كلها فى القصيد الواحد . وقد اثروا أن يتمتعوا بهذه الحرية طلبا للسهولة وتهاونا بيكفيات الايقاع واعظاما لكمياته ٥ فجاء شعرهم أشبه شئ بالميزان لان الميزان هو المتميز بصبغته الكمية . ( قارن بين هذا وبين الايقاع والميزان فى عرف الموسيقيين

واذا أنا لاحظت صورتى المعاوضة والاسكات وموقعهما ونسبة استعمالها وحدت أنهما لا تقعان الا فى الضرب . وهو تصرف نجد نظيره عند القدماء لان الضرب يحتمل حتى عندهم ما لا يحتمل الحشو من ضروب التلوين وأما صورة التوليد فلم تقل نسبة استعمالها الا لانها تعتبر تصرفا جديدا بعد ان ضاعت قرونا عديدة . فهى تشق الطريق لنفسها فى تؤدة كي تؤلف فى الاستعمال

ونستنتج من هذه الدراسة أن المقاطع فى الشعر العربى قديمة وحديثه غير منحصرة فى صنفين الممدود والمقصور كما يعلم ذلك علم العروض ويقول به حتى العروضيون المعاصرون حتى هذه الساعة ، ولكنها أربعة أصناف :

الممدود : ويساوى وحدتى قيمة من الزمن

- المقصور : ويساوى وحدة قيمة زمنية واحدة

فهى نصف

الممدود والممدود ضعفه .

- الهاضم : يساوى وحدة قيمة ونصفا

- المهضوم : ويساوى نصف وحدة قيمة

وقد يعترض معترض بقوله : " إذا كانت مدد المقاطع تتفاوت بهذه الكيفية فما من كلام نعالجه بما ذكرت الا ويكون شعرا " ونجيبه بقولنا : " لا ! مستحيل ، لان الايقاع كميات وكيفيات ومناطق ثقل وخفه . وهي شروط لا يمكن أن تجتمع صدفة الا لثلة من الالفاظ . ولا يستقيم الامر الا لشاعر يؤلف كلامه بنية النظم ، فيكون كلامه شعرا ، وأما غير ذلك فلا ، وذلك كالذى فى هذه الجملة مثلا : " فلما رأتهما وعرفت ما يريدان ذهبت لتخرج من حيث يدخل الماء .

ولئن ميزت بين ما تصرف به القدماء وما تصرف به المعاصرون فى استعمال الخبب وسميت صنيع القدماء به ايقاعا وصنيع المعاصرين به ميزانا ، فتماشيا مع نزعة الموسيقيين الى التساهل فى التمييز بين الايقاع والميزان ، وأما أنا فلا فرق عندى بينهما ما التزم الفنان باحترام مناطق الثقل ومناطق الخفة ، وأما الميزان عندى فهو ما اختلطت فيه تلك المناطق ولم نكد نميز فيه بين ما هو منها ثقيل أو خفيف.

فالقدماء هم من عرف الايقاع فى اصالته ونقاوته . وأما المعاصرون ، فيعرفون الايقاع فى طور من اطوار انحطاطه ، وأما الميزان فهو الايقاع أسوإ حالاته وأقصى درجات انحطاطه . وهو ما ينفسح له المحال فى الموسيقى الغربية الكلاسيكية التى هى موسيقى شعوب أرست قواعد حضارتها عىلى مبدإ الكميه . وما تقيد القدماء وتمسكهم بالصعوبة الا تقديس منهم لمبدأ الكيفية فى ما ينجزون من الاعمال الفنية . ويجسم ذلك قصر الحمراء بغرناطة ومحراب المسجد بقرطبه وتاج محل فى الهند ، وهي نماذج خالدة من الفن الفاائم على مبدأ الكيفية . وما استخفاف الغربيين بالكيفات الايقاعية وانكارهم السهولة الا تقديس منهم لمبدا الكمية ، ويجسيم ذالك برج منبار ناس ومركز بومبيدو . وهى نماذج من الفن القائم على مبدأ الكمية ، الذى لا يقول أصحابه بالنقش والنمنمة والزخرف . وإنما الكيفية عندهم هى اعتبار النواحى الوظيفية والعملية وكثرة الانتاج مع قلة التكاليف وسرعة الانجاز

وما الموسيقى العربية الحديثة وما الشعر العربى المعاصر في انحرافهما عن مبدأ الايقاع وسيرهما فى اتجاه مبدأ الميزان ، ما ذلك الا تجسيم لتأثر الشعوب العربيه بالحضارة الغربية وبشير او نذير بقرب قيام حضارة في بلاد العرب تقوم على الصبغة الكمية على غرار ما هو قائم في بلاد الغرب

اشترك في نشرتنا البريدية