كنا تحدثنا فى عدد سابق عن مولد الميزان فى الشعر العربى الحديث (*) وكنا اعتمدنا فى بحثنا على قطعتين للشاعر المعاصر أدونيس واستنتجنا من تحليلهما أن الشاعر قد حاد فى نظمهما عن طريقة القدماء فى معالجة إيقاع الخبب ؛ وذلك أنه سمح لنفسه بأن يسلط عليه ، هو ومن نحا نحوه ، ضروبا من التصرف وفنونا من الاستعمال لم يكن الأقدمون يسمحون بها لأنفسهم ؛ ورأينا أن أدونيس فى تينك القصيدتين لم ينحرف البتة عن مبادئ الايقاع ، وأن أقصى درجة بلغها فى التجديد - هو أو من سبقه الى ذلك - ينحصر فى كونه تحرر فى استعمال أصناف التسهيل والتلوين ( الزحافات والعلل ) . ذلك أن القدماء لم يكونوا يأتون فى الخبب إلا تسهيلا واحدا فى القصيد الواحد : إما المعاوضة وإما الاهتضام .
- المعاوضة أو الجمع La Mutation par Addition
- الاهتضام La Mutation par Empielement
على حين يسمح المعاصرين لأنفسهم بأن يجمعوا بين أصناف كثيرة من التسهيل والتلوين فى القصيد الواحد : المعاوضة والاهتضام والاسكات والتوليد .
- الاسكات La Mutation par Aphonie
- التوليد La Mutation par Divission
ثم إنا قد رأينا أن القدماء بسلوكهم هذا قد برهنوا عن تقديسهم لمبدإ الكيفية على حين برهن المعاصرون عن استخفافهم بذلك المبدإ وإعظامهم لمبدإ الكمية ، مما حرنا إلى التمييز بين صنع القدماء وسلوك المحدثين فسمينا الحركة عند الأولين (( إيقاعا )) وعند الآخرين (( ميزانا )) .
هذا وقد صرحنا بأنه لا فرق عندنا بين الايقاع والميزان ما التزم الفنان فى نظم الحركة باحترام مناطق الثقل والخفة ، وان الايقاع لا ينقلب ميزانا إلا متى اختلطت فيه المناطق فلم نكد نميز فيه بين ما هو ثقيل وخفيف ، وهو ما لم نلاحظه فى القطعتين اللتين كانتا موضوع بحثنا . فلم تفرق بين الامرين إلا مجاراة لنزعة تميز بها الموسيقيون فى التمييز بينهما فى الموسيقى . وكنا صرحنا فى الختام بأن القدماء هم من عرف الايقاع فى أصالته ونقاوته وأن المعاصرين المجددين قد عرفوا الايقاع فى طور من أطوار انحطاطه ، وأن الميزان هو الايقاع فى أسوإ حالاته وأحط دركات انحطاطه ، وهو ما ينفسح له المجال فى الموسيقى الكلاسيكية الغربية .
وقد تبين لى أخيرا أنى لم أكن مخطئا ولا مبالغا عندما فصلت حركة الشعر الحديث عن ظاهرة الايقاع وأطلقت عليها اسم الميزان . وذلك عندما وقع بين يدى نموذجان آخران من الشعر الحديث عثرت عليهما أثناء تدبرى
لبعض النظريات الحديثة فى الايقاع أحدهما لأدونيس وجدته فى بحث الدكتور أبو ديب (( فى البنية الايقاعية للشعر العربى )) والآخر لنازك الملائكة فى بحث الصديق الاستاذ البشير بن سلامة (( اللغة العربية ومشاكل الكتابة )) الذى تعرض فيه الى بعض مشاكل الايقاع .
هذا ولم يكن فى نيتى أن أثير مشكلة الشعر الحديث . وذلك لسببين : أحدهما أنى لم أكن آمنت بقيمة هذا الادب فلم أسع فى تحصيله وتوفير المادة الضرورية للبحث فيه ؛ والآخر أنى كنت منهمكا فى البحث عن ايقاع الشعر العربى القديم . فتفرغت لدراسة شعر الجاهلية وعصور الاسلام الاولى لأنه اليها ينتسب وفيها عرف أوج نضارته وازدهاره .
فلما فرغت من تأليف نظريتى التفت الى الدراسات المعاصرة لأعرف رأى الباحثين فى هذه القضية . فلما عرض لى الشعر الحديث ورأيت اهتمام الدارسين بايقاعه وما أبدوه فى شأنه من الحيرة والارتباك لم أجد بدا من التدخل للاعراب عن رأيى فى الموضوع ، ففعلت . وكان تدخلى على مرحلتين : الاولى مع قصيدتى أدونيس الاوليين والثانية مع هاتين اللتين عثرت عليهما فى بحثى (( أبو ديب )) و (( بن سلامة )) .
تقول نازك الملائكة :
وعد فى شفة الزنبق غطى الموج شذاه
وتألق فجر منبثق فوق مسافات مذعوره
ونسائم تعبر فى وديان مسحوره
إن شاء الله رؤى أغنية طافحة وندى وصلاه (1)
ويقول أدونيس :
ذاهب أتفيأ بين البراعم والعشب ابنى جزيره
أصل الغصن بالشطوط
واذا ضاعت المرافئ واسودت الخطوط
ألبس الدهشة الأسيره
فى جناح الفراشه
خلف حصن السنابل والضوء فى موطن الهشاشه (1)
وقد طرأ فى هاتين القطعتين تصرف فى الخبب لم نلاحظ مثله فى قصيدتى أدونيس الاوليين . فلنقم بتحليل إيقاعهما لنرى هذه الظاهرة الجديدة .
1) رباعية الملائكة :
ونلاحظ أن الملائكة استعملت فى هذه القطعة الخبب في صيغته الاصلية
وأدخلت عليه تسهيلين :
- أولهما المعاوضة : وذلك كما فى الدورة الاولى :
وهو تسهيل رأيناه سابقا : وهو لا يخالف المبادئ التى أقرها القدماء فى إيقاع الشعر .
- والثانى : القلب La Mutation par irversion . . وذلك كالذى فى الدورة الثانية :
وهو تسهيل ( زحاف ) لم نره فى قصيدتى أدونيس الآنفتى الذكر . 2) قطعة أدونيس :
ونلاحظ أن أدونيس استعمل فى هذه القصيدة الخبب فى صيغته الاصلية
وأدخل عليه تسهيلات كثيرة :
- أولها : تسهيل الاهتضام وذلك كالذى فى الدورة الاولى :
- والثانى : تسهيل التوليد . وذلك كما فى الدورة الرابعة من البيت الثالث :
- والثالث : تلوين الاسكات . وأسميه تلوينا أى ( علة ) جريا على سنة القدماء لأنه لا يرد إلا فى الدورة الاخيرة من البيت . وذلك كالذى فى البيت الأول :
- والرابع : تسهيل المعاوضة . وهو كالذى فى الدورة الاخيرة من البيت الرابع :
وهى كلها تحولات سبق أن رأيناها فى قصيدى أدونيس السابقين .
- والخامس : تسهيل القلب . وذلك كالذى ورد فى الدورة الثالثة من البيت الثالث :
وأسميه تسهيلا وإن كنت سميته فى كتابى (( نظرية إيقاع الشعر العربى )) تلوينا . ويكون تلوينا عندما تكون جميع الدورات مقلوبة . وذلك كالذى استشهدت به آنذاك :
ديكى ديكى أنت صديقى
أنت أنيس البيت رفيقى
وهذا تقطيعه :
وهو ما تكون منطقة الثقل فيه هى السابقة فى جميع الدورات على خلاف الخبب الاصلى . وهو ما لا يتضارب ومبادئ الايقاع لسلامة الكيفيات والنظام وعدم اختلاط المناطق من الثقل والخفة . وأما الخبب الاصلى فهو ما تكون منطقة الخفة فيه هى السابقة وهو كالذى فى هذا البيت للحصرى :
كلف بغزال ذى هيف خوف الواشين يشرده
وهذا تقطيعه :
ويكون القلب تسهيلا عندما تعترض دورات مقلوبة فى مساق الخبب الاصلى . وذلك كالذى فى استعمال نازك الملائكة وأدونيس .
- بيت لنازك :
- بيت لأدونيس :
وهو ما يتضارب ومبادئ الايقاع لانخرام النظام واختلاط مناطق الثقل والخفة .
وابتداء من الآن يصبح من المتعذر علينا أن نطلق على هذه الحركة اسم (( إيقاع )) لنطلق عليها اسم (( ميزان )) لا بمعناه القديم (1) ولكن بمعناه الموسيقى الحديث . وهو مبدأ مقبول فى الموسيقى ولا أرى لماذا يرفض فى الشعر .
فأما البشير بن سلامة فانه رفضه ؛ ويفهم ذلك من قوله (( فالشاعرة هنا أدخلت على ( فعلن ) ( فاعل ) ورضيته فلم يعط من حيث الايقاع شيئا )) . وإن دل هذا الحكم على شئ فانه يدل على أصالة ثقافة البشير بن سلامة الشعرية هذه الثقافة التى ربت ذوقه على حب الايقاع الحر الأصيل Le Rytme pur et authentique الذى كان ضالة القدماء . وأنا أيضا لا أقبل ذلك لنفسى لأنه مما يمجه طبعى وينفر منه ذوقى . ولكن بأي حق آخذ الناس بالقهر وأحملهم على آلة القسر ؟ وبأى حق ألوم امرأ على تركه الرطب إذا كان يؤثر الحشف أو على تركه الحرير اذا كان يؤثر الصوف . فلعل له عذرا لا أعلمه أو علة لا أعرف سرها أو لذة كلذة المتصوفيين فى لباسهم للصوف ؛ أو لعلهم باعوا روعة الايقاع بحرية الميزان . وهو فى ما أعلم اختيار معقول وعذر مقبول ؛ لأنهم بفضل الحرية التى يخولها الميزان لهم يستطيعون أن يسدوا كثيرا من الخلل ويعوضوا كثيرا من النقص . ثم هل نستطيع أن ننكر على قوم تقلدوا فى الفن مبدأ سبقهم اليه بيتهوفن وموزارت وقاقنير وكثير من أساطين الموسيقى العرب المعاصرين ؟
وأما كمال أبوديب ، فانه كغيره من العروضيين يقسم الست بحسب التفاعل الخليلية ؛ فيفضى به ذلك الى النتيجة الآتية :
وهى نتيجة أقل ما توصف به أنها غريبة لاختلاف الدورات بينها كميا وكيفيا . ويقبل الدكتور ذلك على ما فيه من التضارب لأنه لا يؤمن بالتعادل الكمى فى إيقاع الشعر العربى :
لاحظ اختلاف الحركة داخل الدورات . فلله قدرة الرجال على إدراك الايقاعات حتى وإن لم تتميز بشئ من المميزات الكمية ولا الكيفية . وإن دل ذلك على شئ فانه يدل على طول المسافة التى تفصل بين الدكتور وبين إيقاع الشعر العربى . نعم لأنه لولا القلب المعترض فى ذلك البيت والذى انخرمت به الكيفيات مما خرج به عن حدود الايقاع لكان ذلك الكلام إيقاعا حقا . لأن الأمر يتوقف على إرجاع منطقة الثقل الى موضعها فى آخر الدورة كى لا تتتابع منطقتا خفة ومنطقتا ثقل .
لاحظ اتفاق الحركة داخل الدورات . وانظر البيت الاخير الذى يخلو من تسهيل القلب وسترى كيف يستقيم للخبب كميا وكيفيا رغم كثرة التحولات .
ولقد شاءت الصدفة أن أتفق ونازك الملائكة فى تسمية تسهيل (( القلب )) . وليس ذلك فى الحقيقة من باب الصدفة ؛ وما هو إلا اتفاق الاحساس بالكيفيات الايقاعية . ومن غريب الامور أن الدكتور الذى يعالج إيقاع الشعر العربى من الخارج يتطاول على الشاعرة لاختيارها هذه التسمية ويخطئها وهى أدرى بالايقاع منه لأنها تعيش فى قلبه من داخل . وهى هى التى استعملته فى شعرها ؛ وقد تكون أول من اهتدى اليه أو من السابقين الاولين الى استعماله . ولكنه تجاهل ذلك ومضى يعنفها ويخطئها ويسفهها بما جعلني أتعجب من فشلها فى حقها وتطاوله فى باطله . لأن هذا الايقاع اذا كان ذا منطقتين خفيفة وثقيلة ، فان قلبه يكون بتقديم منطقة الثقل وتأخير منطقة الخفة .
ولكن ليس من يتدبر بفكره كمن يتحسس بأذنه .
تلك لمحة عن قضية الميزان فى الشعر المعاصر وفرق ما بينه وبين الايقاع القديم ؛ بينت فيها ما للخبب عند المعاصرين من الخصائص وما يخضع اليه من المبادىء وما يعتريه من التسهيل والتلوين . وألخص ما استنتجناه فى شأنه فأقول :
الخبب عند المعاصرين ميزان ذو أربعة أوقات فى منطقتين : الاولى خفيفة
تستغرق الوقتين الاولين والثانية ثقيلة
تستغرق الوقتين الآخرين . فهو ميزان ثنائى Mesure Binaire . يظهر فى صور شتى :
1) الصورة الأصلية :
2) الصورة الثانية : وهى التى تعالج بالمعاوضة أو الجمع
3) الصورة الثالثة : وهى التى تعالج بالاهتضام
4) الصورة الرابعة : وهى التى تعالج بالتوليد
5) الصورة الخامسة : وهى التى تعالج بالقلب وهو تقديم منطقة الثقل وحقها التأخير
6) الصورة السادسة : وهى التى تعالج بالاسكات
7) الصورة السابعة : وهى التى يجتمع فيها الاهتضام والتوليد
8) الصورة الثامنة : وهى التى يجتمع فيها المعاوضة والتوليد
وعلى هذا الاساس ، لا يوجد شئ يمنع من حدوث تحول آخر يقع فى الدورة الاولى من البيت جوازا ويقوم على إسكات الواجهة أى العنصر الاول من الدورة La Mutation par aphonie de I' element initial
وهو المبدأ الذى اعتمد القدماء عليه فى إحداث لون المتقارب المنبثق عن الخبب ، وهو فى نظرى أقل خطورة من مبدأ القلب . ولذلك فان كل القرائن تدل على قرب ظهوره .
تلك التحولات كلها جائزة فى القصيد الواحد من الخبب ؛ وذلك بالاضافة إلى تعدد الأضرب وتفاوت الأبيات فى عدد الدورات والتساهل فى الرجوع الى السطر هو الذى جعل هذا الايقاع يكتسى صبغة خاصة . وهو ما جعلنا نضن عليه باسم (( الايقاع )) ونطلق عليه اسم (( الميزان )) تشبيها له بالميزان الموسيقى عند الغربيين . وفى ما يخصنى فانى أعتبر كل التحولات الحاصلة عن طريق الاهتضام أو المعاوضة أو التوليد أو الاسكان والواجهة الساكتة تحولات طبيعية وإن كان فيها بعض الاستخفاف بمبدا الكيفية ، فأسمى الحركة إيقاعا ؛ إلا القلب فانه اذا استعمل صارت الحركة ميزانا .
ومن الشيق - كما يقول الدكتور كمال أبوديب - أنى لما اطلعت على رأى صديقه أدونيس فى دراسته وما عبر عنه من الاعجاب بنتائج أبحاثه تبين لى فى جلاء أن أدونيس غافل أكبر الغفلة عن طبيعة فنه وما يقوم عليه من المبادئ وما يشتمل عليه من الدقائق والجزئيات شأن الشعراء الاولين فى عصور الجاهلية الاولى . والشاعر الفنان الذى يدرك الايقاع إدراك حدس هو أحق الناس بادراكه إدراك فكر ؛ ولكن بشرط أن يكلف نفسه مشقة البحث وهو ما لم يتفرغ له أدونيس .

