ميثاق .. وميثاق
لا حديث للعالم اليوم الا في ميثاق الاطلسي الذي احتفل بتوقيعه فى " واشنطن " فى مساء يوم ٤ ابريل عامه ٤٩ م الموافق ٦ جمادى الثانية عام ٦٨ ه ممثلوا اثنتى عشرة دولة هي : الولايات المتحدة وبريطانيا ووفرنسا وكندا وبلجيكا وهولندا ولو كسمبورج والنروج والدانمرك وايطاليا وايسلندا والبرتغال ... والولايات المتحدة هي التى تتزعم هذا الميثاق ، وتمشى بريطانيا خلفها مضطرة لتمثيل الدور الثاني بعد أن اصبحت الاولى اقوى دولة في العالم إذا استثنينا روسيا على بعض الاقوال .
والدوافع الى ابرام هذا الميثاق معروفة وهي محاولة التكتل في وجه روسيا وأحلافها باقوى قوة يمكن للبشر تكوينها إرهابا وزجرا او تحفزا لموثوب . . ولبس هذا الميثاق هو الموحيد فى دنيا مواثيق اليوم ، فان هناك دولا عديدة مشايعة للديمقراطيات لم تدخله ولكنها تستعد للدخول في مواثيق مماثلة مع جيرانها بحكم الوضع الجغرافى والمواقع الاستراتيجية التى تقضى بضرورة التكاتف والتعاون في الظروف الخطيرة !! وستعلن هذه المواثيق قريبا بعد ان يتم طبخها فى " مطعم " الديمقراطية العتيد .. فالمفهوم أن هناك ميثاقا يضم بلدان الشرقين الادنى والاوسط ، وثانيا يضم البلاد الواقعة فى حوض البحر الابيض المتوسط ، وثالثا لمنطقة المحيط الهادى .. ومجموعة هذه المواثيق تكون دنيا هائلة لا يخرج من نطاقها الاروسيا واحلافها والمناطق التى تسيطر
عليها ..وهو معسكر غير قليل ولاهتين المخاطر لانه يضم روسيا الكبري والمانيا الشرقية وسائر بلاد البلقان باستثناء تركيا واليونان . كما ان خلاياه تمتد الى كل بلدان العالم تقريبا فتؤلف اتباعا إن هان أمرهم في العالم فانه لا يهون فى الحرب .. وفي بعض بلدان اوربا - كفرنسا وإيطاليا واليونان - يكاد يؤلف هؤلاء الاتباع جيشا لجبا ان لم يمثل الأغلبية فانه يطاولها فى كثير من الاحايين.. ولروسيا حليف عظيم منتظر ، هو الصين الشيوعية .. فائه اذا تم استيلاء الصينيين الحمر على الصين فسيكونون احلافا بالغني القوة لروسيا ، كما ان اليابان - كما تقول بعض الاشاعات - يرحب بالشيوعية بعد ان فشلت الآدارة العسكرية الاميركية التى يمثلها ( ماك أرثر ) واركان حربه فى حكمة فشلا ظاهرا . فهو اذا لم يكن خصما فليس بالصديق على كل حال .. وكل هؤلاء ليسوا بالقليل الذي لا يكون معسكرا مقابلا يستطيع المنازلة والصراع .
وميثاق الاطلسي يذكرنا بمثياق الاطلانطي الذي دعا الية روزفلت وتشرشل . إبان الحرب العالمية الثانية ، وحينما كانت كفتا الحرب متعادلتين بين الديمقراطيين وخصومهم ، او كانت كفة الديمقراطيين مرجوحة على الاصح ، ليتقفا به فى وجه محور . برلين - روما ثم طوكيو اخيرا . . وقد وقع ذلك الميثاق فى عرض المحيط الاطلانطيقى وهللت له الديمقراطية واعتبرته انجيل المواثيق فى القرن العشرين فقالت انه يكفل حريات البشر ، ويدفع عن حقوق الضعيف ويكفكف من غرب القوى ، وينشر السلام والرخاء والطمانينة بين ربوع الارض - ولكن الحقيقة المظلومة كانت بمنجاة عن هذه النصوص والالفاظ الجوفاء التى تتستر وراءها اغراض من أخبث ما انطوت عليه نفس ! فلم يكفل الميثاق الحريات ولم يحقق العدالة ولم ينشر السعادة والسلام ! بل كان مخبئا يقف خلفه المتقون يقيهم سخط الشعوب الهضيمة - ولو الى حين - ويؤلف منهم كتلة كبيرة متماسكة تقف في وجه المحور وتعكس عليه اغراضه وتسعى جهدها لكسب الحرب ! ! لم يكن واضعوه مخلصين ، ولم ينووا تحقيق ما تنطوى عليه نصوصه بل كانوا يثبتون له الغدر والتحطيم حالما تتحقق امالهم التى يصبون اليها من وضعه !
أهو أحبولة صائد يدارى صيده قبل ان يقع فى الحبائل . أما بعده فللصائد وحده فان يتحكم ، وان يحدد معانى الحربة والحق والمساواة فما يجد من يجرأ على المخالفة ! ولم يكن ميثاق الاطلسي الأول هو اللدغة الاولى التى لدغ بها الضعفاء من جحر واحد . . فقد غيرت قبله مبادئ الرئيس الاميركى " ويلسون " التى عرفت بميثاق عصبة الامم والتى تبخرت من الرؤوس قبل ان تتبخر الحياة من نفس راعيها والداعي اليها ! فعاش كظيما يجتر الخيبة والختل السياسي حتى مات ، وقد شفع للرئيس " ويلسون " عند التاريخ السياسي اخلاصه لتلك المبادئ ، وحرارته فى الدعوة اليها ، ورغبته الصادقة فى تحقيقها . . وهى شفاعة لانعتقد ان سيلافيها واضعوا ميثاق الاطلسي الأول والثاني لانهم لم يكن لهم ذلك لصدق وتلك الرغبة والحرارة ! وفرق بين من يفشل لان الظروف قد عاكسته . وبين من يفشل لانه كان يقدر الفشل من بادىء الأمر بل ويضع اسبابه عامدا !
أوجه الشبه بين الميثاقين
أبرم ميثاق الاطلسي الأول والعالم يغلي غليان المرجل ، ومقدرات الشعوب فى كفة القدر ، والصراع فى أوجه بين النازية والراسمالية . ولم يكن للشيوعية هذا السلطان في الارض ، ولا هذا النفوذ بين الشعوب ، ولاهاته القوة الضخمة المخيفة .. لأن المانيا كانت تقف بينها وبين مطامحها فتحول دون تحقيق كثير من هذا المطامح .. وكان " هتلر " يمقت الشيوعية مقتالا يعادله الا مقته لليهود فكان ذلك من الاسباب الجوهرية فى عدم تصادق الشعبين وتحالفهما . ولو وجد هتلر مندوحة عن محالفة روسيا قل شبوب نيران الحرب العالمية الثانية بفترة وجيزة لما أقدم عليها ، ولكنه اضطر اليها اضطرارا فنزل على حكمه وهو يبيت النقض لما ابرم كما تبيته روسيا الحليفة اللدودة !! ولقد فعلا ذلك ، وان كان هتلر هو الذي بدأ بالضربة . . وكانت الرأسمالية - تمثلها الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وحلفاؤهما - فى جانب ، والنازية - يمثلها محور روما - برلين - طوكيو - فى جانب آخر . أما روسيا فكانت تتربص وتنتظر الحوادث لتجنى ثمارها ومانبالى اجنتها من هؤلاء أم اولئك ! وكان الجانبان مستميتين
فى سبيل النصر ، عارفين ان الهزيمة معناها الدمار والاستبعاد القاسى الى امد لا يعلم مداه الا الله . . وكان غرض الميثاق هو التكتل وجمع الاحلاف ردا لتحية المحور الذى تكتل لنفس الغرض . . وأبرم ميثاق الاطلسي الثانى في ظروف مماثلة لتلك الظروف او قريبة منها . . فالعالم في اضطراب اعظم من الاضطراب الذي كان يعانيه إبان إبرام الميثاق الاول - وإن تكن نيران الحرب لم تشب بعد وفيه قوتان عظيمتان تتنازعان السلطة على البشر وترغبان فى بسط سيطرتهما ومبادئهما عليه . وهو - اى الميثاق - يهدف ؛ كما هدف الاول تماما ، الى التكتل وتجميع الانصار والعمل على كسب الحرب المتوقعة بكل الوسائل . . ولم ينس الميثاق الثاني كسابقه حقوق البشر وقضية السلام وتعميم الرخاء وتثبيت اركان الامن ، فاشار اليها ووعد بتحقيقها وعودا نعتقد انها ليست من الصدق والامانة بحيث تنهج نهجا غير نهج الوعود الاولى ! ! وارتبط بالتزامات وتعهدات يقوم بها القوى للضعيف وهو انما يقوم بها فى الواقع لنفسه خشية أن يؤكل يوم اكل الثور الابيض ! فالميثاقان يحملان طابعا واحدا من هذه النواحي التى تتقارب فيها أوجه الشبه أو تتماثل . لان الحوافز اليها تكاد تكون متماثلة ..
اوجه الخلاف بين الميثاقين
وسيجد الباحث الموفق اوجه خلاف بين الميثاقين ، فقد سخا الميثاق الاول بالوعود اكثر مماسخا الثاني ، وتغنى بالمثل الانسانية العليا وحريات البشر ورخائهم وطمأنينتهم اكثر مما تغنى تاليه ، والسبب - فيما نظن - واضح فان الساسة الذين وضعوا نصوص الميثاق الثاني قد ادركهم قليل من الحياء بعد ان لمسوا سخط الشعوب المستضامة واستيقانها من كذب الوعود التى لا تحقق ولا ينوى لها التحقيق . . تلك الوعود التى كالها جزافا الميثاق الأول فمهما بلغ من ضعف بعض الشعوب وحاجتها الى العون والمسالمة وسلامة طواياها فانها لن تبلغ من السذاجة دركا تدور بها فيه الريح دوما فى قاع الهاوية ..
وتكرار الحيل مما يفتح العيون على الحقائق المجردة من الطلاه والتمويه فلا بد من الاقتصاد في بذر الوعود وارسالها تقاديا للسخرية على أضعف الاعتبارات .
وقد ابرم الميثاق الاول وفي الدنيا دول قوية تعد فى المرتبة الاولى من . حيث القوة العسكرية والاقتصادية ، فكان فيها الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا ، وكان فيها المانيا وايطاليا واليابان ، وكان فيها ، روسيا .. أما اليوم فليس فيها - فى تلك المرتبة الرفيعة - إلا الولايات المتحدة وروسيا أما ماعداهما قهزيم يلغق جراحة ويرزج تحت الاثقال ، او تابع ليس له من خطورة الشأن ما لمتبوعة الكبير !
وأبرم الميثاق الأول إبان الحرب ، أما الميثاق الثاني : فقد ابرم قبلها استفادة من العبر والتجازيب ، وتأهبا للحوادث قبل انقضاضها حتى تكون نتائجها أقل اضرارا وأسلم عواقب ، أو إرهابا للجانب المخاصم حتى لا يقدم على عمل من أعمال التهور والطيش حين يرى أمامه قوى متكتلة قد تفوق قواه ، وقد تعكس عليه أهدافه ، وهو ما لا يقدم عليه متنصر يقيم وزنا لمصائر الأمور .
تخوف الشعوب الصغيرة من الميثاق
والشعوب الصغيرة التى لم تتخلص بعد من نير الاستعمار ، والتي وعدت الميثاق الاول بالتحرير ولم تحرر ، تتحفظ كثيرا وتخشى من إعادة تمثيل " فى التكوميد " حسا علي يابها ، وهى ترى - بحق اذا الدول المستعمرة كبريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا تستمد قوة من المساعدات العسكرية التى نتلقاها من الولايات المتحدة بموجب ميثاقي الاطلسي الجديد في شكل نقود وأسلحة وعتاد وأطعمة وما الى ذلك فتوجهها الى إخضاع الشعوب التى تستثمرها وتمديد أجل استعمارها بالقوة وبالرغم من أهلها ! فالميثاق لا يفيد الشعوب المستعمرة بقدر ما يقيد مستعمريها ، ثم ان الميثاق يناقض نفسه فبينما هو ينادى ، بالحرية والعدالة إذا به يساعد بطريق مباشر أو غير مباشر دولا مستعمرة على انهاك .
حرمات ما ينادى به بما يسدى اليها من مساعدات .. ولو كان واضعوه صادقى العزم على تحقيق مبادئ الحرية والعدالة لأقنعوا أولا الدول المستعمرة بمنح الشعوب المستعمرة حريايها وعقد معاهدات معها تجعلهما يتبادلان المصالح على على قدم المساواة دون حيف او إذلال لأن هذه هي الطريقة العملية لتحقيق أهداف الميثاق من اقصر السبل ، فما لم تقم العلاقات بين الناس على اساس من الود والتفاهم والمساواة فسيظل السلام مضطربا والنفوس مليئة بالغش والأحقاد وما دام واضعوا الميثاق ولم يحققوا لهذا الغرض الأهم الذي تتطلع اليه الشعوب المستباحة كان نصوصه ستظل حبراء على ورق ، وستنقذ من جانب واحد .
وقد قرر هذا المعنى الأمير عبد الكريم الخطابي ردا على سؤال وجه اليه فقال " اننا لن نكون فى يوم من الايام طرقا في معاهدة تدور مفاوضاتها فى معزل عنا ، ونحن لنا هدف رئيسي هو التحرر من نير الاستعمار الفرنسى ، ونحن نهتم بتحقيق هدفنا هذا قبل أي شئ اخر " له .
وقال المستر " والنردايت " احد زعماء الزنوج في جريدة " نيويورك تريبيون " ليس هناك أخطر من حلف الاطلنطي الذي قام على أساس خدمة مصالح البيض فى دول أوربا الاستعمارية .
وبعد ، فهل يؤدى ميثاق الأطلسي إلى حرب ام سلام ؟ وهل سيكون عونا على تهدئة الاعصاب وضبطها أم على توترها واثارتها ? وهل ستقف روسيا منه موقف المتفرج ، أم تقابله بحركة جديدية تنطلق فيها الشياطين من "قماقمها " لتبث الرعب والقلق في النفوس ؟ وهل المناورات الروسية التى تقوم بها منذ امد طويل والتي كانت من الاسباب الرئيسية فى إبرام ميثاق الأطلسي الجديد هى مناورات يقصد بها مجرد حرب الأعصاب لكسب ما يمكن كسبه على هذا الحساب ، أم انها مناورات لها ، ما بعدها من عمليات حربية واسعة النطاق بعيدة الأثر فى مصائر البشر ؟
علم ذلك عند علام الغيوب .
