من المناقشة ينشق النور ارسطو
-٢-
ماذا يضر المسلمين لو أهملوا ترجمة معانى القرآن ؟
أولا - سوف يصبح المسلمون - ان أهملوا ترجمة معانى الكتاب - في كثير من البقاع قوما لا سند لهم ولا مرجع ، يجدون بين أيديهم مصحفا يتبركون بورقه وبلثمون غلافه ، ويضعونه على الرأس والعين احتراما له ، ولكنهم لا يفهمون ما فيه ، والكتاب الذى غير مجرى التاريخ ، وعرف العالم مبادىء الخير والصلاح ، ستصبح معانيه مغلقة على كثير من الامم ، وهذا اسراف في الجور لا يتفق وسماحة الدين الاسلامى الذى جاء به محمد رسول رب المشرقين والمغربين صلى الله عليه وسلم الى كافة الناس .
ثانيا - توجد مئات من الترجمات القرآنية في عشرات من اللغات كتبها المستشرقون الحاقدون على الاسلام والقرآن وحشدوا فيها باسم الترجمة ما شاؤوا من الاباطيل ونسبوها الى القرآن . فأذا امتنع
المسلمون عن تقديم ترجمة لمعانيه أفضى ذلك الامتناع الى افساح المجال لأعداء المسلمين وبالتالى سكوتنا عليه يستدل به على اقتناعنا بوجاهة هذه الترجمات ، واذا اكتفينا بالتفنيد ورميهم بالجهل والحقد . يقول لنا أهل العلم : هاتوا أنتم ما هو الصحيح .
ثالثا - ما أكثر ما حاول أعداء الاسلام ان يثبتوا أن الاسلام لم يكن الا دعوة محلية لاصلاح عرب الجزيرة (١٠) وقد جددت هذه المحاولة أخيرا . والمطلع على ميثاق البعث العربى الاشتراكى يعرف نظريته تجاه تاريخ الاسلام ، وان كانت هذه النظرية تبناها بعض المستشرقين في القرن السادس عشر المسيحى ، ولكن لها أصداء في شرقنا العربى ، لها حماة وأنصار فاذا أهملنا ترجمة معانى القرآن وحسبناها مستحيلة سنكون وائدى هذه الحركات الهدامة التى تريد تقويض دعائم الاسلام وتضييق آفاقها الواسعة تحت شعار العلم والبحث .
مقال الاستاذ الشرباتى
كان المنتظر من المقال الذى عنوانه : (( دعوا ترجمة القرآن فانها مستحيلة )) أن يجد القارىء بحثا مركزا على نقطة تبين أسباب استحالة الترجمة مع الدلائل التى تدعم هذه الفكرة ، ولكن الذى يجده القارىء في مقال الاستاذ محمد سليم الشرباتى - بصرف النظر عن اضطراب ظاهر في ترتيب المواد وفقدان التنسيق العلمى فيه - أن الاستاذ صاحب المقال لم يأت بدليل يثبت استحالة الترجمة ، وكل ما في المقال هو تساؤلات متفرقة مبنية على افتراض منه ، وهو أن الترجمة تعتبر كالقرآن نفسه .
أما من ناحية الدلائل فقد اختار الاستاذ الشرباتى ترجمتى الدكتور حميد الله ( باللغة الفرنسية ) وعبدالله يوسف علي ، ( باللغة الانكليزية ) كشاهدين على اخفاق علماء أهل السنة في ترجمة معانى القرآن .
فلنستعرض أولا تساؤلاته وهى :
هل يجوز ترجمة القرآن لفظا او معنى ؛ هل يمكن ترجمته ! هل تحمل ترجمته بلاغة القرآن وفصاحته ؟ هل في القرآن أسرار الهية ؟ هل باستطاعة المترجم أن ينقل هذه الاسرار هل يصح التعبد والاستشفاء بالترجمة ؟
والجواب عن هذا كله مر فيما ذكرت معنى ترجمة القرآن ومعنى ترجمة معاني القرآن ، وقد أشبعت الكلام فيه وقلت أن ترجمة القرآن الحرفية بالمثل مستحيلة . والتدليل عليه تحصيل الحاصل ، ومستحيل أن تحل هذه الترجمات محل القرآن الكريم في القداسة والاجلال والتأثير وهذا أمر بدهى لم يقله أحد ولم يقصد أى مترجم أو قارئ
الترجمة بذلك . فالترجمات هي من صنع البشر لا يتوهم أحد ان يتبرك بها أو يستعملها للاستشفاء أو يقرأها تعبدا أو يتطهر للمسه ، ويرجو الثواب على قراءة الترجمة مثل ما يرجوه على تلاوة القرآن .
أما ما ذكره الاستاذ الفاضل عن تجربته الشخصية : (( رافق عثورى على هذه الترجمات رؤيتى لبعض زنوج أمريكا ولأفراد أفريقية السوداء يقرأون في صلواتهم النصوص الفرنسية أو الانكليزية ويتعبدون بها )) ، فأقول انها تجربة شاذة للاستاذ ، وكان يجدر به أن يخبر اولئك الزنوج والمسلمين الافريقيين بانه عمل لا يجيزه الاسلام ، بدلا من أن يمنع المسلمين من ترجمة معانى القرآن والا فما رأيه في قوم من الجهلة والمتبدعين الذين يتخذون من القرآن حمائل وتعويذات فهل يجوز لنا أن نمنع طبع المصاحف على الاطلاق أو نقول ان طبع القرآن مستحيل ؟
وبينما تؤكد تجربة الاستاذ الشرباتى صدور منكر فعله بعض حديثي العهد بالاسلام فهناك آلاف الالوف من المسلمين في العالم يتلون القرآن الكريم في عباداتهم وصلواتهم حينما يقرأ مثقفوهم الترجمات لاستنارة أفكارهم ومعرفة أحكام الشريعة الاسلامية ، ومثال ذلك أنه يوجد في بلادى شبه القارة الهندية ما يربو على اربعمائة ترجمة لمعانى القرآن الكريم في لغات الهند وباكستان وأغلب المسلمين فيها هم أتباع المذهب الحنفى الذى يرى جواز الصلاة لغير العربى به ، ولكنى لم أر ولم أسمع عن أحد يقرأ الترجمة محل القرآن في العبادات ، هكذا الاتراك ، وهم على مذهب الاحناف كذلك ، ورغم أمر شديد بالصلاة باللغة التركية ظلوا يقرأون القرآن في صلواتهم سرا ان لم يستطيعوا قراءته علنيا ، وما أن أعلن المرحوم عدنان
مندريس أنه سيسمح بالأذان بالعربية بعد فوزه في الانتخابات حتى أسرع الناس الى التصويت له . ويوم بر الرجل بوعده خرج الناس رجالا ونساء شبابا وشيوخا الى الشوارع يبكون شوقا الى الاستماع الى الأذان بالعربية ، فهذه مكانة لغة القرآن الكريم في قلوب المسلمين لن تحلها أية ترجمة او تفسير ، ذكرت هذا نموذجا استشهادا على أن تساؤلات الاستاذ الشرباتى او بالاصح مخاوفه لا تنطبق على واقع المسلمين .
أما ما تساءل عنه به الاستاذ الشرباتى عما اذا كان النبى صلى الله عليه وسلم أمر بترجمة القرآن أو أمر أصحابه بذلك عندما كان الاسلام قد انتشر في ربوع غير عربية .
فالجواب على هذا انه لم يؤثر عن الرسول صلى اله عليه وسلم شئ من هذا القبيل ، كما لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم شئ عن ذلك .
ولعلى أكون خارجا عن الموضوع ان ذكرته بأن الترجمة أمر يحتاج اليه من يتلقى شيئا مكتوبا بغير لغته ، ولا يحتاج اليه من يصدر أمرا او كتابا مكتوبا بلغته ، فالقرآن الكريم المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغته لم يكن في حاجة الى أن ينقل الى لغات أخرى من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، انما كانت هذه مهمة الذين تلقوه ولم يكونوا يفهمونه .
ومثال ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل كتبا الى هرقل عظيم الروم وغيره من الملوك ، بلغته العربية بدون ترجمتها الى الرومية فلما وصلتهم تلك الكتب استدعى هؤلاء تراجمتهم ، فقرؤوه لهم بلغاتهم ، وجاء في الصحيح للبخارى ما يلى :
(( باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها لقوله تعالى : ( قل فاتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين ) .
وقال ابن عباس : أخبرنى أبو سفيان بن حرب أن هرقل دعا بترجمانه ثم دعا بكتاب النبى صلى الله عليه وسلم فقرأه :
( بسم الله الرحمن الرحيم . . من محمد ابن عبدالله ورسوله الى هرقل :
(( يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم )) )
ويقول العلامة ابن حجر العسقلانى في شرحه لكلمة : فقرأه بسم الله الرحمن الرحيم الخ . . أى قرأ الترجمان بلسان هرقل : ( فتح البارى كتاب الجزية والديات )
فالذى يتضح من هذا الحديث ، ومن ترجمة الباب لصحيح البخارى :
١ - ان تفسير الكتب السماوية السابقة كان مسموحا به من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، والدليل على ذلك أن الله تعالى حينما خاطب اليهود : (( فاتوا بالنوراة ان كنتم صادقين )) معناه أن ترجمة معاني التوراة بالعربية لا نصها بالعبرية .
٢ - ان الحديث يخبر عن ترجمة بسم الله الرحمن الرحيم وهى آية من القرآن الكريم وآية اخرى (( يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ))
وهناك شواهد أخرى من الاحاديث النبوية على وجود المترجمين وتعاطى الترجمة والاستعانة بها وعدم الانكار عليها ، من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو من صحابته رضوان صله عليهم .
مثلا جاء في كتاب الاحكام : عن زيد بن
ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلما أمر ان يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبى صلى الله عليه وسلم كتبه وأقرأته كتبهم اذا كتبوا اليه .
وقال أبو جمرة : كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ( الصحيح للبخارى ج ٢ الاحكام )
ولا يعقل أن أبا جمرة عندما كان يترجم بين ابن عباس وبين الناس كان يترك الآيات القرآنية اذا احتج بها ابن عباس أثناء حديثه مع الناس .
والشاهد في ذلك أن الاستعانة بالترجمة لم تكن غير مألوفة في عصر النبى صلى الله عليه وسلم الا أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن في حاجة ليوفر الترجمان أو الترجمة لما كان يصدر منه .
هذا عن تساؤلات الاستاذ الشرباتى ، أما ما نقد به ترجمتى الدكتور محمد حميدالله وعبدالله يوسف على فلنستعرض أولا نقده لترجمة معانى القرآن بالفرنساوية للدكتور محمد حميدالله ، وأرى أن الاستاذ الشرباتى محق في اعتراضه على تسمية الدكتور محمد حميدالله ترجمته " بالقرآن المجيد )) '' Le Saint Coran '' وكان الواجب عليه أن يسمى ترجمته (( ترجمة معانى القرآن الكريم )) . والدكتور محمد حميدالله علم من أعلام الامة الاسلامية فى العصر الراهن ، خدم القرآن الكريم والسيرة النبوية في عدة لغات أوروبية بنزاهة وزهد وعفاف ، ولكنه بشر ، وسبحان من لا يخطئ ، وانه لا شك خطأ منه ان سمى ترجمته القرآن بدون اضافة كلمة ترجمة المعانى ، يجب تنبيهه اليه وانى لواثق أنه لن يستنكف عن قبول الرأى الصحيح .
وبعد هذ انا أساءل : أبهذا الخطأ الصادر من مترجم لمعانى القرآن اصبحت الترجمة مستحيلة ؟ أو كانت الترجمة ممكنة لو خلا غلاف هذه الترجمة من هذا الخطأ ؟
على كل حال فلنر ماذا انتقد به الاستاذ الشرباتى هذه الترجمة بعد ملاحظته على رسم الترجمة ، يقول الاستاذ الشرباتى : ( تبدا الصفحة الاولى من المقدمة بما يلى :
بسم الله الرحمن الرحيم Auteur du Coran
وكلمة Auteur تعنى المؤلف ، الصاز المبتكر ، المخترع ، المصنف أو الذى فعل الفعل وهنا تساءلت من جديد فقلت أيجوز أن نطلق على الله عز وجل فنقول مؤلف القرآن أو مخترعه أو الذى فعله ، وتذكرت فتنة المعتزلة عند قولهم بخلق القرآن وتذكرت محنة المسلمين . . ))
هذا هو ما كتبه الاستاذ الشرياتى ، أما الواقع فهو أن الدكتور حميدالله لم يقل أن الله هو مؤلف القرآن ، ( كما ان كلمة المؤلف ليست ترجمة صحيحة لكلمة Auter ) انما هو جعل هذه الجملة (( مصنف القرآن )) عنوان بحث من البحوث التى أتى بها في مقدمته ، ويقول تحت هذا العنوان :
(( القرآنية ( بالعربية القرآن . . ) هو الكتاب المقدس عند المسلمين ، البليغ المعجز المعتبر عندهم منزلا من عند الله على نبيه المختار محمد . ليس هناك هجوم ( أو مسبة ) أعنف وأشد ضد المسلمين من أن يقال أن مصنف هذا الكتاب هو محمد صلى الله عليه وسلم ) وقد أطلق على محمد صلى الله عليه وسلم بالفرنساوية لقب مصنف القرآن في القرون الوسطى . والواقع انه لم يكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الا
وسيطا بين الله وخلقه . . وانه لم يأت بشئ من عنده كما لم يضف أو ينقص شيئا من اجتهاده .
وما هذا الكتاب الا رسالة سماوية أنزلت على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) من عند الله . . وأعتقد ان الاستاذ الشرباتى لم يتحمل عناء قراءة هذه السطور العديدة تحت هذا العنوان ، والا لم يندفع الى تساؤلاته وتأوهاته .
ويلى هذا الاعتراض أو أتهام الدكتور محمد حميد الله ، اعتراض آخر أنه ترجم كلمة الفاتحة بكلمة Prologue ومعناها ما يفتتح به شئ ، ولا استطيع أن أقول شيئا الا أن أدعوه أن يقدم بدل كلمة بالفرنساوية أخرى أقرب الى معنى الفاتحة من هذه ، أو ترجمة السبع الثانى أحسن من Les Sept Repetes فانى لم أفهم نقطة الاعتراض .
وأضاف الاستاذ الشرباتى قائلا :
(( ثم انتقلت الى سورة البقرة فاذا بى أجد ترجمة لأحرف أوائل السور وأولها ((ألم )) وقد كتب الى جانبها بالفرنسية :
وبعد نقل عدة جمل غير مربوطة حيث ترك عدة جمل في الوسط ، يقول وترجمة هذه الجملة ( ألف لام ميم ) تشعر بالارقام من واحد الى ألف في الأحرف المفرقة وهذه قائمة بالاحرف الابجدية مع قيمتها العددية ( وبعد نقل القائمة ) يردف قائلا :
(( وعدت الى التساؤل من جديد فقلت : هل المقصود من أوائل السور قيمتها العددية ))
والى القارىء حقيقة هذا الاقتباس . وحقيقة ترجمة هذا الاقتباس ، وحقيقة هذا التساؤل او التأوه المؤدى الى اثبات زعمه ان ترجمة القرآن مستحيلة .
ان الصفحة التى اقتبس الاستاذ الشرباتى هذه الجمل منها ، موزعة على ثلاثة اعمدة فوقانية ومثلها تحتانية ، وكل مرقم واضح ، وفي وسط الصفحة الذي وقع فوق العمود الثانى عنوان : ألف لام ميم ، وتبدأ العبارة من العمود الاول يقول فيه ما معناه :
ان فواتح السور التى جاءت في السور كذا وكذا ومجموعة حروفها كذا ، حروف مقطعات لم يفسرها النبى صلى الله عليه وسلم وهى من المتشابهات ، وهناك أقوال عديدة في تأويل هذه الحروف وذهب جمهور العلماء الى أن علمها عند الله .
وهذه الحروف من الحروف الابجدية العربية التي بمفردها لا تعطى معنى خاصا الا أنها كانت تمثل أرقاما معينة من واحد الى ألف ، وكانت هذه الحروف في زمن ما تستعمل للدلالة على الارقام ، وهذه هى قائمة الحروف وقيمتها العددية ، ثم ذكر القائمة .
هذا ما قاله الدكتور محمد حميد الله عن فواتح السور ، فلير القارىء الآن تصرف الاستاذ الناقد الفاضل ، انه ترك مبدأ الكلام الذي هو في بداية الصفحة على العمود الاول ونقل حملة من العمود الثانى ، فترك بعدها عدة جمل وربط الجمل الاولى بالجمل التى أتى بها المؤلف بعد جملتين ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى بدأ اقتباسه بكلمة ليس لها أى معنى ، هي Center لانها هى الحروف الاخيرة لكلمة أوائلها في نهاية العمود الاول والكلمة الكاملة هى :
Representer أى تمثل
بعد هذه الدقة الفنية في نقل الكلام أقام الشرباتى حجة على الدكتور محمد حميد الله .
أما نقده الترجمة الانكليزية لمعانى القرآن التى كتبها الاستاذ عبد الله
علي ويشمل أسلوب ترجمته نظما حرا . ما ترجم به الآية الاولى : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) . وقد سبق لكاتب هذه السطور أن أشار إلى ذلك والى بعض أخطاء أخرى في بحثه الذى نشرته مجلة التضامن الاسلامى عدد المحرم ١٣٩١ ه أى قبل شهرين من نشر مقال الاستاذ الشرباتى .
وعلى أية حال ان الاعتراض وجيه ، وأنا أؤيده فى نقده وكيف لاوقد سبقته الى تسجيل هذه الملاحظات ، الا أنى لم أر مبررا لهذه القسوة التى يتسم بها نقد الاستاذ الشرباتى سه التى يتسم بعد الاستاذ الشربابى حيث يقول ( ص ٢٥٠ )
وخرجت من تساؤلى بأن المترجم ما كان ليدع كلمة (( لا ريب )) لو ذاق طعم العربية ))
وهل يسمح لى الاستاذ الشرباتى أن أذكره بأن عبدالله يوسف علي ، لم يدع كلمة (( لا ريب )) بل خطؤه انه ترجم الآية بما يشير الى أن رفع الريب هو من الهداية المؤكدة ، وهذا قول وان كان مخالفا لما عليه أكثر المفسرين الا أن هناك من المفسرين القدامي ممن ذاقوا طعم العربية رجحوا هذا المعنى ، فليراجع اذا شاء الجزء الاول من تفسير الطبرى لهذه الآية وأقوال العلماء فيها .
والآن أستعرض ما أفاد به الاستاذ الشرباتى تحت عنوان : (( ترجمة القرآن مستحيلة )) ، ودليله أنه هناك كلمات مثل الكتاب والكتب قد تكرر ورودها في القرآن بمعانى مختلفة ، والعربى يستطيع فهم معانيها بسياق الكلام ، أما غيره فلا .
ثم أقام جدولا لبيان فروق في معنى الكتاب في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم ، وزعم أن المترجمين بالفرنساوية والانكليزية لم
يستطيعا معرفة الفرق بين هذه المواضع فترجما في كل موضع كلمة كتاب بما يفهم منه انه الكتاب الذى يدرسه الطالب في مدرسته .
وانى لأسف أن اقول مرة أخرى ان الاستاذ الشرباتى لم يتحمل عناء قراءة هاتين الترجمتين حتى أنه لم يقرأ جملة كاملة مما ينقده .
أما قوله ان (( العربى يستطيع أن يميز بين هذه المعانى لمعرفته باللغة العربية ومن سياق لمعنى )) ، فان ذلك لا ينفي أن غير العربى لا يستطيع أن يميز بين هذه المعانى من سياق المعنى . فالسياق هو كل شئ في تقرير معنى واحد بين عدة معان لكلمة واحدة .
والأمثلة التى اتى بها الاستاذ الشرباتى لا تؤيد دعواه لانه لم ينقل من كلام المترجمين الجملة الكاملة حتى ينظر هل يمثل ذلك معنى الآية القرآنية أم لا ، واني قد طبقت جميع هذه المواضع فلم أر أى خلاف في المعنى الذى يستفاد من القرآن ، وهنا مرة اخرى قد فاته أن يدقققق في النقل ، فالعبارة الانكليزية التى نقلها على ص ٢٥٣ ليست كاملة .
وفي جدوله لم يأت بما ترجم به عبد الله يوسف علي ، كلمة الكتاب في ص ٤١ وص ٦٩٧ حيث لم يترجم بكلمة Book بل مرة بكلمة Record وأخرى Book والمعنى في كليتيهما واضح كل الوضوح ، ولا يفهم منها الا معنى ما جاء في القرآن الكريم ، أما ما اقتبسه من العبارة الفرنسية للعلامة محمد حميد الله ، فقد فاته أن يتحمل عناء قراءة الجمل التى تلت هذه العبارة ومعناها : (( أهل الكتاب هم اليهود والنصارى )) ، ومعنى الكتاب الذى نبذوه وراءهم القرآن .
أما ما تفضل به الاستاذ الفاضل محمد
سليم الشربانى حيث قال : رغم ان الفرنسى والانكليزى لا يفهمان من الكتاب الا المعنى المادى له ، فأقول كان خيراللاستاذ لشرباتى أن لا يتعجل باصدار رأيه هذا ، والا فما رأيه فى هذه الجملة الانكليزية :
The Opera Was Good But The Book Was Poor .
كان أوبرا طيبا ولكن الايقاع ضئيل ، ثم
اسأل الاستاذ الشرباتى هل قرر السياق عنا أن معنى الكتاب بالانكليزى غير الكتاب المدرسى أم لا . .
هكذا يفهم كل قارئ معنى الكلمات بسياق العبارة فلنكن أمناء في النقل ولا نرم بريئا فالبهتان ظلم ، والعاقبة للمتقين .
- تم البحث -
( جدة ).
